حواراتعاجل

الأنبا سرابيون… مسيرة علم وإيمان ورعاية تمتد من صعيد مصر إلى مهجر القارات

قـام بالحـوار رئيـس التحـريـر/ وائــل لـطـف الله

يُعد‭ ‬نيافة‭ ‬الحبر‭ ‬الجليل‭ ‬الانبا‭ ‬سرابيون‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أعمدة‭ ‬الكنيسة‭ ‬القبطية‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ورمزًا‭ ‬روحيًا‭ ‬وإنسانيًا‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬أجيال‭ ‬متعاقبة‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الكنيسة‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وخارجها‭.‬

وُلد‭ ‬نيافته‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬أسيوط‭ ‬بصعيد‭ ‬مصر،‭ ‬ونشأ‭ ‬في‭ ‬أسرة‭ ‬قبطية‭ ‬متدينة‭ ‬غرست‭ ‬فيه‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة‭ ‬قيم‭ ‬الإيمان،‭ ‬والانضباط،‭ ‬وحب‭ ‬الخدمة‭. ‬نشأ‭ ‬وسط‭ ‬عائلة‭ ‬مترابطة،‭ ‬وكان‭ ‬لتنشئته‭ ‬الأسرية،‭ ‬وعلاقته‭ ‬الوثيقة‭ ‬بإخوته،‭ ‬دورٌ‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬شخصيته‭ ‬المتزنة،‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الحزم‭ ‬الأبوي‭ ‬والاحتواء‭ ‬الإنساني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬لاحقًا‭ ‬على‭ ‬أسلوبه‭ ‬الرعوي‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬القلوب‭.‬

على‭ ‬الصعيد‭ ‬العلمي،‭ ‬التحق‭ ‬نيافته‭ ‬بكلية‭ ‬الطب‭ ‬جامعة‭ ‬أسيوط،‭ ‬حيث‭ ‬تخرج‭ ‬عام‭ ‬1975‭ ‬حاصلًا‭ ‬على‭ ‬بكالوريوس‭ ‬الطب‭ ‬والجراحة‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬تفوقه‭ ‬العلمي‭ ‬منفصلًا‭ ‬عن‭ ‬عمقه‭ ‬الروحي،‭ ‬إذ‭ ‬مارس‭ ‬مهنة‭ ‬الطب‭ ‬لعدة‭ ‬سنوات،‭ ‬واضعًا‭ ‬علمه‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الإنسان،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسمع‭ ‬نداء‭ ‬الرهبنة‭ ‬الذي‭ ‬شكّل‭ ‬نقطة‭ ‬التحول‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬مسيرته‭.‬

قادته‭ ‬هذه‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬دير‭ ‬القديس‭ ‬الأنبا‭ ‬بيشوي‭ ‬بوادي‭ ‬النطرون،‭ ‬حيث‭ ‬ترهَّب‭ ‬في‭ ‬6‭ ‬أغسطس‭ ‬1979 ،‭ ‬ثم‭ ‬رُسم‭ ‬كاهنًا‭ ‬عام‭ ‬1981،وكلفة‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬شنودة‭  ‬الثالث‭ ‬بالخدمة‭ ‬في‭ ‬سويسرا‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٨٣‬لتبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬العطاء‭ ‬الكنسي‭ ‬والخدمة‭ ‬الروحية‭. ‬وفي‭ ‬‮٢‬‭ ‬يونية‭ ‬‮١٩٨٥‬‭ ‬قام‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬شنودة‭ ‬الثالث‭ ‬بسيامتة‭ ‬اسقفا‭ ‬عاما‭ ‬للخدمات‭. ‬العامة‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والمسكونية‭. ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الكنيسة‭ ‬القبطية‭ ‬في‭ ‬المهجر،‭ ‬أسندت‭ ‬إليه‭ ‬مهام‭ ‬رعوية‭ ‬وخدمية‭ ‬متعددة،‭ ‬أهلته‭ ‬ليكون‭ ‬أحد‭ ‬الوجوه‭ ‬البارزة‭ ‬في‭ ‬تمثيل‭ ‬الكنيسة‭ ‬قبطيًا‭ ‬ومسكونيًا‭.‬

وفي‭ ‬23‭ ‬ديسمبر‭ ‬1995،‭ ‬جرى‭ ‬تجليس‭ ‬نيافته‭ ‬أسقفًا‭ ‬على‭ ‬إيبارشية‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬وجنوب‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬وهاواي،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬كنيسة‭ ‬السيدة‭ ‬العذراء‭ ‬مريم‭ ‬القبطية‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬بلوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬–‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬ليصبح‭ ‬أول‭ ‬راعٍ‭ ‬لهذه‭ ‬الإيبارشية‭ ‬الوليدة‭ ‬آنذاك،‭ ‬واضعًا‭ ‬أسسها‭ ‬الروحية‭ ‬والإدارية،‭ ‬ومساهمًا‭ ‬في‭ ‬نموها‭ ‬واتساع‭ ‬خدمتها‭ ‬عبر‭ ‬عشرات‭ ‬الكنائس‭ ‬والمؤسسات‭.‬

وفي‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬رُقي‭ ‬نيافته‭ ‬إلى‭ ‬رتبة‭ ‬مطران،‭ ‬تقديرًا‭ ‬لمسيرته‭ ‬الطويلة‭ ‬والمثمرة‭ ‬في‭ ‬الخدمة،‭ ‬ولما‭ ‬قدّمه‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬متزن‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الإيمان‭ ‬الأرثوذكسي‭ ‬الأصيل‭ ‬والانفتاح‭ ‬الواعي‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭.‬

يأتي‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬الخاص‭ ‬بمناسبة‭ ‬مرور‭ ‬ثلاثين‭ ‬عامًا‭ ‬على‭ ‬تجليس‭ ‬نيافة‭ ‬الحبر‭ ‬الجليل‭ ‬الأنبا‭ ‬سرابيون‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬إيبارشية‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬وجنوب‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬وهاواي،‭ ‬وهي‭ ‬مناسبة‭ ‬روحية‭ ‬وتاريخية‭ ‬تستدعي‭ ‬التوقف‭ ‬أمام‭ ‬مسيرة‭ ‬حافلة‭ ‬بالعطاء،‭ ‬والرعاية،‭ ‬والبناء،‭ ‬والعمل‭ ‬الدؤوب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الإنسان‭ ‬والكنيسة‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬المباركة،‭ ‬نبدأ‭ ‬حوارنا‭ ‬مع‭ ‬نيافتة،‭ ‬ونفتح‭ ‬فيه‭ ‬صفحات‭ ‬الذاكرة‭ ‬والرؤية‭ ‬مع‭ ‬راعٍ‭ ‬يعيش‭ ‬للكنيسة،‭ ‬ويبنى‭ ‬بالحب،‭ ‬ويقود‭ ‬بالحكمة،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬شاهدًا‭ ‬حيًا‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬تمتد‭ ‬عبر‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬والعمل‭.‬

أولاً‭:‬ النشأة‭ ‬والدعوة‭:‬

س‭ -‬نيافة‭ ‬الأنبا‭ ‬سرابيون،‭ ‬كيف‭ ‬أثّرت‭ ‬نشأتكم‭ ‬في‭ ‬صعيد‭ ‬مصر‭ ‬داخل‭ ‬أسرة‭ ‬قبطية‭ ‬متدينة‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬شخصيتكم‭ ‬الروحية‭ ‬والإنسانية؟ وكم‭ ‬عدد‭ ‬إخوتكم‭ ‬بالجسد؟

ج‭-‬ نشأتُ‭ ‬في‭ ‬أسرةٍ‭ ‬متدينة؛‭ ‬كان‭ ‬والدي‭ ‬طبيبًا،‭ ‬بينما‭ ‬تفرغت‭ ‬والدتي‭ ‬لتربيتنا‭ ‬والاهتمام‭ ‬بشؤون‭ ‬الأسرة‭. ‬نحن‭ ‬سبعة‭ ‬أبناء‭: ‬ستة‭ ‬أولاد‭ ‬وأخت‭ ‬واحدة،‭ ‬وكنتُ‭ ‬أنا‭ ‬الثالث‭ ‬بين‭ ‬إخوتي‭.‬

حرصت‭ ‬الأسرة‭ ‬منذ‭ ‬الصغر‭ ‬على‭ ‬تنشئتنا‭ ‬تنشئة‭ ‬روحية‭ ‬سليمة،‭ ‬فكانت‭ ‬الكنيسة‭ ‬ومدارس‭ ‬الأحد‭ ‬جزءًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬من‭ ‬حياتنا،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬انتقالنا‭ ‬إلى‭ ‬أسوان‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬والدي‭ ‬هناك‭. ‬وكنتُ‭ ‬حينها‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الرابع‭ ‬الابتدائي‭.‬

ارتبطنا‭ ‬بخدمة‭ ‬مدارس‭ ‬الأحد‭ ‬في‭ ‬كنيسة‭ ‬العذراء‭ ‬بأسوان،‭ ‬وكانت‭ ‬لهذه‭ ‬الخدمة‭ ‬بصمة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬تكويننا‭ ‬الروحي،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬برعايتنا‭ ‬روحيا،‭ ‬بل‭ ‬وجّهتنا‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬سرّ‭ ‬الاعتراف‭ ‬منذ‭ ‬سن‭ ‬مبكرة‭ ‬وبوعي‭ ‬روحي‭. ‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬كان‭ ‬اعترافي‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬المتنيح‭ ‬القمص‭ ‬إرميا‭ ‬زكي‭.‬

كان‭ ‬للاستقرار‭ ‬الأسري‭ ‬أثر‭ ‬بالغ‭ ‬في‭ ‬تكوينى‭ ‬الروحي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أبٍ‭ ‬واعٍ‭ ‬بدوره‭ ‬التربوي،‭ ‬وأمٍ‭ ‬محبة‭ ‬ومهتمة‭ ‬بأبنائها،‭ ‬ما‭ ‬وفر‭ ‬مناخًا‭ ‬روحيًا‭ ‬وإنسانيًا‭ ‬جميلًا‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭. ‬كما‭ ‬لعب‭ ‬افتقاد‭ ‬الآباء‭ ‬الكهنة‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬القمص‭ ‬بولس،‭ ‬الذي‭ ‬تميز‭ ‬بخدمته‭ ‬في‭ ‬كنيسة‭ ‬العذراء‭ ‬باسوان،‭ ‬وحرصه‭ ‬على‭ ‬الزيارة‭ ‬الشهرية‭ ‬المنتظمة‭ ‬للأسرة‭.‬

س‭ -‬درستُم‭ ‬الطب‭ ‬وتخرّجتم‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬أسيوط‮…‬‭ ‬كيف‭ ‬أثّرت‭ ‬هذه‭ ‬الخلفية‭ ‬العلمية‭ ‬على‭ ‬رؤيتكم‭ ‬للخدمة‭ ‬والرعاية،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬تخصّص‭ ‬نيافتكم‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬آنذاك؟

ج‭-‬ درستُ‭ ‬الطب‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬أسيوط،‭ ‬وبعد‭ ‬التخرّج‭ ‬التحقت‭ ‬بالعمل‭ ‬كطبيب‭ ‬امتياز،‭ ‬ثم‭ ‬قضيت‭ ‬عامًا‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الريفي‭ ‬الطبي،‭ ‬كان‭ ‬جزءٌ‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬الجرمانية‭ ‬بمدينة‭ ‬أسوان‭.‬

لاحقًا،‭ ‬التحقت‭ ‬بنيابة‭ ‬تخصص‭ ‬وجراحة‭ ‬المسالك‭ ‬البولية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أتجه‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة‭ ‬إلى‭ ‬الدير‭.‬

إجمالًا،‭ ‬قضيت‭ ‬نحو‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطب،‭ ‬وكان‭ ‬لهذه‭ ‬التجربة‭ ‬أثر‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬تكويني‭ ‬الإنساني‭ ‬والفكري‭. ‬فقد‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬أسرة‭ ‬طبية؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬والدي‭ ‬طبيبًا،‭ ‬وتميّز‭ ‬بإنسانيته‭ ‬واهتمامه‭ ‬الشديد‭ ‬بالفقراء،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يعفيهم‭ ‬من‭ ‬الرسوم،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬كان‭ ‬يتحمّل‭ ‬تكلفة‭ ‬الدواء‭ ‬من‭ ‬ماله‭ ‬الخاص‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الطب‭ ‬كمصدر‭ ‬دخل،‭ ‬بل‭ ‬كرسالة‭ ‬إنسانية‭ ‬حقيقية‭.‬

أتذكر‭ ‬جيدًا‭ ‬أنه‭ ‬كان،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬راحته‭ ‬بين‭ ‬فترتي‭ ‬العمل‭ ‬الصباحية‭ ‬والمسائية،‭ ‬إذا‭ ‬جاءت‭ ‬سيدة‭ ‬تحمل‭ ‬طفلها‭ ‬المريض‭ ‬إلى‭ ‬المنزل،‭ ‬كان‭ ‬يخرج‭ ‬ويكشف‭ ‬عليه‭ ‬أمام‭ ‬باب‭ ‬البيت،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬بإمكانه‭ ‬توجية‭ ‬الام‭ ‬للحضور‭ ‬إلى‭ ‬العيادة‭ ‬مساءً‭. ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬يشعر‭ ‬بألم‭ ‬الأم‭ ‬وقلقها‭ ‬على‭ ‬طفلها،‭ ‬ويتعامل‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ ‬بضمير‭ ‬حيّ‭ ‬ومسؤولية‭ ‬إنسانية،‭ ‬وهذا‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬راحته‭.‬

