• الإعلامية الدكتورة دريــــــة شرف الدين… • حين يصبح الإعلام ضميراً لا مهنة... ومدرسة في المهنية وذاكرة ماسبيرو الحيّة. • من نشرة الأخبار إلى نادى السينما والترمومتر الذي لم يختل ...بين سلطة الكلمة ومسؤولية الصورة. • علامة فارقة في تاريخ التلفزيون المصري والحلم الذي بدأ مبكرًا… والطريق الذي لم يكن سهلًا. • اختبارات اللغة… وكيف صنعت الصرامة مذيعة استثنائية. • نشرة الأخبار :أول اختبار للثقة والمسؤولية... • بين الفن والسياسة: معادلة صعبة أتقنتها. • نادى السينما: البرنامج الذي علّم المصريين كيف يشاهدون الفيلم حين تحوّل الحوار إلى ثقافة عامة. • من الرقابة إلى الوزارة: مواقع شائكة وقرارات صعبة. • الإعلام في زمن الارتباك… ورؤية لا تزال صالحة. • حديث العرب: عودة هادئة بثقل الخبرة. • لماذا نحتاج اليوم إلى نموذج درية شرف الدين؟ تنتمي الدكتورة درية شرف الدين إلى ذلك الجيل النادر من الإعلاميين الذين تشكّلت ملامحهم المهنية على مهل، وبالاعتماد على المعرفة والانضباط، لا على المصادفة أو الضجيج. إعلامية وناقدة سينمائية وكاتبة مصرية، وُلدت في مدينة دمياط، وبدأ حلمها بالعمل في التلفزيون منذ المرحلة الثانوية، متأثرةً بنماذج راسخة في الوعي الإعلامي المصري، كان في مقدمتها يوسف شريف رزق الله، ومحمود سلطان، وزينب الحكيم، الذين شكّلوا لديها مبكرًا صورة المذيع المثقف، القادر على الجمع بين المعلومة والوعي. التحقت بالتلفزيون المصري بعد اختبارات لم تخلُ من الصعوبة، وكان الشاعر الكبير فاروق شوشة حاضرًا خلال لجان القبول، حيث واجهت ملاحظات قاسية تتعلق بأدائها اللغوي، خاصة في الضبط بالحركات (الفتحة والضمة)، لكنها حوّلت هذه الملاحظة إلى نقطة انطلاق، فخلال يوم واحد فقط أعادت ترتيب أدواتها، ونجحت في الاختبارات، لتبدأ مسيرتها من بوابة نشرة الأخبار، التي كانت أول ما قدمته على الشاشة، قبل أن تجري حوارات سياسية وفنية رسّخت مكانتها داخل ماسبيرو، حيث ظل الإحساس بالاحترام والتبجيل تجاه الشاشة جزءًا لا يتجزأ من علاقتها بالمهنة. وتتوقف الدكتورة درية شرف الدين دائمًا عند أسماء كان لها الفضل في صقل تجربتها المهنية؛ فتدين بالكثير للأستاذ حسن شمس في تعليمها أصول تقديم البرامج، بينما تعلّمت النطق الصحيح ودقة الأداء اللغوي على يد أميمة عبد العزيز، في تجربة جعلتها تدرك مبكرًا أن تقديم البرامج، رغم ما يمنحه من شهرة، لا يقل مسؤولية عن قراءة الأخبار. ويظل برنامج «نادي السينما» المحطة الأبرز في مسيرتها، ليس فقط لنجاحه الجماهيري، بل لأنه تحوّل إلى واحدة من أهم الظواهر الثقافية في تاريخ التلفزيون المصري. البرنامج، الذي لم يكن فكرتها في الأصل، لكنه ما إن بدأ حتى حصد ردود فعل لافتة، وقدّم للمشاهد المصري أفلامًا أجنبية متميزة، أمريكية وأوروبية، حائزة على جوائز، مصحوبة بشرح واعٍ لتاريخ الفيلم وصنّاعه، وتحليل لغته السينمائية ورسائله. واستضاف «نادي السينما» كبار مخرجي السينما المصرية، من بينهم سمير سيف، وعلي بدرخان، وخيري بشارة، وداوود عبد السيد، ومحمد خان، إلى جانب نخبة من أبرز نقاد السينما، مثل الدكتور رفيق الصبان، ومصطفى درويش، وسامي السلاموني، ورؤوف توفيق، وسمير فريد، وعلي أبو شادي، وكمال رمزي، وخيرية البشلاوي، وماجدة موريس، وغيرهم، ليصبح البرنامج بمثابة محاضرة سينمائية أسبوعية شديدة