هذه‭ ‬التربية‭ ‬جعلتني‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬الطب‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬مهنة‭ ‬إنسانية‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬اهتمام‭ ‬الطبيب‭ ‬بالمريض‭ ‬هو‭ ‬الأساس،‭ ‬وليس‭ ‬السعي‭ ‬وراء‭ ‬المال‭. ‬كما‭ ‬ساعدتني‭ ‬دراسة‭ ‬الطب‭ ‬على‭ ‬اكتساب‭ ‬نمط‭ ‬تفكير‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الاستماع‭ ‬أولًا،‭ ‬ثم‭ ‬الفحص،‭ ‬ثم‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬التشخيص‭ ‬الصحيح‭ ‬قبل‭ ‬بدء‭ ‬العلاج‭. ‬وهذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬انعكس‭ ‬لاحقًا‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬تعاملي‭ ‬وطريقة‭ ‬تفكيري‭ ‬مع‭ ‬مشكلات‭ ‬الناس‭ ‬عمومًا؛‭ ‬إذ‭ ‬أحرص‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬الاستماع،‭ ‬والبحث،‭ ‬والتفكير‭ ‬بعمق‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬المشكلة‭ ‬ثم‭ ‬العلاج‭.‬

فمن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬التشخيص‭ ‬السليم‭ ‬يمثّل‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬تسعين‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬العلاج‭.‬

س‭-‬ متى‭ ‬بدأ‭ ‬صوت‭ ‬الدعوة‭ ‬الرهبانية‭ ‬يتبلور‭ ‬داخلكم؟ وما‭ ‬اللحظة‭ ‬الفارقة‭ ‬التي‭ ‬حسمت‭ ‬قرار‭ ‬الرهبنة؟

ج‭-‬ بدأت‭ ‬ملامح‭ ‬الفكر‭ ‬الرهباني‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬المرحلة‭ ‬الإعدادية،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬قراءتي‭ ‬لكتاب‭ ‬‮«‬قصة‭ ‬الكنيسة‭ ‬القبطية‭ – ‬الجزء‭ ‬الأول‮»‬‭ ‬للكاتبة‭ ‬والمؤرخة‭ ‬إيريس‭ ‬حبيب‭ ‬المصري‭. ‬وهو‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬موسوعة‭ ‬تاريخية‭ ‬توثق‭ ‬تاريخ‭ ‬الكنيسة‭ ‬القبطية‭ ‬الأرثوذكسية،‭ ‬واعجني‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭  ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬بسيرة‭ ‬القديس‭ ‬أثناسيوس‭ ‬الرسولي،‭ ‬بطل‭ ‬الإيمان‭ ‬الأرثوذكسي‭.‬

ما‭ ‬شدّني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬السرد‭ ‬التاريخي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬العمق‭ ‬الإنساني‭ ‬والعاطفي‭ ‬الذي‭ ‬كُتبت‭ ‬به‭ ‬المؤلفة‭ ‬الأحداث‭. ‬فقد‭ ‬لامس‭ ‬وجداني‭ ‬مشهد‭ ‬بالغ‭ ‬البساطة‭ ‬في‭ ‬ظاهره،‭ ‬لكنه‭ ‬عظيم‭ ‬في‭ ‬معناه،‭ ‬حين‭ ‬عبّر‭ ‬القديس‭ ‬أثناسيوس‭ ‬عن‭ ‬فخره‭ ‬وسعادته‭ ‬بسكب‭ ‬الماء‭ ‬على‭ ‬يدي‭ ‬القديس‭ ‬الأنبا‭ ‬أنطونيوس‭. ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬فتح‭ ‬أمامي‭ ‬باب‭ ‬التساؤل‭: ‬من‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬الراهب‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬فيه‭ ‬عقل‭ ‬لاهوتي‭ ‬جبار،‭ ‬وشخصية‭ ‬بحجم‭ ‬القديس‭ ‬أثناسيوس،‭ ‬بركة‭ ‬عظمى‭ ‬في‭ ‬خدمته؟

ازدادت‭ ‬دهشتي‭ ‬حين‭ ‬قرأت‭ ‬عن‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬التي‭ ‬قضاها‭ ‬القديس‭ ‬أثناسيوس‭ ‬في‭ ‬البرية،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬حياة‭ ‬الرهبان‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الزهد‭ ‬الشديد،‭ ‬إذ‭ ‬كانوا‭ ‬يجتمعون‭ ‬عند‭ ‬الغروب‭ ‬لتناول‭ ‬وجبتهم‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬روحية‭ ‬عميقة‭ ‬تتسم‭ ‬بالتواضع‭ ‬والبساطة‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬ألتفت‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬الرهبنة‭ ‬ومعناها،‭ ‬خاصة‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬صغيرة،‭ ‬وكان‭ ‬يجذبني‭ ‬نموذج‭ ‬الإنسان‭ ‬المفكر،‭ ‬صاحب‭ ‬العقل‭ ‬المتأمل‭ ‬والرؤية‭ ‬العميقة‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬هو‭ ‬“البطل” الحقيقي‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬رغم‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬قد‭ ‬اقتربت‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬الرهبانية‭ ‬عمليًا‭ ‬بعد‭.‬

وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية،‭ ‬تعمق‭ ‬هذا‭ ‬الإحساس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خدمتي‭ ‬في‭  ‬فصول‭ ‬مدارس‭ ‬الأحد،‭ ‬حيث‭ ‬حضرت‭ ‬برنامج‭ ‬إعداد‭ ‬الخدام‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬الثانوي‭ ‬وبدأت‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الثانية‭ ‬ثانوي‭. ‬هناك‭ ‬دخلت‭ ‬بشكل‭ ‬أعمق‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬الخدمة‭ ‬الكنسية‭ ‬والحياة‭ ‬الروحية،‭ ‬واستمرت‭ ‬خدمتي‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬الدراسة‭ ‬الجامعية‭ ‬في‭ ‬اسيوط‭.‬

ومع‭ ‬التحاقي‭ ‬بالجامعة،‭ ‬أُتيحت‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬زيارة‭ ‬دير‭ ‬المحرق،‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬دير‭ ‬أزوره‭ ‬في‭ ‬حياتي‭. ‬ثم‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1975،‭ ‬ومع‭ ‬مجيء‭ ‬نيافة‭ ‬الأنبا‭ ‬هدرا،‭ ‬أسقف‭ ‬أسوان‭ ‬آنذاك،‭ ‬بدأت‭ ‬أسترشد‭ ‬به‭ ‬كأب‭ ‬راهب،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬وجّهني‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬نيافة‭ ‬الأنبا‭ ‬صرابامون،‭ ‬أسقف‭ ‬دير‭ ‬الأنبا‭ ‬بيشوي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭.‬‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬مؤمنًا‭ ‬بأن‭ ‬الرهبنة‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬ليست‭ ‬مكانًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أبوة‭ ‬روحية،‭ ‬وأن‭ ‬الإنسان‭ ‬يبحث‭ ‬أولًا‭ ‬عن‭ ‬الأب‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬ويعلّمه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الدير‭ ‬نفسه‭.‬

من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬كان‭ ‬توجهي‭ ‬إلى‭ ‬دير‭ ‬الأنبا‭ ‬بيشوي‭ ‬قائمًا‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬التتلمذ‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬نيافة‭ ‬الأنبا‭ ‬صرابامون‭. ‬وقد‭ ‬نما‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭ ‬داخلي‭ ‬وترسخ،‭ ‬مع‭ ‬اقتناع‭ ‬كامل‭ ‬بأن‭ ‬الخطوة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬بعد‭ ‬إنهاء‭ ‬دراستي‭ ‬الجامعية‭.‬

لكن‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬آخر‭ ‬امتحان‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬الجامعة،‭ ‬وكان‭ ‬امتحان‭ ‬مادة‭ ‬طب‭ ‬الأطفال‭ (‬تحريري‭ ‬ثم‭ ‬شفوي‭)‬،حدث‭ ‬بانتقال‭ ‬والدي‭ ‬المفاجئ‭. ‬حينها‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهلها،‭ ‬فكان‭ ‬لزامًا‭ ‬عليّ‭ ‬البقاء‭ ‬إلى‭ ‬جوار‭ ‬الأسرة‭ ‬وتحمل‭ ‬العبء،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬أخي‭ ‬الأكبر‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬وأختي‭ ‬الكبرى‭ ‬كانت‭ ‬متزوجة،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬إخوتي‭ ‬الأصغر‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬التعليم‭.‬

ظللت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الأسرة‭ ‬حتى‭ ‬تخرج‭ ‬إخوتي‭ ‬الأصغر‭ ‬مني،‭ ‬وعندها‭ ‬فقط،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬اطمأن‭ ‬قلبي‭ ‬على‭ ‬استقرارهم،‭ ‬استطعت‭ ‬أن‭ ‬أحقق‭ ‬الدعوة‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬داخلي‭ ‬لسنوات،‭ ‬وأتوجه‭ ‬أخيرًا‭ ‬إلى‭ ‬الدير‭.‬

ثانياً‭ :‬الرهبنة‭ ‬والخدمة‭ ‬الكنسية‭:‬

س‭ -‬ماذا‭ ‬تمثل‭ ‬لكم‭ ‬سنوات‭ ‬الرهبنة‭ ‬في‭ ‬دير‭ ‬القديس‭ ‬الأنبا‭ ‬بيشوي، وكيف‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬إعدادكم‭ ‬للخدمة‭ ‬الأسقفية؟

ج‭ -‬كانت‭ ‬سنوات‭ ‬الدير‭ ‬سنوات‭ ‬حقيقية‭ ‬للنمو‭ ‬والامتلاء‭ ‬الروحي؛‭ ‬سنوات‭ ‬تعرّفت‭ ‬فيها‭ ‬بعمق‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬التسبيح‭ ‬والألحان،‭ ‬وعلى‭ ‬روح‭ ‬التلمذة،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التتلمذ‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الأنبا‭ ‬صرابامون‭.‬

لكن‭ ‬حدث‭ ‬أمر‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬أثر‭ ‬بالغ‭ ‬في‭ ‬مسيرتي،‭ ‬إذ‭ ‬تم‭ ‬استدعائي‭ ‬بسبب‭ ‬ظرف‭ ‬صحي‭ ‬يخص‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬شنودةالثالث،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬علاقة‭ ‬قوية‭ ‬ومباشرة‭ ‬مع‭ ‬قداسته‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬فترة‭ ‬التحفّظ‭ ‬نتيجة‭ ‬قرارات‭ ‬الرئيس‭ ‬السادات‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬‮١٩٨١‬،‭ ‬وأُغلق‭ ‬الدير،‭ ‬وهي‭ ‬فترة‭ ‬قد‭ ‬يراها‭ ‬البعض‭ ‬صعبة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬كانت‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬فترة‭ ‬بركة‭ ‬عظيمة‭. ‬عشنا‭ ‬خلالها‭ ‬في‭ ‬هدوء‭ ‬عميق‭ ‬داخل‭ ‬الدير،‭ ‬مع‭ ‬التتلمذ‭ ‬المباشر‭ ‬لقداسة‭ ‬البابا‭ ‬شنودة‭ ‬الثالث،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬معنا‭ ‬في‭ ‬الدير‭ ‬طوال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تحديدًا‭ ‬تعلّمت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الموضوعات‭ ‬اللاهوتية،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬يُلقي‭ ‬علينا‭ ‬محاضرات‭ ‬مكثفة،‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬يومية‭. ‬لذلك‭ ‬أعتبر‭ ‬أن‭ ‬مرحلتي‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬اللاهوت‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الدير؛‭ ‬فلم‭ ‬أدرس‭ ‬في‭ ‬الكلية‭ ‬الإكليريكية،‭ ‬بل‭ ‬درست‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬أُسميه‭ ‬‮«‬كلية‭ ‬البابا‭ ‬شنودة‭ ‬الثالث‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬التحفّظ‭.‬

وقد‭ ‬استمرت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬أربعين‭ ‬شهرًا،‭ ‬حضرتها‭ ‬كاملة،‭ ‬حتى‭ ‬شهر‭ ‬ديسمبر‭ ‬عام‭ ‬1983،‭ ‬حين‭ ‬خرجت‭ ‬بعدها‭ ‬للخدمة‭ ‬في‭ ‬سويسرا‭.‬

س‭ -‬تولّيتم‭ ‬مهام‭ ‬رعوية‭ ‬وخدمية‭ ‬قبل‭ ‬مجيئكم‭ ‬إلى‭ ‬المهجر،‭ ‬كيف‭ ‬تقيّمون‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬خبرتكم‭ ‬الكنسية،‭ ‬وهل‭ ‬كانت‭ ‬كافيه؟

ج‭ -‬كانت‭ ‬أول‭ ‬مهمة‭ ‬كُلِّفتُ‭ ‬بها‭ ‬هي‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬سويسرا،‭ ‬وذلك‭ ‬عام‭ ‬1981‭. ‬وقد‭ ‬تمت‭ ‬سيامتي‭ ‬كاهنًا‭ ‬في‭ ‬18‭ ‬يوليو‭ ‬1981‭ ‬للخدمة‭ ‬هناك‭. ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬أحداث‭ ‬السادات‭ ‬وقرارات‭ ‬التحفّظ،‭ ‬لم‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬السفر،‭ ‬وبقيت‭ ‬في‭ ‬الدير‭.‬

وبعد‭ ‬صدور‭ ‬حكم‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬‮١٩٨٣‬‭ ‬بإلغاء‭ ‬قرار‭ ‬اللجنة،‭ ‬أصبح‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬شنودة‭ ‬الثالث‭ ‬يدير‭ ‬شؤون‭ ‬الكنيسة‭ ‬من‭ ‬الدير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عاد‭ ‬بسلامة‭ ‬الله‭ ‬إلى‭ ‬مقره‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬1985‭. ‬وخلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬حرص‭ ‬قداسته‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الخدمة،‭ ‬فطلب‭ ‬مني‭ ‬التوجّه‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬خدمتي،‭ ‬وبالفعل‭ ‬سافرت‭ ‬إلى‭ ‬سويسرا‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬ديسمبر‭ ‬1983‭.‬

وقد‭ ‬كانت‭ ‬فترة‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬سويسرا‭ ‬فترة‭ ‬ثرية‭ ‬ومفيدة‭ ‬للغاية،‭ ‬إذ‭ ‬تعلّمت‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬كيف‭ ‬تبدأ‭ ‬الكنيسة‭ ‬من‭ ‬الصفر،‭ ‬وكيف‭ ‬تنشأ‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬كاهن‭ ‬مقيم‭. ‬ففي‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬كاهن‭ ‬ثابت‭ ‬في‭ ‬سويسرا،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬يأتي‭ ‬كاهن‭ ‬للزيارة‭ ‬فقط،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬الأقباط‭ ‬موزعين‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مدن‭ ‬مثل‭ ‬زيورخ،‭ ‬لوزان،‭ ‬وجنيف‭.‬

قمت‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬بتأسيس‭ ‬خدمة‭ ‬في‭ ‬سويسرا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منحني‭ ‬خبرة‭ ‬عملية‭ ‬حقيقية‭ ‬عن‭ ‬بدايات‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬المهجر،‭ ‬وكيف‭ ‬تنمو‭ ‬الكنائس‭ ‬تدريجيًا‭. ‬وقد‭ ‬ساعدتني‭ ‬هذه‭ ‬الخبرة‭ ‬لاحقًا‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬عندما‭ ‬توليت‭ ‬إيبارشية‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭.‬

وفي‭ ‬2‭ ‬يونيو‭ ‬1985،‭ ‬تمت‭ ‬سيامتي‭ ‬أسقفًا‭ ‬للخدمات‭ ‬العامة‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬مهمة‭ ‬أخرى‭ ‬أثرت‭ ‬خبرتي‭ ‬الكنسية‭. ‬فقد‭ ‬أتاحت‭ ‬لي‭ ‬هذه‭ ‬المسؤولية‭ ‬فهم‭ ‬احتياجات‭ ‬الكنيسة‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬إسقفية‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬احتياجات‭ ‬كل‭ ‬الإيبارشيات،‭ ‬وتخدم‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬احتياجًا‭.‬

كما‭ ‬شاركت‭ ‬أسقفية‭ ‬الخدمات‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬الهيئات‭ ‬المسكونية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشروعات‭ ‬مشتركة،‭ ‬مما‭ ‬أتاح‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬التعرف‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬العمل‭ ‬المؤسسي،‭ ‬والنظم‭ ‬الإدارية‭ ‬والمالية،‭ ‬وهي‭ ‬مجالات‭ ‬كانت‭ ‬جديدة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬آنذاك‭.‬

ومن‭ ‬ضمن‭ ‬مسؤولياتي‭ ‬أيضًا‭ ‬كانت‭ ‬العلاقات‭ ‬المسكونية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬لي‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬مجالس‭ ‬كنسية‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭:‬

•مجلس‭ ‬الكنائس‭ ‬العالمي‭.‬  •مجلس‭ ‬كنائس‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬  •مجلس‭ ‬كنائس‭ ‬أفريقيا‭.‬

وكنت‭ ‬أسافر‭ ‬إلى‭ ‬سويسرا‭ ‬قرابة‭ ‬سبع‭ ‬مرات‭ ‬سنويًا‭ ‬لحضور‭ ‬المؤتمرات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬زيارات‭ ‬متعددة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬وأفريقيا،‭ ‬وكذلك‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وكندا‭.‬

ويُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬وهو‭ ‬الأهم،‭ ‬أن‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬شنودة‭ ‬الثالث‭ ‬بمحبته‭ ‬الأبوية‭ ‬اختارني‭ ‬لمرافقته‭ ‬في‭ ‬رحلاته‭ ‬الرعوية،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬زيارته‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬احتفال‭ ‬الألفية‭ ‬لدخول‭ ‬المسيحية‭ ‬لروسيا،‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬رحلاته‭ ‬الرعوية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬وقد‭ ‬كنت‭ ‬أتولى‭ ‬مهام‭ ‬السكرتارية‭ ‬خلال‭ ‬الرحلات،‭ ‬رغم‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬سكرتيرًا‭ ‬لقداسته‭ ‬في‭ ‬مصر‭.‬

وكانت‭ ‬الرحلات‭ ‬الطويلة‭ ‬فرصة‭ ‬ثمينة،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬لا‭ ‬ينام‭ ‬أثناء‭ ‬السفر‭ ‬بالطائرة،‭ ‬بل‭ ‬يقرأ‭ ‬أو‭ ‬يكتب،‭ ‬ثم‭ ‬استمع‭ ‬من‭ ‬قداستة‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬ذكريات‭ ‬قداسة‭ ‬عن‭ ‬الاحداث‭ ‬الكنسية‭. ‬كنت‭ ‬أطرح‭ ‬الأسئلة،‭ ‬وكان‭ ‬قداسته‭ ‬يروي‭ ‬لي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬خبرات‭ ‬الكنيسة‭ ‬وتاريخها‭ ‬وأسلوب‭ ‬الخدمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬شكّل‭ ‬مدرسة‭ ‬حقيقية‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬الكنسي‭ ‬والخدمة‭ ‬الرعوية‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬الخبرات‭ ‬المتراكمة‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬سويسرا،‭ ‬والعمل‭ ‬المسكوني،‭ ‬ومرافقة‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬ساعدتني‭ ‬عندما‭ ‬جئت‭ ‬إلى‭ ‬المهجر،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬لدي‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬عن‭:‬

• كيفية‭ ‬تأسيس‭ ‬الكنائس‭.‬  • طبيعة‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬المهجر‭.‬  • العلاقات‭ ‬مع‭ ‬الكنائس‭ ‬الأخرى‭.‬  • العمل‭ ‬المؤسسي‭ ‬والإداري‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تبقى‭ ‬المعايشة‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تضيف‭ ‬الأبعاد‭ ‬التفصيلية‭ ‬العميقة‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬وتمنح‭ ‬الخدمة‭ ‬خبرتها‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

ثالثاً‭:‬ ثلاثون‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬الإيبارشية‭:‬

س‭-‬ ما‭ ‬الدوافع‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬شنودة‭ ‬الثالث‭ ‬يتخذ‭ ‬قرار‭ ‬إنشاء‭ ‬إيبارشية‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس؟‭ ‬وهل‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬أشمل‭ ‬لمشروعات‭ ‬كنسية‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬مثل‭ ‬إنشاء‭ ‬مقر‭ ‬بابوي‭ ‬مثلاً،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬مطروحاً‭ ‬آنذاك،‭ ‬فلماذا‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع؟

ج‭ -‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬شنودة‭ ‬بعد‭ ‬زياراته‭ ‬المتعددة‭ ‬للمهجر‭ ‬ونتيجة‭ ‬المطالبة‭ ‬بأساقفة‭ ‬فى‭ ‬المهجر،‭ ‬تم‭ ‬وضع‭ ‬تخطيط‭ ‬شامل‭ ‬لإنشاء‭ ‬عدة‭ ‬إيبارشيات‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬الشمالية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إنشاء‭ ‬مقرين‭ ‬باباويين‭ ‬يكونوا‭ ‬تابعين‭ ‬لقداسة‭ ‬البابا‭ ‬في‭ ‬منطقتي‭ ‬الشرق‭ ‬الأمريكي‭ -‬نيويورك‭ ‬ونيوجيرسي‭ – ‬وجنوب‭ ‬كاليفورنيا‭.‬

وقد‭ ‬كلّفني‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬بالإشراف‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬المقر‭ ‬البابوي‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬أمريكا،‭ ‬وبالفعل‭ ‬عقدتُ‭ ‬عدة‭ ‬لقاءات‭ ‬مع‭ ‬الآباء‭ ‬الكهنة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬ونيو‭ ‬جيرسي،‭ ‬وأسفر‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬إنشاء‭ ‬المقر‭ ‬القائم‭ ‬حاليًا‭ ‬في‭ ‬سيدر‭ ‬جروف‭ ‬–‭ ‬نيو‭ ‬جيرسي‭.‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬مشروع‭ ‬جنوب‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬كُلِّف‭ ‬به‭ ‬أحد‭ ‬الآباء‭ ‬الأساقفة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الصعوبات‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬تنفيذ‭ ‬الرؤية‭ ‬بالشكل‭ ‬المخطط‭ ‬له‭. ‬وعلى‭ ‬إثر‭ ‬ذلك،‭ ‬رأى‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬تعديل‭ ‬الفكرة،‭ ‬بحيث‭ ‬تتحول‭ ‬لوس‭ ‬انجلوس‭ ‬وجنوب‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬إلي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬إيبارشية‭ ‬لها‭ ‬اسقف‭ ‬ايبارشية‭ ‬مقيم،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬سبب‭ ‬قصر‭ ‬الإيبارشية‭ ‬على‭ ‬جنوب‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬فقط،‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬ولاية‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬بأكملها،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬مشروع‭ ‬لإنشاء‭ ‬إيبارشية‭ ‬أخرى‭ ‬تضم‭ ‬شمال‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬وولايات‭ ‬مثل‭ ‬أوريغون‭ ‬وواشنطن،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬غرب‭ ‬كندا‭.‬

وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬ونظرًا‭ ‬لكوني‭ ‬قد‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬أسقفية‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬خدمتُ‭ ‬فيها‭ ‬لمدة‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬خدمة‭ ‬موفقة‭ ‬ومثمرة‭ ‬وكانت‭ ‬تحت‭ ‬الإشراف‭ ‬المباشر‭ ‬لقداسته،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعرفني‭ ‬جيدًا‭ ‬ويُدرك‭ ‬احتياجات‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬كاليفورنيا‭  ‬قرر‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬انتقالي‭ ‬لكي‭ ‬اكون‭ ‬اسقفا‭ ‬للايبارشية‭ ‬الجديدة‭ ‬الذي‭ ‬اضاف‭ ‬لها‭ ‬جزر‭ ‬هاواي‭.‬

وقد‭ ‬عُرض‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الآباء‭ ‬الكهنة‭ ‬والشعب،‭ ‬وبعد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التزكيات‭ ‬اللازمة،‭ ‬تمت‭ ‬دعوتي‭ ‬لأكون‭ ‬أسقفًا‭ ‬في‭ ‬14‭ ‬نوفمبر‭ ‬1995،‭ ‬ثم‭ ‬تم‭ ‬تجليسي‭ ‬رسميًا‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬ديسمبر‭ ‬1995‭.‬

س‭-‬ ما‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬واجهتكم‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬وبناء‭ ‬الإيبارشية‭ ‬في‭ ‬سنواتها‭ ‬الأولى؟

ج‭-‬ لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬منذ‭ ‬تأسيس‭ ‬أول‭ ‬كنيسة‭ ‬عام‭ ‬1969،‭ ‬ضمّت‭ ‬بين‭ ‬جنباتها‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الكنائس‭ ‬الراسخة،‭ ‬وخدامًا‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬الكهنة‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬بالفعل‭ ‬قامات‭ ‬روحية‭ ‬كبيرة،‭ ‬تم‭ ‬اختيارهم‭ ‬بعناية‭ ‬من‭ ‬القاهرة‭ ‬والإسكندرية،‭ ‬وبعض‭ ‬الايبارشيات‭ ‬مثل‭ ‬المتنيح‭ ‬القمص‭ ‬أنطونيوس‭ ‬يونان‭  ‬من‭ ‬إيبارشية‭ ‬المنصورة‭. ‬كما‭ ‬ضمّت‭ ‬الإيبارشية‭ ‬آباءً‭ ‬نشأوا‭ ‬أو‭ ‬عاشوا‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬المتنيح‭ ‬القمص‭ ‬أنطونيوس‭ ‬حنين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬آباء‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬أمريكية‭ ‬مثل‭ ‬أبونا‭ ‬بيشوى‭ ‬برونفيلد،‭ ‬كانت‭ ‬إيبارشية‭ ‬غنية‭ ‬بالكنائس‭ ‬القوية‭ ‬والكهنة‭ ‬الأفاضل،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬تفتقد‭ ‬عنصرًا‭ ‬جوهريًا‭: ‬العمل‭ ‬المشترك‭ ‬والرؤية‭ ‬الواحدة‭.‬

لذلك‭ ‬أتذكر‭ ‬عقب‭ ‬تجليسي‭ ‬مباشرة،‭ ‬أجرى‭ ‬معي‭ ‬أحد‭ ‬صحفيي‭ ‬جريدة‭ ‬نيويورك‭ ‬تايمز‭ ‬حوارًا،‭ ‬بصفتي‭ ‬أسقفًا‭ ‬لإيبارشية‭ ‬حديثة‭ ‬التأسيس،‭ ‬وسألني‭:‬ كيف‭ ‬ترى‭ ‬دورك؟