المتعة والجاذبية. ولم يقتصر حضورها الثقافي على الشاشة، بل امتد إلى قراءة السينما بوصفها خطابًا سياسيًا واجتماعيًا، وهو ما تجلّى في دراستها الأكاديمية وحصولها على الدكتوراه في الفيلم السياسي، وفي مؤلفاتها التي تناولت علاقة السياسة بالسينما في مصر، فضلًا عن كتابها الذي خاض بعمق في فكر وشخصية قداسة البابا شنوده الثالث، الذي كان له مكانة خاصة في قلبها، وقد أجرت معه عدة حوارات ناجحة خلال فترة عملها رئيسةً لقطاع القنوات الفضائية المصرية. وفي سياق متصل، أبدت تقديرًا خاصًا للفنان ووزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، مؤكدة أن عطاؤه تجاوز حدود المنصب الوزاري الذي شغله لأكثر من عقدين، كما توقفت عند تجربتها مع فيلم «أوغسطينوس ابن دموعها»، الذي فاجأها بخروجه من الإطار الديني التقليدي إلى عمل سينمائي رفيع من إخراج المخرج الكبير سمير سيف. وتنقلت الدكتورة درية شرف الدين بين مناصب قيادية شائكة؛ فتولت رئاسة الرقابة على المصنفات الفنية، قبل أن تطلب إعفاءها بسبب معوقات لم تتوافق مع قناعاتها، ثم شغلت منصب وكيل أول وزارة الإعلام، ورئيس قطاع القنوات الفضائية، وعضوة الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا، وصولًا إلى تولي حقيبة وزارة الإعلام في حكومة الدكتور حازم الببلاوي عام 2013، واستمرارها في المنصب في حكومة المهندس إبراهيم محلب، في مرحلة بالغة الصعوبة، خاصة بعد ما وصفته بآثار فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، التي شهدت محاولات لإخونة مبنى الإذاعة والتلفزيون. وبعد سنوات من الغياب، عادت إلى الشاشة عام 2021 ضمن خمسة وجوه إعلامية فقط، هم: درية شرف الدين، وطارق علام، وشافكي المنيري، وإيمان عز العرب، ومنة فاروق، لتقدّم برنامج «حديث العرب»، الذي لا تزال تقدمه حتى الآن باقتدار، مستضيفة شخصيات متميزة من المجتمع المصري، ومسلطة الضوء على القضايا والأحداث الأهم مصريًا وعربيًا، بالتحليل الهادئ والرؤية المتأنية. في هذا الحوار الخاص مع كاريزما، نقترب من تجربة إعلامية جمعت بين الفن والسياسة، وبين الثقافة والمسؤولية، وصنعت نموذجًا نادرًا لمذيعة لا تزال تحتفظ بـ«الترمومتر»، في زمن باتت فيه الحاجة ماسّة إلى إعلام يعيد الاعتبار للعقل والمعنى. س :هل كان حلمك منذ الصغر العمل في المجال الإعلامي؟ ج: من المؤكد أن حلمي كان أن أكون مذيعة في التليفزيون المصري، لكن هذا الحلم لم يبدأ منذ الطفولة المبكرة، بل تبلور في مرحلة الثانوية والجامعة، وهي المرحلة التي يصل فيها الإنسان إلى قدر أكبر من الإدراك والوعي. في تلك الفترة تحديدًا بدأت رغبتي الحقيقية في العمل بالمجال الإعلامي، وأصبح الإعلام بالنسبة لي حلمًا كبيرًا ومشروع حياة، وليس مجرد أمنية عابرة. س: درستِ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ولم تلتحقي بكلية الإعلام… لماذا؟ ج: المسألة كانت شغفًا حقيقيًا بالعلوم السياسية. كنت أرغب بشدة في دراستها، وذاكرت جيدًا في الثانوية العامة، وحصلت على مجموع مرتفع مكّنني من الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. شعرت بسعادة كبيرة لأن هذه الدراسة كانت تلائم قدراتي وميولي، وكنت – ولا أزال – أحب دراسة العلوم السياسية حبًا حقيقيًا. س :ما الدافع الذي جعلك تحرصين على الدراسة في أكاديمية الفنون بالقاهرة؟ ج: بعد الانتهاء من دراستي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، اتجه اهتمامي إلى دراسة السينما والفن، وكنت راغبة في التخصص في النقد الفني. لذلك التحقت بالمعهد العالي للنقد الفني التابع لأكاديمية الفنون. كنت مؤمنة بأن هناك صلة وثيقة بين السياسة والفن في أي دولة، ولا يوجد انفصال حقيقي بين الحياة السياسية والفنية والمسرحية والأدبية. من هذا المنطلق، كان التحاقي بأكاديمية الفنون خطوة منطقية وطبيعية، وأسفر ذلك عن أول كتبي: «السياسة والسينما في مصر من عهد محمد نجيب حتى اغتيال السادات». س :هل كانت دراستك في أكاديمية الفنون سببًا في اختيارك لتقديم برنامج “نادي السينما” بالتليفزيون المصري؟ ج: بالتأكيد، كانت دافعًا كبيرًا. اختياري لتقديم برنامج نادي السينما جاء نتيجة دراستي في أكاديمية الفنون، وهو ما كان محل تقدير من القائمين على البرنامج. وكان الصديق العزيز الراحل يوسف شريف رزق الله هو معد البرنامج، واستمر ذلك التعاون لمدة أربع سنوات. س: عُرف أن برنامج “نادي السينما” لم يكن فكرتك من الأساس؟ ج: صحيح، لم يكن البرنامج فكرتي الشخصية، بل كان فكرة لمسؤولي التليفزيون، ومن بينهم المخرج السينمائي مجدي قناوي، إلى جانب يوسف شريف رزق الله، الذي كان ناقدًا سينمائيًا له ميول سياسية وسينمائية واضحة، وكان أيضًا زميل دراسة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. وهذا يؤكد مرة أخرى أن السياسة والفن مرتبطان ارتباطًا وثيقًا. س: ما أسباب النجاح الكبير الذي حققه برنامج “نادي السينما” خلال فترة تقديمك له؟ ج :عند بدء أي برنامج جديد، لا يمكن التنبؤ برد فعل الجمهور. لكنني حرصت منذ البداية على وضع تركيبة مدروسة للبرنامج؛ حيث يتم عرض فيلم أجنبي مع توضيح سنة إنتاجه، وبلد الإنتاج، وأبطاله، إلى جانب تحليل أبرز عناصره الفنية. وبالفعل، بعد عدد غير كبير من الحلقات، جاءت ردود أفعال الجمهور إيجابية ومشجعة، وهو ما أكد نجاح التجربة. س: في تصورك الشخصي، كيف استطاع برنامج “نادي السينما” أن يجذب ملايين المشاهدين؟ ج :كنا نبذل مجهودًا كبيرًا في إعداد البرنامج. كنت أحرص على استضافة ناقد أو أديب يتناسب مع مضمون الفيلم المعروض، وكنا نتابع السينما الأجنبية باستمرار لاختيار الأعمال التي تستحق العرض والمناقشة. هذا الجهد الجماعي، والدقة في الاختيار، كانا سببًا رئيسيًا في وصول البرنامج إلى هذا العدد الكبير من المشاهدين. س :لماذا لم تفكرِ الإعلامية درية شرف الدين في تقديم برنامج «نادي السينما» مرة أخرى؟ ج: كل شيء في الحياة له توقيته وظروفه. «نادي السينما» كان نتاجًا مباشرًا للإعلام الرسمي للدولة في ذلك الوقت، وكانت تتوافر له إمكانيات كبيرة، سواء من حيث سهرة العرض أو جودة الأفلام المختارة. الحصول على الأفلام الأجنبية لم يكن أمرًا سهلًا، بل كان يتم عبر اتفاقات واضحة مع شركات إنتاج أجنبية لتوريد هذه الأعمال وعرضها على التليفزيون المصري، وهو ما يصعب تكراره بنفس الصيغة اليوم. س :هل كان هناك اتصال مباشر بين برنامج «نادي السينما» وشركات إنتاج أجنبية آنذاك؟ ج :نعم، كان هناك تواصل وعلاقات مباشرة مع شركات إنتاج أجنبية، وهذا ما أتاح لنا الحصول على الأفلام الأجنبية المميزة وعرضها ضمن حلقات البرنامج. س :كيف كنتِ تختارين الفيلم الأجنبي الذي يُعرض في حلقات «نادي السينما»؟ ج :الاختيار كان يقوم على مزيج من عدة عوامل، في مقدمتها الجودة والمضمون. قدمنا عبر البرنامج أفلام أطفال، وأفلامًا حربية، وأخرى سياسية، وكان المهم دائمًا أن يحمل الفيلم رسالة واضحة وقيمة فنية حقيقية. كنا نحرص على شرح الفيلم وتقديمه للمشاهد قبل عرضه، حتى يكون التلقي واعيًا وممتعًا في الوقت نفسه. س :هل ترين أنكِ نجحتِ في «نادي السينما» أكثر من تقديم نشرات الأخبار؟ ج: أول ظهور لي في التليفزيون كان من خلال نشرات الأخبار، وشاركت بعدها في تقديم الحوارات السياسية والفنية. دراستي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ثم دراستي في أكاديمية الفنون، كان لهما دور كبير في نجاحي سواء في تقديم النشرات الإخبارية أو البرامج السياسية والفنية، ولا أستطيع الفصل بين هذه التجارب، فكلها أسهمت في تكوين شخصيتي الإعلامية. س :بما أنكِ نجحتِ في تقديم النشرات والبرامج، هل ترين أن الإعلامي قادر على تقديم كل القوالب الإعلامية؟ ج: الأمر يختلف من مذيع لآخر بحسب إمكانياته وقدراته. هناك من يتفوق في البرامج السياسية ولا يستطيع تقديم البرامج الفنية، والعكس صحيح. وهناك إعلاميون يمتلكون القدرة على الجمع بين أكثر من قالب إعلامي بنجاح، وهذا يعتمد في النهاية على الموهبة والدراسة والخبرة. س: من كان مثلكِ الأعلى في التليفزيون المصري، والنماذج التي سعيتِ للتعلم منها؟ ج: عند دخولي التليفزيون المصري، لم يكن هناك نموذج واحد فقط، بل عدة نماذج ناجحة. من بينهم يوسف شريف رزق الله في مجال الإعداد، والإعلامي محمود سلطان، والإعلامية زينب الحكيم في أداء النشرات الإخبارية. س :سبق أن ذكرتِ أن فاروق شوشة كان داعمًا لكِ خلال اختبارات العمل بالتليفزيون المصري؟ ج: نعم، بالفعل. كان الأستاذ فاروق شوشة حاضرًا معي خلال تلك الاختبارات، وكانت هناك صلة عائلية. في البداية شعر بالحزن لأن لجنة الاختبار أشادت بي في كل شيء، لكن الملاحظة الوحيدة كانت تتعلق بالتشكيل في اللغة العربية. س: وكيف كانت أزمة اللغة العربية؟ ج :لم تكن أزمة كبيرة، بل اقتصرت على الضمة والفتحة فقط. وبعد يوم واحد عدت للاختبارات مرة أخرى، ونجحت، وكنت متمكنة من التشكيل الصحيح في اللغة العربية بشكل كامل خلال هذا اليوم. س: حدثينا باستفاضة عن صاحب «لغتنا الجميلة» الأستاذ فاروق شوشة، ودوره في حياتك. ج: الأستاذ فاروق شوشة، الملقب بعندليب اللغة العربية، لم يكن شاعرًا عاديًا، بل كان قادرًا على أن يأخذنا إلى فضاء بلا نهاية بمجرد أن نسمعه يلقي شعره. تابعنا برنامجه الإذاعي «لغتنا الجميلة» منذ انطلاقه عام 1967، حيث كان يسحرنا بجمال نطقه ومخارج حروفه، ولم يكن له منافس في مجاله. وفي التليفزيون تابعنا برنامجه «أمسية شعرية» الذي بدأ عام 1977، واستمتعنا من خلاله بالاستماع إلى شعراء كبار مثل عبدالرحمن الأبنودي وأمل دنقل. كما كان له باب ثابت في مجلة «العربي» الكويتية، يفتح لنا من خلاله أبواب جماليات اللغة العربية. لم يكن شاعرًا فقط، بل كان من حماة اللغة العربية وفرسانها، وكنت أستمع إليه بإعجاب شديد، وأتمنى دائمًا أن أنطق العربية بفصاحته وإبداعه. س :هل يمكن أن تحدثينا عن نشأته ومسيرته المهنية؟ ج :وُلد الأستاذ فاروق محمد شوشة في قرية الشعراء بمحافظة دمياط، وحفظ القرآن الكريم كاملًا في صغره، وهو ما كان له أثر كبير في فصاحته واهتمامه باللغة والشعر. تخرج في كلية دار العلوم، ثم كلية التربية بجامعة عين شمس، وعمل بالتدريس، قبل أن يلتحق بالإذاعة المصرية عام 1958، ويتدرج في مناصبها حتى أصبح رئيسًا لها عام 1994. وعند رحيله، أوصى بأن يُدفن في مسقط رأسه بقرية الشعراء، وهو ما تم بالفعل. س: عندما بدأتِ العمل في التليفزيون المصري، ما الهدف الذي كنتِ تسعين إليه؟ ج: كان هدفي أن أعمل بجدية شديدة وإخلاص كامل. بذلت مجهودًا كبيرًا في كل ما قدمته من برامج، وكان التوفيق من عند الله عز وجل. س: ما أكثر موقف سعيد تتذكرينه خلال عملك في التليفزيون المصري؟ ج :المواقف السعيدة كانت كثيرة. مبنى ماسبيرو نفسه كان يحمل قدرًا كبيرًا من التبجيل؛ في كل مرة أدخل فيها التليفزيون كنت أشعر بالاحترام والرهبة. العمل في التليفزيون المصري كان حلمًا لكثيرين، وكنت أشعر بقيمة هذا الحلم في كل لحظة. س: من أبرز المخرجين والنقاد الذين استضافهم برنامج «نادي السينما»؟ ج :استضاف البرنامج قامات كبيرة من صُنّاع السينما، من بينهم المخرجون: سمير سيف، علي بدرخان، خيري بشارة، داود عبد السيد، ومحمد خان. كما استضاف نخبة من كبار النقاد، مثل: د. رفيق الصبان، مصطفى درويش، سامي السلاموني، رؤوف توفيق، سمير فريد، علي أبو شادي، كمال رمزي، خيرية البشلاوي، ماجدة موريس، وطارق الشناوي. س: من أبرز من دعمك خلال عملك في التليفزيون المصري؟ ج: كل من عملت معهم وكانوا مسؤولين في التليفزيون في ذلك الوقت دعموني. من بينهم فايق فهمي، وأحمد رضوان في نشرة الأخبار، وكذلك حسن شمس الذي علّمني الكثير وأدين له بالفضل في تعلم تقديم البرامج. كما لا أنسى الإعلامي والإذاعي المصري طاهر أبو زيد، وأميمة عبد العزيز التي كان لها دور كبير في تعليمي النطق السليم. س: هل ترين أن الأفضل تقديم نشرات الأخبار أم البرامج؟ ج: قدمت البرامج وفي الوقت نفسه كنت أقدم نشرات الأخبار، لكن البرامج دائمًا تجعل المذيع أكثر شهرة مقارنة بنشرات الأخبار، رغم أهمية الاثنين. س: عدتِ لتقديم البرامج عبر “حديث العرب من القاهرة” على القناة الأولى.. لماذا اخترتِ هذا البرنامج؟ ج: هذا البرنامج يُعد إضافة كبيرة، وأنا أعتبره “حديث العرب من مصر”. أبذل فيه جهدًا كبيرًا وأقدمه بإخلاص شديد، لكن التوفيق في النهاية من الله ومن الناس. هو برنامج مسجل وليس مباشرًا، ويتضمن حوارًا أسبوعيًا، ويمثل قيمة مضافة لمسيرتي الإعلامية. س: من المعروف أن الدكتور فاروق حسني أسند إليكِ مسؤولية الرقابة على المصنفات الفنية.. كيف كانت التجربة؟ ج :لم أمكث طويلًا في هذا المنصب، إذ اصطدمت بالعديد من المعوقات التي لم أستطع التواؤم معها، وفي النهاية طلبت إعفائي من المنصب، ثم توليت في مرحلة فارقة حقيبة وزارة الإعلام. س: كيف تصفين الدكتور فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق وصاحب فكرة المتحف المصري الكبير؟ ج :الدكتور فاروق حسني يُعد من رموز الفن التشكيلي المصري الحديث، وقد تجاوز عطاؤه حدود منصبه الوزاري. فكرة إنشاء المتحف المصري الكبير تُعد من أهم إنجازاته الحضارية، إلى جانب دوره الريادي في دعم الفنون التشكيلية وبناء البنية الثقافية المصرية المعاصرة. كما أن تأسيس مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون عام 2019 أحدث نقلة نوعية في صورته لدى الشباب، ليصبح راعيًا للفنانين الشباب ومنصة للحوار الجمالي. س :توليتِ وزارة الإعلام بعد ثورة 30 يونيو.. ما أبرز التحديات التي واجهتك؟ ج :فوجئت بالاختيار، وكان ذلك عقب حكم الإخوان. الوزارة قبلي شهدت محاولات واضحة لأخونة مبنى الإذاعة والتليفزيون، وتحول المبنى إلى جهة حكومية إخوانية، وامتلأ بقنوات دخيلة وتعاقدات عشوائية. كانت فترة شديدة الصعوبة، ويمكن وصفها بأنها سنة سوداء في تاريخ الإعلام المصري. س :لديكِ مقالة أسبوعية في “المصري اليوم”، وكتبتِ عن فيلم “أغسطينوس – ابن دموعها”.. ماذا تقولين عنه؟ ج :توقعت أن يكون فيلمًا دينيًا تقليديًا، لكنني فوجئت بعمل سينمائي مختلف تمامًا. لم يكن فيلمًا كنسيًا نمطيًا، ولا قائمًا على نجوم مسيحيين فقط، بل شارك فيه ممثلون مسلمون ومسيحيون من دول عدة، في عمل متوسطي مميز أخرجه المخرج الكبير سمير سيف برؤية تاريخية معاصرة. س: ما الذي يميز البناء الدرامي للفيلم؟ ج :يبدأ الفيلم من شوارع باريس، ويتنقل بين الحاضر والماضي عبر قصة صحفي جزائري معاصر وقصة القديس أغسطينوس، في توازٍ إنساني وروحي عميق، حيث يبحث كل منهما عن الحقيقة والهداية، رغم اختلاف الزمن والدين. س: لماذا جاء اسم الفيلم “أغسطينوس – ابن دموعها”؟ ج: لأن الفيلم يسلط الضوء على والدة القديس أغسطينوس، القديسة مونيكا، التي كانت دموعها لا تنقطع من أجل هداية ابنها، ومن هنا جاء العنوان. الفيلم دُبلج إلى ست لغات، وعُرض في دول عربية وأوروبية وأمريكية، وحصل على عدة جوائز. س: في ختام الحوار.. حدثينا عن كتابك “الخوض عميقًا في قلب وعقل قداسة البابا شنودة الثالث”؟ ج: قداسة البابا شنودة الثالث له مكانة خاصة في قلبي. أجريت معه حوارًا عام 2002 أثناء عملي رئيسًا لقطاع القنوات الفضائية، وفتح قلبه وأجاب عن كل الأسئلة. لاقى الحوار نجاحًا كبيرًا داخل مصر وخارجها، ومن هنا جاءت فكرة تحويله إلى كتاب، وقد رحّب بها وكتب مقدمة الكتاب بخط يده. س: من خلال حواراتك مع الدكتور مجدي يعقوب.. ما أحدث الاكتشافات الطبية التي تحدث معك عنها؟ ج :الدكتور مجدي يعقوب تفرغ الآن للبحث العلمي، ويعمل على أبحاث الخلايا الجذعية لتكوين صمامات قلب حية من أنسجة المريض نفسه، وهو ما سينهي معاناة الأطفال مع عمليات استبدال الصمامات المتكررة. ما يقدمه يُعد معجزة طبية بكل المقاييس، ويستحق تقديرًا عالميًا يليق بعظمة هذا الإنجاز. في ختام هذا الحوار الصحفي الثري، لا يسعنا إلا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتورة درية شرف الدين، الإعلامية الكبيرة ووزيرة الإعلام السابقة، على هذا اللقاء الراقي الذي أضاء محطات مهمة من مسيرتها المهنية والفكرية، وكشف عن رؤية عميقة وخبرة متراكمة لشخصية رائدة أسهمت بصدق وإخلاص في تشكيل الوعي الإعلامي المصري والعربي. لقد جاء هذا الحوار شاهدًا على مسيرة إعلامية استثنائية، جمعت بين المهنية الصارمة، والثقافة الواسعة، والقدرة على قراءة الواقع بوعي ومسؤولية، لتظل الدكتورة درية شرف الدين نموذجًا للإعلامي الوطني المستنير، وصوتًا عقلانيًا حاضرًا في القضايا الكبرى، داخل مصر وخارجها. وإذ تشرفنا في صحيفة كاريزما بهذا الحوار المميز، فإننا نعبّر عن امتناننا العميق لسيادتها على هذا السخاء الفكري والإنساني، ونتمنى لها دوام العطاء والتألق، لتبقى علامة مضيئة في تاريخ الإعلام المصري والعربي، وحضورًا مؤثرًا على الساحة الإعلامية الإقليمية والعالمية.