فأجبته‭ ‬بتشبيه‭ ‬بسيط‭ ‬لكنه‭ ‬معبّر‭:‬

‮«‬أرى‭ ‬دوري‭ ‬مثل‭ ‬الخيط‭ ‬في‭ ‬السبحة‭. ‬الناس‭ ‬ترى‭ ‬الحبات‭ ‬الجميلة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تنتبه‭ ‬للخيط‭ ‬الذي‭ ‬يجمعها‭. ‬بدون‭ ‬هذا‭ ‬الخيط‭ ‬تبقى‭ ‬الحبات‭ ‬موجودة،‭ ‬لكنها‭ ‬غير‭ ‬مترابطة‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬رأيت‭ ‬أن‭ ‬الدور‭ ‬الأساسي‭ ‬للأسقف‭ ‬هو‭ ‬الربط‭ ‬والتجميع‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لكنائس‭ ‬لكلٍ‭ ‬منها‭ ‬تاريخها،‭ ‬ولكل‭ ‬كاهن‭ ‬خبرته‭ ‬وخدمته،‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬معاً‭ ‬بفكر‭ ‬واحد‭ ‬وهدف‭ ‬واحد،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬تنوّعت‭ ‬الأساليب‭ ‬والطرق‭.‬

لذلك‭ ‬كان‭ ‬تركيزي‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬اجتماع‭ ‬الكهنة،‭ ‬بحيث‭ ‬يبدأ‭ ‬دائمًا‭ ‬بقداس‭ ‬إلهي،‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يجمعنا‭ ‬أولًا‭ ‬هو‭ ‬المذبح‭ ‬والصلاة‭ ‬بقلب‭ ‬نقي‭. ‬ثم‭ ‬جزء‭ ‬تعليمي،‭ ‬يتبعه‭ ‬نقاش‭ ‬مفتوح‭ ‬وصريح‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬الخدمة،‭ ‬نتحاور‭ ‬فيه‭ ‬بوضوح،‭ ‬ونتفق‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬بناؤه‭ ‬معًا،‭ ‬ثم‭ ‬ننقل‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬إلى‭ ‬الشعب،‭ ‬فيرى‭ ‬الآباء‭ ‬إنهم‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬انسجام‭ ‬ومحبة‭ ‬واحدة‭.‬

أما‭ ‬التحدي‭ ‬الثاني،‭ ‬فكان‭ ‬غياب‭ ‬مفهوم‭ ‬الأسقف‭ ‬المقيم‭ ‬لدى‭ ‬الشعب‭. ‬فقد‭ ‬اعتاد‭ ‬الشعب‭ ‬رؤية‭ ‬الأسقف‭ ‬زائرًا‭: ‬يأتي‭ ‬لحل‭ ‬مشكلة‭ ‬أو‭ ‬لمهمة‭ ‬محددة‭ ‬ثم‭ ‬يرحل‭. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬صورة‭ ‬الأسقف‭ ‬الأب‭ ‬الحاضر‭ ‬معهم‭ ‬واضحة‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬آمنت‭ ‬أن‭ ‬أفضل‭ ‬صورة‭ ‬للأسقف‭ ‬هي‭ ‬صورة‭ ‬الأب‭: ‬أب‭ ‬يهتم‭ ‬بالجميع،‭ ‬يدعم‭ ‬الكهنة‭ ‬ويسعى‭ ‬لنجاحهم،‭ ‬ويغرس‭ ‬محبة‭ ‬الشعب‭ ‬لهم،‭ ‬ويعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تنمو‭ ‬كل‭ ‬نفس‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬المسيح‭ ‬والحياة‭ ‬الروحية‭.‬

التحدي‭ ‬الثالث‭ ‬كان‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬جنوب‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬وتوزّيع‭ ‬الشعب‭ ‬على‭ ‬مسافات‭ ‬بعيدة‭. ‬فكان‭ ‬السؤال‭: ‬كيف‭ ‬نؤسس‭ ‬كنائس‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬هذا‭ ‬الانتشار؟

انطلقت‭ ‬الرؤية‭ ‬من‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكة‭ ‬كنائس‭ ‬تغطي‭ ‬المنطقة،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يضطر‭ ‬المؤمن‭ ‬لقطع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬دقيقة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬كنيسة‭. ‬فالجيل‭ ‬الأول‭ ‬كان‭ ‬مستعدًا‭ ‬لقطع‭ ‬ساعتين‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬أقرب‭ ‬كنيسة،‭ ‬لكن‭ ‬الأجيال‭ ‬التالية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬ذلك،‭ ‬وقد‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬كنيسة‭ ‬قريبة،‭ ‬أيًّا‭ ‬كان‭ ‬انتماؤها‭.‬

كما‭ ‬راعينا‭ ‬حركة‭ ‬انتقال‭ ‬الشعب‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬أقل‭ ‬تكلفة،‭ ‬فبدأنا‭ ‬التأسيس‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬المتوقع‭ ‬نموها‭ ‬مستقبلًا،‭ ‬دون‭ ‬انتظار‭ ‬تكدس‭ ‬عددي‭ ‬كبير‭.‬

أما‭ ‬التحدي‭ ‬الرابع‭ ‬فكان‭ ‬تنوع‭ ‬احتياجات‭ ‬الشعب‭:‬

فهناك‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬المهجر،‭ ‬وآخرون‭ ‬قدموا‭ ‬حديثًا،‭ ‬وجيل‭ ‬نشأ‭ ‬هنا،‭ ‬وأشخاص‭ ‬انضموا‭ ‬للكنيسة‭ ‬من‭ ‬خلفيات‭ ‬مختلفة‭. ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬فرض‭ ‬ضرورة‭ ‬تنوع‭ ‬مواهب‭ ‬الكهنة،‭ ‬وتعدد‭ ‬أشكال‭ ‬الكنائس‭ ‬والخدمات،‭ ‬بما‭ ‬يلبّي‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الروحية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والإنسانية‭ ‬لكل‭ ‬فئة‭.‬

س‭ -‬ما‭ ‬المحطات‭ ‬أو‭ ‬الإنجازات‭ ‬التي‭ ‬تعتزّون‭ ‬بها‭ ‬روحياً‭ ‬وخدمياً‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬العقود‭ ‬الثلاثة؟

ج‭ -‬أكثر‭ ‬شيء‭ ‬أعتزّ‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬خدمتي‭ ‬هو‭ ‬الآباء‭ ‬الكهنة‭. ‬أرى‭ ‬فيهم‭ ‬نعمة‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬ربنا،‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬الجميل‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه‭: ‬تنوع‭ ‬في‭ ‬الأعمار،‭ ‬وفي‭ ‬مدة‭ ‬الكهنوت،‭ ‬وفي‭ ‬المواهب‭. ‬أحيانًا‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬كاهن‭ ‬في‭ ‬سنّ،‭ ‬وكاهن‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬سنّ‭ ‬أحفاده،‭ ‬لا‭ ‬أبنائه،‭ ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬ثراء‭ ‬وإثراء‭ ‬حقيقي‭ ‬للخدمة‭.‬

أنا‭ ‬أعتبر‭ ‬أن‭ ‬خدمتي‭ ‬الأساسية‭ ‬كأسقف‭ ‬هي‭ ‬خدمة‭ ‬الآباء‭ ‬الكهنة‭ ‬وأسرهم‭. ‬إذا‭ ‬اهتممتُ‭ ‬بالكاهن،‭ ‬وساندته،‭ ‬وأحسنتُ‭ ‬الاختيار‭ ‬بنعمة‭ ‬ربنا،‭ ‬فالكاهن‭ ‬بدوره‭ ‬يختار‭ ‬الخدام‭ ‬ويخدم‭ ‬الشعب،‭ ‬لأن‭ ‬خدمة‭ ‬أي‭ ‬كنيسة‭ ‬تعـتــمــد‭ ‬إلى‭ ‬حــــدٍّ‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الكاهن‭ ‬نفسه‭. ‬لذلك‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬وأخطر‭ ‬جوانب‭ ‬الخدمة‭.‬ الأمر‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬أعتـزّ‭ ‬به‭ ‬كثيرًا‭ ‬هو‭ ‬جـيل‭ ‬الشــباب‭.‬

نشكر‭ ‬ربنا‭ ‬أنه‭ ‬خلال‭ ‬الثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬الماضية‭ ‬نشأ‭ ‬عندنا‭ ‬جيل‭ ‬تربّى‭ ‬داخل‭ ‬الكنيسة‭ ‬منذ‭ ‬طفولته‭. ‬كنا‭ ‬في‭ ‬البدايات‭ ‬نسمع‭ ‬مقولة‭ ‬إن‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬أمريكا،‭ ‬عندما‭ ‬يتخرجون‭ ‬من‭ ‬الجامعة،‭ ‬يتخرجون‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬الكنيسة‭. ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬أثبت‭ ‬العكس‭. ‬أنا‭ ‬أفرح‭ ‬جدًا‭ ‬وأفتخر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬لم‭ ‬يكتفِ‭ ‬بالبقاء‭ ‬في‭ ‬الكنيسة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬كثيرين‭ ‬منه‭ ‬قبلوا‭ ‬طريق‭ ‬التكريس‭ ‬والخدمة،‭ ‬بل‭ ‬والكهنوت‭ ‬أيضًا،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬مفرح‭ ‬للغاية‭.‬

وطبعًا‭ ‬حين‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬الكاهن،‭ ‬لا‭ ‬أقصده‭ ‬كشخص‭ ‬منفرد،‭ ‬لأن‭ ‬الكاهن‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬معه‭ ‬زوجة‭ ‬شريكة‭ ‬لها‭ ‬قامة‭ ‬روحية‭  ‬ومحبة‭ ‬للخدمة‭ ‬والعطاء‭ ‬في‭  ‬الخدمة،‭ ‬فلن‭ ‬تثمر‭ ‬خدمته‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭. ‬لذا‭ ‬اسرة‭ ‬الكاهن‭ ‬لها‭ ‬اهمية‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬خدمة‭ ‬الكاهن‭ ‬والخدمة‭ ‬بوجة‭ ‬عام‭.‬

وأضيف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬خدمة‭ ‬الآباء‭ ‬الأساقفة‭ ‬المساعدين‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ ‬معي،‭  ‬نيافة‭ ‬الأنبا‭ ‬أبراهام‭ ‬ونيافة‭ ‬الأنبا‭ ‬كيرلس،‭ ‬والذين‭ ‬يمثل‭ ‬وجودهم‭ ‬إضافة‭ ‬قوية‭ ‬جدًا‭ ‬للخدمة،‭ ‬ويمنحها‭ ‬استمرارية‭ ‬وعمقًا‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬محبة‭ ‬الشعب‭ ‬للآباء‭ ‬الكهنة‭ ‬وللآباء‭ ‬الأساقفة‭ ‬تسعدني‭ ‬كثيرًا،‭ ‬وتسعدني‭ ‬أكثر‭ ‬لأنها‭ ‬تساعدني‭ ‬على‭ ‬خلاص‭ ‬نفسي‭.‬

أنا‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬مسؤوليتي‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الخدمة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬اهتم‭ ‬بخلاص‭ ‬نفسي‭. ‬وعندما‭ ‬أرى‭ ‬كاهنًا‭ ‬يخدم‭ ‬خدمة‭ ‬ناجحة،‭ ‬أو‭ ‬خادمًا‭ ‬مثمرًا،‭ ‬أو‭ ‬أسقفًا‭ ‬أمينًا‭ ‬في‭ ‬خدمته،‭ ‬أعتبر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬يعينني‭ ‬علي‭ ‬خلاص‭ ‬نفسي‭ ‬عندما‭ ‬اقف‭ ‬أمام‭ ‬الله‭ ‬لاقدم‭ ‬حسابا‭  ‬عن‭ ‬الأمانة‭ ‬والمسؤولية‭ ‬التي‭ ‬وُضعت‭ ‬بين‭ ‬يديّ‭.‬

س‭ -‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬تجليس‭ ‬نيافتك‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬إيبارشية‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬وجنوب‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬وهاواي،‭ ‬كيف‭ ‬تنظرون‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬الطويلة؟

ج‭-‬ أنظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬بعين‭ ‬الفرح‭ ‬والشكر‭ ‬لله‭.. ‬وإلى‭ ‬هنا‭ ‬أعاننا‭ ‬الرب،‭ ‬وأؤمن‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬خدمة‭ ‬حقيقية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الله،‭ ‬وأنه‭ ‬بدون‭ ‬معونته‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ننجز‭ ‬شيئًا‭. ‬البركة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬اختبرتها‭ ‬بعمق‭ ‬هي‭ ‬بركة‭ ‬الطاعة؛‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬مستريحًا‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬أسقفية‭ ‬الخدمات،‭ ‬وكانت‭ ‬الخدمة‭ ‬تنمو،‭ ‬وكنت‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬شنودة‭ ‬الثالث،‭ ‬وأسافر‭ ‬إلى‭ ‬أغلب‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬دُعيت‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الخدمة‭ ‬لم‭ ‬أتردد‭ ‬لحظة،‭ ‬لا‭ ‬لشيء‭ ‬إلا‭ ‬لأن‭ ‬الطاعة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أساس‭ ‬الخدمة‭.‬في‭ ‬الخدمة‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نختار،‭ ‬لكني‭ ‬أشعر‭ ‬دائمًا‭ ‬أن‭ ‬يد‭ ‬الله‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬الطريق‭. ‬صحيح‭ ‬أنى‭ ‬تركت‭ ‬خدمة‭ ‬أسقفية‭ ‬الخدمات‭ ‬بعد‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬لكني‭ ‬شعرت‭ ‬ببركة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الانتقال،‭ ‬وكأن‭ ‬الله‭ ‬يعدّني‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬لها‭ ‬تحدياتها‭ ‬وثمرها‭.‬

وأؤمن‭ ‬إيمانًا‭ ‬عميقًا‭ ‬بدور‭ ‬الشعب،‭ ‬فالشعب‭ ‬هو‭ ‬البطل‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭. ‬شعبنا‭ ‬القبطي‭ ‬محب‭ ‬لكنيسته،‭ ‬مضحٍ‭ ‬من‭ ‬أجلها،‭ ‬كريم‭ ‬في‭ ‬عطائه،‭ ‬ويقدّم‭ ‬لها‭ ‬أغلى‭ ‬ما‭ ‬يملك‭: ‬أبناءه‭. ‬فعندما‭ ‬نربح‭ ‬كهنة‭ ‬أو‭ ‬خدامًا،‭ ‬فإننا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬نحصد‭ ‬ثمرة‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬التقي‭ ‬وهذه‭ ‬العائلات‭ ‬القوية‭. ‬لذلك‭ ‬أحترم‭ ‬الشعب‭ ‬كثيرًا،‭ ‬وأرى‭ ‬أنه‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬إنجاز،‭ ‬وبدونه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نحقق‭ ‬شيئًا‭.‬

كل‭ ‬مرحلة‭ ‬لها‭ ‬صعوباتها،‭ ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬المثابرة‭ ‬وطول‭ ‬الأناة،‭ ‬مع‭ ‬نظرة‭ ‬مستقبلية‭ ‬واعية‭. ‬في‭ ‬أمور‭ ‬الرعاية،‭ ‬ليست‭ ‬كل‭ ‬المشكلات‭ ‬تُحل‭ ‬بسرعة،كما‭ ‬علمنا‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬شنودة‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬دائما‭ ‬الحل‭ ‬السريع‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬الأفضل‭. ‬تعلمنا‭ ‬أن‭ ‬التسرع‭ ‬قد‭ ‬يضر‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينفع،‭ ‬وأن‭ ‬هناك‭ ‬أمورًا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬طول‭ ‬بال‭ ‬وحكمة‭.‬

ولذلك‭ ‬من‭ ‬نصائح‭ ‬المتنيح‭ ‬الأنبا‭ ‬هدرا‭ ‬لى‭ ‬وأنا‭ ‬قادم‭ ‬للتجليس‭ ‬عبارة‭ ‬لا‭ ‬أنساها‭: ‬إن‭ ‬أي‭ ‬إيبارشية‭ ‬جديدة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬حتى‭ ‬تستقر‭ ‬وتنضج‭. ‬أخذت‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬كمنهج‭ ‬للخدمة‭ ‬والحياة‭: ‬ألا‭ ‬أستعجل،‭ ‬وأن‭ ‬أدرس‭ ‬الأمور‭ ‬جيدًا،‭ ‬وأن‭ ‬أفرّق‭ ‬بين‭ ‬الحلول‭ ‬قصيرة‭ ‬المدى‭ ‬والحلول‭ ‬طويلة‭ ‬المدى،‭ ‬حتى‭ ‬تأتي‭ ‬القرارات‭ ‬لمجد‭ ‬الله‭ ‬وخير‭ ‬الكنيسة‭ ‬والشعب‭.‬

س‭ -‬نيافة‭ ‬الأنبا‭ ‬سرابيون،‭ ‬ما‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الأسقف‭ ‬والمطران‭ ‬في‭ ‬الكنيسة‭ ‬القبطية‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬بشكل‭ ‬مبسط‭ ‬لغير‭ ‬المتخصصين‭ ‬أو‭ ‬الديانات‭ ‬الأخرى؟

ولماذا‭ ‬تم‭ ‬اختيار‭ ‬الأنبا‭ ‬كيرلس‭ ‬والأنبا‭ ‬إبراهام‭ ‬كأساقفة‭ ‬عموم‭ ‬لخدمة‭ ‬إيبارشية‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس،‭ ‬وما‭ ‬طبيعة‭ ‬دورهما‭ ‬داخل‭ ‬الإيبارشية؟

ج‭-‬ المطران‭ ‬هو‭ ‬إسقف‭.. ‬رتبة‭ ‬الأسقفية‭ ‬في‭ ‬الكنيسة‭ ‬القبطية‭ ‬تبدأ‭ ‬بالأسقف‭ ‬ثم‭ ‬يرقى‭ ‬إلي‭ ‬رتبة‭ ‬المطران،‭ ‬والأسقف‭ ‬هو‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬الخدمة‭. ‬أمّا‭ ‬لقب‭ ‬المطران،‭ ‬ففي‭ ‬كنيستنا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬لقب‭ ‬تقديري‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬رتبة‭ ‬ذات‭ ‬مدلول‭ ‬عملي‭ ‬مختلف‭. ‬تاريخياً،‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬يُطلق‭ ‬على‭ ‬أسقفها‭ ‬مطران،‭ ‬لكن‭ ‬اليوم‭ ‬إذا‭ ‬رأى‭ ‬قداسة‭ ‬البابا‭ ‬ترقية‭ ‬أسقف‭ ‬إلى‭ ‬مطران،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يغيّر‭ ‬شيئًا‭ ‬في‭ ‬مسؤولياته‭ ‬ولا‭ ‬يضيف‭ ‬صلاحيات‭ ‬جديدة،‭ ‬إذ‭ ‬يظل‭ ‬أسقفًا‭ ‬يقوم‭ ‬بذات‭ ‬الدور‭ ‬الرعوي‭ ‬والإداري‭. ‬لذلك‭ ‬فالأصل‭ ‬هو‭ ‬الأسقف،‭ ‬والمطرانية‭ ‬تكريم‭ ‬كنسي‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬اختيار‭ ‬الأنبا‭ ‬كيرلس‭ ‬والأنبا‭ ‬إبرهام‭ ‬للخدمة‭ ‬في‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس،‭ ‬فهو‭ ‬اختيار‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬طويلة‭ ‬وخبرة‭ ‬مشتركة‭.‬

تعرّفت‭ ‬على‭ ‬نيافة‭ ‬الأنبا‭ ‬إبرهام‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬خدمتي‭ ‬كأسقف‭ ‬عام‭ ‬للخدمات‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الثمانينيات‭ ‬سنة‭ ‬1986،‭ ‬وخدم‭ ‬معي‭ ‬آنذاك،‭ ‬ثم‭ ‬رسم‭ ‬كاهنًا‭ ‬متبتلًا‭ ‬عام‭ ‬2001،‭ ‬وخدم‭ ‬في‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬كما‭ ‬خدم‭ ‬سابقًا‭ ‬في‭ ‬أسقفية‭ ‬الخدمات‭.‬

ونيافة‭ ‬الأنبا‭ ‬كيرلس‭ ‬عرفته‭ ‬منذ‭ ‬كان‭ ‬شابًا‭ ‬حديث‭ ‬تخرج‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬خدمتي،‭ ‬ثم‭  ‬تكرس‭ ‬ورسم‭ ‬كاهنًا‭ ‬متبتلًا،‭ ‬وكانت‭ ‬لنا‭ ‬مسيرة‭ ‬خدمة‭ ‬مشتركة‭ ‬منذ‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭.‬

ومع‭ ‬اتساع‭ ‬الإيبارشية‭ ‬وزيادة‭ ‬عدد‭ ‬الكنائس،‭ ‬رأيت‭ ‬ضرورة‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مجالات‭ ‬محددة‭ ‬داخل‭ ‬الخدمة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الخدمة‭ ‬الرعوية‭ ‬التقليدية،‭ ‬فكانت‭ ‬فكرة‭ ‬إنشاء‭ ‬الأقسام‭ (‬Departments‭). ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الدياكونية،‭ ‬التي‭ ‬تهتم‭ ‬بالقادمين‭ ‬الجدد‭ ‬والإدمان‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬إختصاص‭ ‬الأنبا‭ ‬إبرهام‭.‬

أما‭ ‬التعليم‭ ‬الكنسي‭ ‬وتأسيس‭ ‬الكلية‭ ‬اللاهوتية‭ ‬كان‭ ‬للأنبا‭ ‬كيرلس‭ ‬دور‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬بدايتها‭ ‬ACTS‭ –  ‬American Coptic Theological Seminary

الكلية‭ ‬الإكليريكية‭ ‬القبطية‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ثم‭ ‬توسّع‭ ‬العمل‭ ‬ليشمل‭ ‬أقسام‭ ‬الإرساليات،‭ ‬وخدمة‭ ‬الشباب،‭ ‬والكنيسة‭ ‬والثقافة،‭ ‬بمشاركة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬الكهنة‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬يقوم‭ ‬الأساقفة‭ ‬المساعدون‭ ‬بدور‭ ‬رعوي‭ ‬مباشر،‭ ‬من‭ ‬متابعة‭ ‬الكنائس‭ ‬داخل‭ ‬المناطق‭ ‬المكلّفين‭ ‬بها،‭ ‬والإشراف‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬لجان‭ ‬الكنائس،‭ ‬والقيام‭ ‬بزيارات‭ ‬دورية‭. ‬ومع‭ ‬تقدّمي‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬وزيادة‭ ‬عدد‭ ‬الكنائس،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬أزور‭ ‬كل‭ ‬كنيسة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬العام،‭ ‬فوجود‭ ‬أساقفة‭ ‬مساعدين‭ ‬يضمن‭ ‬انتظام‭ ‬الخدمة‭ ‬واستمراريتها‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تقصير‭.‬

والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬يشعر‭ ‬بثمر‭ ‬هذه‭ ‬الخدمة،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الأساقفة‭ ‬المساعدين‭ ‬محبوبون‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬ويتمتعون‭ ‬بثقته،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الإيبارشية‭ ‬قدرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الطمأنينة‭ ‬والاستقرار‭.‬

رابعًا‭: ‬الكنيسة‭ ‬والمهجر‭:‬

س‭ -‬كيف‭ ‬ترون‭ ‬دور‭ ‬الكنيسة‭ ‬القبطية‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬والإيمان‭ ‬داخل‭ ‬مجتمع‭ ‬متعدد‭ ‬الثقافات‭ ‬مثل‭ ‬أمريكا؟

ج‭-‬ كنيستنا‭ ‬هي‭ ‬كنيسة‭ ‬الإيمان؛‭ ‬إيمان‭ ‬نعيشه‭ ‬ونحافظ‭ ‬عليه‭ ‬ونسلمه‭ ‬أمينًا‭ ‬لكل‭ ‬جيل‭. ‬إيمان‭ ‬أرثوذكسي‭ ‬راسخ،‭ ‬تسلّمناه‭ ‬عبر‭ ‬الآباء،‭ ‬ونحمله‭ ‬اليوم‭ ‬بمسؤولية‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬مختلف‭ ‬وتحديات‭ ‬متجددة‭.‬

فنحن‭ ‬نعيش‭ ‬داخل‭ ‬مجتمع‭ ‬متعدد‭ ‬الثقافات،‭ ‬ونتعامل‭ ‬يوميًا‭ ‬مع‭ ‬لغة‭ ‬وثقافة‭ ‬وقوانين‭ ‬وأفكار‭ ‬متغيرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬واعين‭ ‬ومستنيرين،‭ ‬لا‭ ‬منغلقين‭ ‬ولا‭ ‬منطرحين‭ ‬امام‭ ‬ضغوط‭ ‬المجتمع‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭  ‬فهم‭ ‬المجتمع‭ ‬الامريكي‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬وفهم‭ ‬الثقافة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬الهوية،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬نبدو‭ ‬كجسم‭ ‬غريب‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭. ‬كنيستنا‭ ‬مدعوة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬متمسكة‭ ‬بإيمانها‭ ‬الأرثوذكسي،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬حاضرة‭ ‬وفاعلة‭ ‬كجزء‭ ‬حي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع،‭ ‬تشهد‭ ‬للمسيح‭ ‬فيه،‭ ‬وتكون‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬السيد‭ ‬المسيح‭ ‬ملح‭ ‬الأرض‭ ‬ونور‭ ‬العالم‭.‬

تعدد‭ ‬الثقافات‭ ‬يفتح‭ ‬أمامنا‭ ‬آفاقًا‭ ‬واسعة،‭ ‬لكنه‭ ‬يضعنا‭ ‬أيضًا‭ ‬أمام‭ ‬أفكار‭ ‬كثيرة‭ ‬ومتباينة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬تمييزًا‭ ‬روحيًا‭ ‬وفكريًا‭: ‬كيف‭ ‬نغربل‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار؟‭ ‬وكيف‭ ‬نفهم‭ ‬التحديات‭ ‬والقوانين‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬لآخر؟‭ ‬وكيف‭ ‬نواجهها؟

الإجابة‭ ‬تبدأ‭ ‬بدراسة‭ ‬الأساس،‭ ‬وفهم‭ ‬الجذور،‭ ‬وتقديم‭ ‬الإيمان‭ ‬الأرثوذكسي‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬الواضحة‭ ‬النقية،‭ ‬كما‭ ‬حُفظ‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭.‬

التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭: ‬كيف‭ ‬تكون‭ ‬كنيستنا‭ ‬أرثوذكسية‭ ‬في‭ ‬إيمانها،‭ ‬ومتجذرة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬تعيش‭ ‬فيه؟‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الكنيسة‭ ‬في‭ ‬مصر‭: ‬كنيسة‭ ‬أرثوذكسية‭ ‬أصيلة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬نسيج‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري‭.‬

وهكذا‭ ‬نحن‭ ‬أيضًا‭ ‬مدعوون‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬لنا‭ ‬جذور‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه،‭ ‬لا‭ ‬بأن‭ ‬نقبل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬فيه،‭ ‬بل‭ ‬بأن‭ ‬نؤثر‭ ‬فيه،‭ ‬ونشهد‭ ‬فيه،‭ ‬ونقدّم‭ ‬نموذجًا‭ ‬حيًا‭ ‬للإيمان‭ ‬العامل‭ ‬بالمحبة‭.‬

س‭-‬ ما‭ ‬رؤيتكم‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬المولودين‭ ‬في‭ ‬المهجر؟

ج‭ -‬نُربي‭ ‬أبناءنا‭ ‬منذ‭ ‬الصغر‭ ‬داخل‭ ‬الكنيسة،‭ ‬مع‭ ‬شرحٍ‭ ‬يُناسب‭ ‬أعمارهم‭ ‬واحتياجاتهم‭. ‬واستخدام‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬يسهل‭ ‬عليهم‭ ‬فهم‭ ‬الإيمان‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الكنسية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬توافر‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الترجمات‭ ‬وبالأخص‭ ‬كتب‭ ‬الطقوس‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ساعدهم‭ ‬عمليًا‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬والفهم‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬لهذا‭ ‬الجيل‭ ‬أسئلته‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ولذلك‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬مستعدين‭ ‬للإجابة‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬إجابات‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬منطقٍ‭ ‬سليم‭ ‬وأسسٍ‭ ‬واضحة،‭ ‬وبمصداقية‭ ‬يمكنهم‭ ‬الرجوع‭ ‬إليها‭ ‬والتحقق‭ ‬منها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاتساق‭ ‬ضروري‭ ‬جدًا‭: ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬شيئًا‭ ‬اليوم‭ ‬ثم‭ ‬نناقضه‭ ‬غدًا،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نقدم‭ ‬أسبابًا‭ ‬حقيقية‭ ‬ومتماسكة‭.‬

وأنا‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬كلمة‭ ‬“لماذا؟”‭ ‬هي‭ ‬كلمة‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬الكنيسة‭ ‬مع‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭: ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬الكنيسة‭ ‬الباب‭ ‬للسؤال،‭ ‬وأن‭ ‬تمتلك‭ ‬إجابة‭. ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نُفسّر‭ ‬السؤال‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬قلة‭ ‬احترام‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬تقدير،‭ ‬لأن‭ ‬كنيستنا‭ ‬قوية‭ ‬وقادرة‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬إجابات‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يُطرح‭.‬

س‭ -‬كيف‭ ‬تستطيع‭ ‬الكنيسة‭ ‬القبطية‭ ‬أن‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬ثوابتها‭ ‬الإيمانية‭ ‬وهويتها‭ ‬الروحية‭ ‬والتاريخية،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تواكب‭ ‬متغيرات‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انتشار‭ ‬كنائس‭ ‬تُقام‭ ‬فيها‭ ‬الصلوات‭ ‬غالبًا‭ ‬باللغة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬استخدام‭ ‬اللغة‭ ‬القبطية‭ ‬الأصيلة؟

ج‭ -‬الإيمان‭ ‬الأرثوذكسي‭ ‬بطبيعته‭ ‬أسمى‭ ‬وأعلي‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬لغة‭ ‬أو‭ ‬ثقافة‭ ‬بعينها‭. ‬صحيح‭ ‬أنه‭ ‬يُعبَّر‭ ‬عنه‭ ‬دائمًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬لغة‭ ‬وثقافة‭ ‬محددتين،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬إيمان‭ ‬الهي‭ ‬يمكن‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭ ‬بأي‭ ‬لغة‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬سياق‭ ‬ثقافي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمس‭ ‬ثوابته‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إيماني‭ ‬ثابت،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬ثقافي‭ ‬أو‭ ‬تقليدي‭ ‬ارتبط‭ ‬بنا‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭.‬

فوجود‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لا‭ ‬يؤثر‭ ‬مطلقًا‭ ‬على‭ ‬ثوابت‭ ‬الإيمان،‭ ‬لأن‭ ‬الإيمان‭ ‬المسيحي‭ ‬غير‭ ‬مرتبط‭ ‬بلغة‭ ‬بعينها‭. ‬وحتى‭ ‬اللغة‭ ‬القبطية‭ ‬نفسها‭ ‬لا‭ ‬تُعد‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬ثوابت‭ ‬الإيمان،‭ ‬بل‭ ‬ترتبط‭ ‬بالطقس‭ ‬الكنسي‭. ‬فالطقس‭ ‬قبطي‭ ‬في‭ ‬جذوره،‭ ‬ولذلك‭ ‬ارتبطت‭ ‬به‭ ‬اللغة‭ ‬القبطية‭ ‬والألحان‭ ‬القبطية‭ ‬الأصيلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬حرص‭ ‬الكنيسة‭ ‬على‭ ‬استخدامها،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الكنائس‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُستخدم‭ ‬فيها‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬تعلُّم‭ ‬اللغة‭ ‬القبطية‭ ‬وتعلُّم‭ ‬الألحان‭ ‬بلغتها‭ ‬الأصلية،‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬الطقس‭ ‬وجمالياته‭ ‬الروحية‭. ‬ولهذا‭ ‬أنشأت‭ ‬الكنيسة‭ ‬معهدًا‭ ‬متخصصًا‭ ‬للألحان‭ ‬القبطية،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬المتخصصين،‭ ‬يقوده‭ ‬شباب‭ ‬نشأوا‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وتلقّوا‭ ‬تعليمهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬واللحن‭ ‬يمكن‭ ‬نقلهما‭ ‬بأمانة‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭ ‬والثقافات‭.‬

والجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬اللغة‭ ‬القبطية‭ ‬أصبح‭ ‬محدودًا‭ ‬حتى‭ ‬داخل‭ ‬مصر‭ ‬نفسها،‭ ‬حيث‭ ‬تسود‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يتأثر‭ ‬إيمان‭ ‬الكنيسة‭ ‬أو‭ ‬ثوابته‭ ‬في‭ ‬شيء،‭ ‬وهو‭ ‬دليل‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الإيمان‭ ‬الأرثوذكسي‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬اللغة،‭ ‬وأبقى‭ ‬من‭ ‬الثقافة،‭ ‬وقادر‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬و‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭.‬

خامساً‭:‬ قضايا‭ ‬شائكة‭ ‬تمس‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني‭ ‬وحقوق‭ ‬المواطنة‭ ‬والأسرة‭:‬

س‭-‬ كيف‭ ‬تقيّم‭ ‬الكنيسة‭ ‬القبطية‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬التحديات‭ ‬المتزايدة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬سرّ‭ ‬الزيجة‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬المهجر،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تغيّر‭ ‬نمط‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬الهجرة،‭ ‬وما‭ ‬الدور‭ ‬الرعوي‭ ‬والتوعوي‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬الكنيسة‭ ‬في‭ ‬احتواء‭ ‬الخلافات‭ ‬الأسرية‭ ‬التي‭ ‬تفاقمت‭ ‬أو‭ ‬نشأت‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الجديد؟

ج‭-‬ يواجه‭ ‬سرّ‭ ‬الزواج‭ ‬اليوم‭ ‬تحديات‭ ‬حقيقية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اهتزاز‭ ‬المفاهيم‭ ‬الأساسية‭ ‬حول‭ ‬لماذا‭ ‬يتزوج‭ ‬الإنسان؟‭ ‬ومن‭ ‬يتزوج؟،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬انتشار‭ ‬أنماط‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العلاقات،‭ ‬سواء‭ ‬الزواج‭ ‬المدني،‭ ‬أو‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭ ‬دون‭ ‬زواج،‭ ‬أو‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬أشخاص‭ ‬من‭ ‬الجنس‭ ‬نفسه‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬المتغيرات‭ ‬تفرض‭ ‬علينا‭ ‬مسؤولية‭ ‬توضيح‭ ‬جوهر‭ ‬الزواج‭ ‬المسيحي‭: ‬أنه‭ ‬ترتيب‭ ‬إلهي‭  ‬بين‭ ‬رجل‭ ‬وامرأة،‭ ‬باركه‭ ‬الله‭ ‬منذ‭ ‬البدء،‭ ‬وأعلنه‭ ‬كسرّ‭ ‬كنسي‭ ‬مقدس‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التزام‭ ‬دائم‭ ‬واستمرارية،‭ ‬وليس‭ ‬علاقة‭ ‬مؤقتة‭ ‬أو‭ ‬تعاقدًا‭ ‬اجتماعيًا‭.‬

ويؤكد‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬ما‭ ‬أعلنه‭ ‬القديس‭ ‬بولس‭ ‬الرسول‭ ‬في‭ ‬رسالته‭ ‬إلى‭ ‬أهل‭ ‬أفسس،‭ ‬حين‭ ‬شبّه‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الزوج‭ ‬والزوجة‭ ‬بعلاقة‭ ‬المسيح‭ ‬بالكنيسة،‭ ‬وهي‭ ‬علاقة‭ ‬محبة‭ ‬وبذل‭ ‬ووحدة،‭ ‬وكذلك‭ ‬بعلاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬بنفسه‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المبادئ‭ ‬الأساسية‭ ‬للزواج،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬النظري،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الإعداد‭ ‬العملي‭ ‬للزواج‭.‬

لذلك،‭ ‬أصبحت‭ ‬برامج‭ ‬إعداد‭ ‬المقبلين‭ ‬على‭ ‬الزواج‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحّة،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفردي‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجموعات‭ ‬منظمة،‭ ‬بهدف‭ ‬مساعدة‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬الاختيار‭ ‬السليم،‭ ‬وبناء‭ ‬فهم‭ ‬ناضج‭ ‬لمسؤوليات‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬قبل‭ ‬الدخول‭ ‬فيها‭.‬

أما‭ ‬الخلافات‭ ‬الزوجية،‭ ‬فهي‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجتمعات،‭ ‬لكن‭ ‬طبيعة‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬تلعب‭ ‬دورًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬حدّتها‭. ‬فالأسرة‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬جديد‭ ‬قد‭ ‬تتأثر‭ ‬بثقافته،‭ ‬وقد‭ ‬تتفاقم‭ ‬الخلافات‭ ‬نتيجة‭ ‬مناخ‭ ‬الحرية‭ ‬الواسع،‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬موجودًا‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الأصلي‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬الرعاية‭ ‬الأسرية‭ ‬كجزء‭ ‬أساسي‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬الكنسية‭.‬

وتقوم‭ ‬هذه‭ ‬الرعاية‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬الكهنة،‭ ‬بمساندة‭ ‬مختصين‭ ‬في‭ ‬الإرشاد‭ ‬والمشورة‭ ‬الأسرية،‭ ‬للمساعدة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المشكلات‭ ‬قبل‭ ‬تفاقمها‭. ‬فخدمة‭ ‬الأسرة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬لحظة‭ ‬الأزمة،‭ ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬منذ‭ ‬التأسيس،‭ ‬بتكوين‭ ‬وعي‭ ‬صحي‭ ‬يمكّن‭ ‬الأسرة‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬أي‭ ‬خلافات‭ ‬مستقبلية‭ ‬والتغلب‭ ‬عليها‭ ‬بروح‭ ‬المحبة‭ ‬والتفاهم‭.‬

س‭-‬ كيف‭ ‬توازن‭ ‬الكنيسة‭ ‬بين‭ ‬التزامها‭ ‬بالتعليم‭ ‬الكنسي‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والواقع‭ ‬القانوني‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المهجر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى؟

ج‭ -‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬يقوم‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬الفصل‭ ‬الكامل‭ ‬بين‭ ‬الكنيسة‭ ‬والدولة،‭ ‬لذلك‭ ‬تُحكِّم‭ ‬المحاكم‭ ‬بالقانون‭ ‬المدني‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المواطنين‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬ديني،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تضمن‭ ‬للكنائس‭ ‬حرية‭ ‬الالتزام‭ ‬بتعاليمها‭ ‬وعقائدها‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭.‬

فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬خلاف‭ ‬بين‭ ‬زوجين،‭ ‬تختص‭ ‬المحكمة‭ ‬المدنية‭ ‬بإصدار‭ ‬حكم‭ ‬الطلاق‭ ‬وفقًا‭ ‬للقانون،‭ ‬دون‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬الأسباب‭ ‬الروحية‭ ‬أو‭ ‬الدينية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬مثل‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬حيث‭ ‬يتركّز‭ ‬دور‭ ‬المحكمة‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬المدنية‭ ‬فقط،‭ ‬مثل‭ ‬حضانة‭ ‬الأطفال‭ ‬وتقسيم‭ ‬الممتلكات‭ ‬والالتزامات‭ ‬المالية‭.‬

أما‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الكنسية،‭ ‬فيختص‭ ‬المجلس‭ ‬الإكليريكي‭ ‬بدراسة‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الزواج‭ ‬قائمًا‭ ‬كنسيًا‭ ‬من‭ ‬الأساس،‭ ‬أي‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬زواج‭ ‬صحيح‭ ‬أم‭ ‬باطل،‭ ‬وذلك‭ ‬وفقًا‭ ‬لمعايير‭ ‬الكنيسة‭ ‬وتعاليمها‭ ‬لبطلان‭ ‬الزواج،‭ ‬مثل‭ ‬وجود‭ ‬علة‭ ‬الزنا،‭ ‬أو‭ ‬تغيير‭ ‬الدين‭.‬

وبناءً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الفصل،‭ ‬تتمتع‭ ‬الكنيسة‭ ‬بحرية‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬تعليمها‭ ‬الكنسي‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الرجوع‭ ‬للقانون‭ ‬المدني‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للكنيسة‭ ‬أن‭ ‬تصدر‭ ‬قرار‭ ‬تصريح‭ ‬زواج‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الطرفان‭ ‬قد‭ ‬حصلا‭ ‬أولًا‭ ‬على‭ ‬الطلاق‭ ‬المدني،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬توافرت‭ ‬الأسباب‭ ‬الكنسية‭ ‬لذلك‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬قد‭ ‬يحصل‭ ‬الشخص‭ ‬على‭ ‬طلاق‭ ‬مدني‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مؤهلًا‭ ‬كنسيًا‭ ‬لتصريح‭ ‬الزواج‭.‬

س‭-‬ ما‭ ‬الإرشاد‭ ‬الذي‭ ‬تقدمه‭ ‬الكنيسة‭ ‬للأسر‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬بين‭ ‬أحكام‭ ‬مدنية‭ ‬وقرارات‭ ‬كنسية؟

ج‭ -‬تؤكد‭ ‬الكنيسة‭ ‬أن‭ ‬أبناءها،‭ ‬طالما‭ ‬اختاروا‭ ‬الارتباط‭ ‬الكنسي،‭ ‬لا‭ ‬يمكنهم‭ ‬أن‭ ‬يعيشوا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ازدواجية‭ ‬بين‭ ‬الأحكام‭ ‬المدنية‭ ‬والأحكام‭ ‬الكنسية‭. ‬فالكنيسة‭ ‬تلتزم‭ ‬بالقضاء‭ ‬الكنسي،‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بإجراء‭ ‬قانوني‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بخلاص‭ ‬النفوس‭ ‬ومسؤولية‭ ‬روحية‭ ‬أمام‭ ‬الله‭.‬

الحكم‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬قانوني‭ ‬بحت،‭ ‬ويُعد‭ ‬الطلاق‭ ‬فيه‭ ‬إجراءً‭ ‬سهلاً‭ ‬لا‭ ‬يناقش‭ ‬الأسباب‭ ‬أو‭ ‬الجوهر،‭ ‬بينما‭ ‬تنظر‭ ‬الكنيسة‭ ‬إلى‭ ‬الزواج‭ ‬كسر‭ ‬مقدس‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فكل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتزوج‭ ‬في‭ ‬الكنيسة،‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬قبل‭ ‬ضمنيًا‭ ‬أن‭ ‬يلتزم‭ ‬بشريعتها‭ ‬وتعاليمها‭.‬

وفي‭ ‬سر‭ ‬الإكليل‭ ‬تُقرأ‭ ‬كلمات‭ ‬السيد‭ ‬المسيح‭ ‬من‭ ‬إنجيل‭ ‬متى،‭ ‬الإصحاح‭ ‬19،‭ ‬حينما‭ ‬سُئل‭ ‬عن‭ ‬الطلاق‭ ‬فأكد‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬‮«‬خلق‭ ‬الإنسان‭ ‬ذكرًا‭ ‬وأنثى‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬يترك‭ ‬الرجل‭ ‬أباه‭ ‬وأمه‭ ‬ويلتصق‭ ‬بامرأته‮»‬،‭ ‬مشددًا‭ ‬على‭ ‬المبدأ‭ ‬الجوهري‭: ‬‮«‬الذي‭ ‬جمعه‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬يفرقه‭ ‬إنسان‮»‬‭.‬

لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الالتزام‭ ‬بالزواج‭ ‬الكنسي‭ ‬يقتضي‭ ‬الالتزام‭ ‬بنظام‭ ‬الكنيسة‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬الكتاب‭ ‬المقدس،‭ ‬وهو‭ ‬نظام‭ ‬يحمل‭ ‬بُعدًا‭ ‬أبديًا‭ ‬ومسؤولية‭ ‬روحية‭ ‬ستُسأل‭ ‬عنها‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الدينونة،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬عقد‭ ‬يمكن‭ ‬فسخه‭ ‬بإجراء‭ ‬مدني‭.‬

س‭-‬ كيف‭ ‬تدعم‭ ‬الكنيسة‭ ‬الأزواج‭ ‬روحياً‭ ‬ونفسياً‭ ‬قبل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الانفصال؟

ج‭-‬ الرعاية‭ ‬المستمرة‭ ‬وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬الرعاية‭ ‬والخدمات‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬مبكرة‭ ‬قبل‭ ‬تفاقم‭ ‬المشكلات‭ ‬الأسرية،‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬مجموعات‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬المتزوجين،‭ ‬مع‭ ‬تقديم‭ ‬رعاية‭ ‬شاملة‭ ‬مثل‭ ‬الكورسات‭ ‬أو‭ ‬الدورات‭ ‬للأسرة‭ ‬ككل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬بشكل‭ ‬فعّال‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬استقرارها‭ ‬ونموّها‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬عرض‭ ‬نماذج‭ ‬حقيقية‭ ‬لأسر‭ ‬ناجحة‭ ‬يشكّل‭ ‬عامل‭ ‬تشجيع‭ ‬قوي،‭ ‬ويخلق‭ ‬جسور‭ ‬تواصل‭ ‬بين‭ ‬العائلات،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬للأسر‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬خبرة‭ ‬أطول‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭ ‬وتربية‭ ‬الأبناء‭ ‬أن‭ ‬تنقل‭ ‬خبراتها‭ ‬للأسر‭ ‬الجديدة،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬والدعم‭ ‬المتبادل،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬اللوم‭ ‬أو‭ ‬الإدانة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعات‭ ‬متخصصة،‭ ‬سواء‭ ‬للأسر‭ ‬لمناقشة‭ ‬التحديات‭ ‬اليومية‭ ‬أو‭ ‬كيفية‭ ‬الاندماج‭ ‬المجتمعي‭ ‬وتنشئة‭ ‬الابناء، أو‭ ‬اجتماعات‭ ‬منفصلة‭ ‬للرجال‭ ‬وأخرى‭ ‬للنساء،‭ ‬تتيح‭ ‬لكل‭ ‬فئة‭ ‬مساحة‭ ‬آمنة‭ ‬للحوار‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات‭. ‬هذه‭ ‬الاجتماعات‭ ‬المتخصصة‭ ‬تسهم‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬تعظيم‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬خبرات‭ ‬الآخرين‭ ‬وتعزيز‭ ‬التماسك‭ ‬الأسري،‭ ‬ولا‭ ‬يكون‭ ‬العبئ‭ ‬كله‭ ‬على‭ ‬الآباء‭ ‬الكهنة‭.‬

س‭-‬ هل‭ ‬هناك‭ ‬برامج‭ ‬إرشاد‭ ‬أو‭ ‬تأهيل‭ ‬أسري‭ ‬خاصة‭ ‬بالمهجر‭ ‬تراعي‭ ‬اختلاف‭ ‬الثقافة‭ ‬والقوانين؟

ج‭-‬ نعم،‭ ‬كما‭ ‬ذكرتُ‭ ‬سابقًا،‭ ‬فإن‭ ‬اختلاف‭ ‬الثقافة‭ ‬والقوانين‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭ ‬يفرض‭ ‬تحديات‭ ‬حقيقية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬قدرًا‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬والفهم‭ ‬العميق‭. ‬لذلك‭ ‬توجد‭ ‬برامج‭ ‬متخصصة‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تعريف‭ ‬الأفراد‭ ‬بالقوانين‭ ‬السائدة‭ ‬هنا،‭ ‬وبالنظام‭ ‬الكنسي،‭ ‬وبالفروق‭ ‬الجوهرية‭ ‬بين‭ ‬النظام‭ ‬المدني‭ ‬والنظام‭ ‬الكنسي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمفهوم‭ ‬الزواج‭.‬

وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬قادمًا‭ ‬من‭ ‬خلفية‭ ‬غير‭ ‬كنسية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الكنيسة،‭ ‬ثم‭ ‬ينضم‭ ‬إليها،‭ ‬إذ‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬يتعرّف‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬تعليم‭ ‬الكنيسة،‭ ‬ورؤيتها‭ ‬للزواج‭ ‬كسر‭ ‬مقدس،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعي‭ ‬أو‭ ‬قانوني‭. ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬المسبق‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تجنب‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الإشكاليات،‭ ‬ويُساعد‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬حياة‭ ‬زوجية‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭ ‬وانسجامًا‭ ‬مع‭ ‬الإيمان‭ ‬والنظام‭ ‬الكنسي‭.‬

س‭-‬ ما‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬يحرص‭ ‬نيافتكم‭ ‬على‭ ‬توجيها‭ ‬للأزواج‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬سرّ‭ ‬الزيجة‭ ‬وبناء‭ ‬أسر‭ ‬مستقرة؟

ج‭-‬ أولًا،‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬وعي‭ ‬واضح‭ ‬بمفهوم‭ ‬الزواج‭ ‬نفسه،‭ ‬وأن‭ ‬يفهم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الزواج‭ ‬في‭ ‬المفهوم‭ ‬المسيحي‭ ‬الكنسي‭. ‬فالمجتمع‭ ‬المحيط‭ ‬قد‭ ‬يقدّم‭ ‬الزواج‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬مجرد‭ ‬عقد‭ ‬بين‭ ‬طرفين،‭ ‬بينما‭ ‬تؤمن‭ ‬الكنيسة‭ ‬أن‭ ‬الزواج‭ ‬هو‭ ‬عقد‭ ‬يُقدَّس‭ ‬بنعمة‭ ‬الله،‭ ‬وسر‭ ‬كنسي‭ ‬مقدس،‭ ‬له‭ ‬عمق‭ ‬روحي‭ ‬ومعنى‭ ‬خلاصي،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬ارتباط‭ ‬قانوني‭ ‬أو‭ ‬اجتماعي‭.‬

ثانيًا،‭ ‬يأتي‭ ‬الاختيار‭ ‬الجيد‭ ‬كعنصر‭ ‬أساسي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التهاون‭ ‬فيه‭. ‬فالزواج‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُعامل‭ ‬كأمر‭ ‬ثانوي‭ ‬أو‭ ‬قرار‭ ‬يُتخذ‭ ‬على‭ ‬عجل‭ ‬بحجة‭ ‬ضيق‭ ‬الوقت‭ ‬أو‭ ‬ضغط‭ ‬الظروف‭. ‬من‭ ‬ينوي‭ ‬الزواج‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يخصص‭ ‬له‭ ‬وقتًا‭ ‬كافيًا‭ ‬للتفكير‭ ‬والصلاة‭ ‬والتمييز،‭ ‬وألا‭ ‬يكون‭ ‬الاختيار‭ ‬مبنيًا‭ ‬على‭ ‬معايير‭ ‬سطحية‭ ‬أو‭ ‬دوافع‭ ‬مادية‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية،‭ ‬لأن‭ ‬الزواج‭ ‬سر‭ ‬مستمر،‭ ‬وليس‭ ‬تجربة‭ ‬مؤقتة‭ ‬يمكن‭ ‬الرجوع‭ ‬عنها‭ ‬بسهولة‭.‬

ثالثًا،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إعطاء‭ ‬فترة‭ ‬التعارف‭ ‬حقها‭ ‬الطبيعي‭. ‬فلا‭ ‬يُفضَّل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فترة‭ ‬التعارف‭ ‬قصيرة‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬بمعرفة‭ ‬حقيقية،‭ ‬ولا‭ ‬طويلة‭ ‬بلا‭ ‬هدف‭ ‬واضح‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬قد‭ ‬تساعد‭ ‬كوسيلة‭ ‬أولى‭ ‬للتعارف،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وسيلة‭ ‬كافية‭ ‬أو‭ ‬بديلة‭ ‬عن‭ ‬اللقاء‭ ‬الشخصي‭. ‬فالتعامل‭ ‬المباشر،‭ ‬والجلوس‭ ‬مع‭ ‬الشخص،‭ ‬والحوار‭ ‬وجهًا‭ ‬لوجه،‭ ‬يكشف‭ ‬أبعادًا‭ ‬كثيرة‭ ‬لا‭ ‬تنقلها‭ ‬الشاشات،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الصور‭ ‬نفسها‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬الحقيقة‭ ‬كاملة‭.‬

س‭-‬ كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للكنيسة‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬بحكمة‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬المجتمعية‭ ‬الحساسة‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬دون‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬صدام‭ ‬أو‭ ‬تصعيد؟

ج‭-‬ حسب‭ ‬طبيعة‭ ‬كل‭ ‬قضية‭. ‬فعندما‭ ‬تُطرح‭ ‬قضايا‭ ‬تمس‭ ‬جوهر‭ ‬الإيمان‭ ‬والتعليم‭ ‬الكنسي،‭ ‬مثل‭ ‬القوانين‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالهوية‭ ‬الجنسية‭ ‬أو‭ ‬زواج‭ ‬المثليين،‭ ‬وهي‭ ‬أمور‭ ‬تتعارض‭ ‬بوضوح‭ ‬مع‭ ‬تعليم‭ ‬الكتاب‭ ‬المقدس،‭ ‬تعلن‭ ‬الكنيسة‭ ‬موقفها‭ ‬الرافض‭ ‬بوضوح،‭ ‬مع‭ ‬توعية‭ ‬المجتمع‭ ‬بخطورة‭ ‬هذه‭ ‬التشريعات‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬تسببه‭ ‬من‭ ‬تفكيك‭ ‬للأسرة‭ ‬وضرب‭ ‬لقيمها‭ ‬الأساسية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تحرص‭ ‬الكنيسة‭ ‬على‭ ‬توعية‭ ‬الآباء‭ ‬بحقوقهم‭ ‬القانونية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمناهج‭ ‬والسياسات‭ ‬التعليمية‭ ‬داخل‭ ‬المدارس،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬للوالدين‭ ‬الحق‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬الاعتراض‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬أبنائهم‭. ‬فالكنيسة،‭ ‬كأساقفة‭ ‬أو‭ ‬كهنة،‭ ‬لا‭ ‬تتدخل‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية،‭ ‬لكنها‭ ‬تساند‭ ‬أبناءها‭ ‬وتدعمهم‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬حقوقهم‭ ‬المشروعة‭.‬

كما‭ ‬تستعين‭ ‬الكنيسة‭ ‬بأصحاب‭ ‬الخبرة‭ ‬من‭ ‬محامين،‭ ‬وتربويين،‭ ‬ومسؤولين‭ ‬سابقين‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية،‭ ‬بهدف‭ ‬توعية‭ ‬الشعب‭ ‬بحقوقه‭ ‬المدنية‭ ‬والقانونية،‭ ‬لأن‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭ ‬يضمن‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق،‭ ‬ومن‭ ‬الواجب‭ ‬استخدامها‭ ‬بوعي‭ ‬ومسؤولية‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تظل‭ ‬للكنيسة‭ ‬كلمتها‭ ‬الواضحة‭ ‬وموقفها‭ ‬الصريح،‭ ‬سواء‭ ‬لاقى‭ ‬قبولًا‭ ‬أم‭ ‬رفضًا،‭ ‬لأنها‭ ‬مدعوة‭ ‬دائمًا‭ ‬للشهادة‭ ‬للحق،‭ ‬مستخدمة‭ ‬لغة‭ ‬مباشرة‭ ‬وواضحة،‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬الغموض‭ ‬أو‭ ‬الالتباس،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تُفسَّر‭ ‬بحسب‭ ‬الأهواء‭ ‬أو‭ ‬تُفهم‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬مقصودها‭.‬

س‭ -‬ما‭ ‬هو‭ ‬الموقف‭ ‬الرسمي‭ ‬للكنيسة‭ ‬تجاه‭ ‬قضية‭ ‬اختفاء‭ ‬وخطف‭ ‬الفتيات‭ ‬القبطيات‭ ‬في‭ ‬مصر؟

ج‭ -‬الكنيسة‭ ‬عليها‭ ‬مسؤولية‭ ‬رعويه‭ ‬تجاه‭ ‬بناتها،‭ ‬فاختفاء‭ ‬أي‭ ‬فتاة‭ ‬يترك‭ ‬ألمًا‭ ‬بالغًا‭ ‬داخل‭ ‬الكنيسة‭ ‬وداخل‭ ‬أسرتها‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تتحمل‭ ‬الكنيسة‭ ‬مسؤوليتها،‭ ‬كما‭ ‬تتحملها‭ ‬الدولة،‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الأسرة‭ ‬وحمايتها‭. ‬وعندما‭ ‬يُلاحظ‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬جغرافي‭ ‬معين‭ ‬تكرار‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تنبيه‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تُستغل‭ ‬فيها‭ ‬العلاقات‭ ‬العاطفية‭ ‬أو‭ ‬الاحتياجات‭ ‬النفسية‭ ‬والمادية‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الفتيات‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬عليهن‭.‬

هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬لا‭ ‬تمس‭ ‬فقط‭ ‬الأسر‭ ‬المعنية،‭ ‬بل‭ ‬تؤثر‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬المجتمع‭ ‬ووحدته‭ ‬الوطنية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬موقفًا‭ ‬رسميًا‭ ‬واضحًا‭ ‬وحازمًا‭ ‬من‭ ‬الدولة‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬يظهر‭ ‬أحيانًا‭ ‬بشكل‭ ‬جاد‭ ‬وحازم‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬وأحياناً‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬هذا‭ ‬الموقف،‭ ‬فإنه‭ ‬يظل‭ ‬متفاوتًا‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭.‬

وبالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬هنا،‭ ‬نتابع‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬بعناية‭ ‬ونتواصل‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر‭ ‬مع‭ ‬الكنيسة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬ونثق‭ ‬فى‭ ‬حكمتها،‭ ‬ونلتزم‭ ‬بتقديم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تطلبه‭ ‬الكنيسة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬حساسية‭ ‬الموقف‭ ‬وردود‭ ‬الأفعال‭ ‬من‭ ‬المهجر‭. ‬فالتصعيد‭ ‬غير‭ ‬المدروس‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬توترات‭ ‬إضافية،‭ ‬بينما‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬هو‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬عادلة‭ ‬ومتزنة‭ ‬تحفظ‭ ‬حقوق‭ ‬الجميع‭ ‬وتضمن‭ ‬سلامة‭ ‬المجتمع‭.‬

س‭-‬ كيف‭ ‬تتابع‭ ‬الكنيسة‭ ‬هذه‭ ‬القضايا،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬الآليات‭ ‬المتاحة‭ ‬لحماية‭ ‬الضحايا‭ ‬وأسرهن؟

ج‭ -‬نحن‭ ‬نبحث‭ ‬في‭ ‬الأسباب‭ ‬بموضوعية،‭ ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أطرافًا‭ ‬تستغل‭ ‬بعض‭ ‬الظروف‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬معينة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭  ‬تجنيد‭ ‬او‭ ‬تشجيع‭ ‬بعض‭ ‬الشباب‭ ‬غير‭ ‬المسيحي‭   ‬لاستغلال‭ ‬معاناة‭ ‬بعض‭ ‬الفتيات‭ ‬المسيحيات‭ ‬عاطفيا‭ ‬وماديا‭ ‬لاغرائهن‭ ‬بالارتباط،‭ ‬حيث‭ ‬تُقدَّم‭ ‬لهم‭ ‬مساعدات‭ ‬مادية‭ ‬أو‭ ‬تسهيلات‭ ‬مختلفة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬علينا‭ ‬مسؤولية‭ ‬مضاعفة‭ ‬في‭ ‬التوعية‭ ‬والرعاية‭ ‬تجاه‭ ‬أسرنا‭ ‬خاصة‭ ‬الاسر‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬تفكك‭ ‬او‭ ‬ضغوط‭ ‬مادية‭ ‬ومجتمعية

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الرعاية‭ ‬الكنسية‭ ‬المتكاملة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬الرعوية‭ ‬أو‭ ‬ضغوط‭ ‬اقتصادية‭ ‬متزايدة‭. ‬فالتراجع‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬ككل،‭ ‬والأقباط‭ ‬ليسوا‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭.‬

لذلك،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬الكنيسة‭ ‬أولوية‭ ‬حقيقية‭ ‬لدعم‭ ‬الأسر‭ ‬المحتاجة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬الزواج،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الزيجات‭ ‬قد‭ ‬تتعطل‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تتم‭ ‬أصلًا‭ ‬بسبب‭ ‬العجز‭ ‬المادي‭. ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬المقبول‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المال‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬تعطيل‭ ‬سر‭ ‬مقدس‭.‬

فالكنيسة‭ ‬لا‭ ‬تجلب‭ ‬الخطيب‭ ‬ولا‭ ‬تختاره،‭ ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬توافر‭ ‬التوافق‭ ‬والنية‭ ‬الصادقة‭ ‬للزواج،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للكنيسة‭ ‬دور‭ ‬داعم‭ ‬يضمن‭ ‬إتمام‭ ‬الزيجة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬الظروف‭ ‬المادية‭ ‬عائقًا‭ ‬أمامها‭.‬

س‭-‬ هل‭ ‬ترون‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬يُعد‭ ‬حالات‭ ‬فردية‭ ‬أم‭ ‬ظاهرة‭ ‬تستوجب‭ ‬تحركًا‭ ‬أوسع؟

ج‭- ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬تظل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الحالات‭ ‬الفردية،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تتزايد‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬أو‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬معينة،‭ ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬توصيفها‭ ‬كـ«ظاهرة‭ ‬عامة‮»‬‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكار‭ ‬وجود‭ ‬أطراف‭ ‬تستغل‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬توظيفها‭ ‬وإستغلالها‭ ‬بشكل‭ ‬مقصود‭.‬

والدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬الفتيات‭ ‬دون‭ ‬غيرهن،‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬الإيمان‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬الجنسين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬استهداف‭ ‬واضح‭ ‬للفتيات‭ ‬تحديدًا‭. ‬ويعتمد‭ ‬هذا‭ ‬الاستغلال‭ ‬على‭ ‬عوامل‭ ‬متعددة،‭ ‬مثل‭ ‬الطبيعة‭ ‬العاطفية‭ ‬لبعض‭ ‬الفتيات،‭ ‬أو‭ ‬الظروف‭ ‬الأسرية‭ ‬الصعبة،‭ ‬أو‭ ‬التفكك‭ ‬الأسري،‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬الإمكانيات‭ ‬المادية،‭ ‬وهي‭ ‬كلها‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬قد‭ ‬يتم‭ ‬النفاذ‭ ‬منها‭.‬

وبالطبع‭ ‬قد‭ ‬توجد‭ ‬حالات‭ ‬فردية‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬ضعف‭ ‬إنساني‭ ‬أو‭ ‬ارتباط‭ ‬عاطفي‭ ‬غير‭ ‬متزن،‭ ‬لكن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬جزئيًا‭ ‬أو‭ ‬انتقائيًا‭. ‬فالمعالجة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تتطلب‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬المسؤوليات‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬المجتمعي،‭ ‬والكنيسة‭ ‬في‭ ‬دورها‭ ‬الرعوي‭ ‬والتوعوي،‭ ‬والأسرة‭ ‬باعتبارها‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الحل‭ ‬متكاملًا،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬دون‭ ‬الآخر‭.‬

س‭-‬ هل‭ ‬الاضطهادات‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬الأقباط‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬قائمة‭ ‬بأشكال‭ ‬جديدة‭ ‬ومختلفة،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬تراجعت‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسنوات‭ ‬الماضية؟ ما‭ ‬تقييمكم‭ ‬لدور‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الملفات‭ ‬الحساسة‭ ‬الآن؟

ج‭ -‬نحن‭ ‬نُفرّق‭ ‬بوضوح‭ ‬بين‭ ‬الاضطهاد‭ ‬الرسمي‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬الدولة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬غير‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي،‭ ‬وبين‭ ‬المناخ‭ ‬العام‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يشهد‭ ‬بعض‭ ‬التوترات‭. ‬فنتيجة‭ ‬التغير‭ ‬في‭ ‬المفاهيم‭ ‬وغياب‭ ‬قبول‭ ‬الآخر‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الفئات،‭ ‬ومع‭ ‬وجود‭ ‬شحن‭ ‬أو‭ ‬تعصب،‭ ‬تظهر‭ ‬هذه‭ ‬الظواهر‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬متعددة،‭ ‬وتزداد‭ ‬حدتها‭ ‬غالبًا‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أو‭ ‬الاجتماعية‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬تكون‭ ‬الأقليات‭ ‬دائمًا‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا‭.‬

يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬صعود‭ ‬التيارات‭ ‬الإسلامية‭ ‬المتشددة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬خمسينيات‭ ‬وستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وما‭ ‬قبلها،‭ ‬حيث‭ ‬طرأ‭ ‬تغير‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬أسلوب‭ ‬التعامل،‭ ‬وظهر‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الاستقطاب‭ ‬المجتمعي‭ ‬يزيد‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬ويقل‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬أخرى‭.‬

وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬هناك‭ ‬خطوات‭ ‬إيجابية‭ ‬اتُخذت،‭ ‬مثل‭ ‬قانون‭ ‬بناء‭ ‬الكنائس،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬تطبيقه‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬ومدى‭ ‬توافر‭ ‬سهولة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الكنائس‭ ‬الجديدة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬قد‭ ‬يختلف‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬بحسب‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬المحلية‭.‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فارقًا‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬والممارسة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬رئاسة‭ ‬الدولة؛‭ ‬فالرئيس‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬السيسي‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬المعايدة‭ ‬بالأعياد‭ ‬المسيحية،‭ ‬وخاصة‭ ‬عيد‭ ‬الميلاد‭ ‬المجيد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يوجّه‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬تؤكد‭ ‬مبدأ‭ ‬المواطنة‭ ‬والشراكة‭ ‬الوطنية‭.‬

وهذا‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬فترات‭ ‬سابقة،‭ ‬مثل‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬أنور‭ ‬السادات،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬يُستخدم‭ ‬خطاب‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬رئيس‭ ‬مسلم‭ ‬لدولة‭ ‬إسلامية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فُسّر‭ ‬آنذاك‭ ‬لدى‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬إقصاء‭ ‬ضمني،‭ ‬وكأن‭ ‬فئات‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الوطن‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬الإيجابي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين،‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬مظاهر‭ ‬التعصب‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬قبول‭ ‬الآخر‭ ‬لدى‭ ‬مستويات‭ ‬أدنى،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬أو‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬استمرار‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬المواطنة‭ ‬وقبول‭ ‬التنوع‭.‬

نتمنى‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬الإيجابية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬القيادات‭ ‬العليا‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬المستويات،‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬ممارسة‭ ‬طبيعية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬فلا‭ ‬يُطرح‭ ‬أصلًا‭ ‬سؤال‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬هل‭ ‬نُهنئ‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬نُهنئ؟‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬رأس‭ ‬الدولة‭ ‬نفسه‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬والتهنئة‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬نحن‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع،‭ ‬نواجه‭ ‬نفس‭ ‬تحدياته،‭ ‬وما‭ ‬يؤثر‭ ‬عليه‭ ‬ينعكس‭ ‬علينا‭ ‬كما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬أبنائه‭.‬

س‭ -‬هل‭ ‬يقوم‭ ‬الإعلام‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬هذه‭ ‬الانتهاكات،‭ ‬أم‭ ‬يتم‭ ‬التعتيم‭ ‬عليها،‭ ‬أم‭ ‬يتم‭ ‬تضخيمها‭ ‬بشكل‭ ‬مبالغ‭ ‬فيه؟

ج‭-‬ في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭ ‬يمكن‭ ‬تصنيف‭ ‬الإعلام‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نوع‭.‬

هناك‭ ‬أولًا‭: ‬الإعلام‭ ‬الرسمي،‭ ‬وهو‭ ‬إعلام‭ ‬موجَّه‭ ‬بطبيعته‭ ‬ويعمل‭ ‬وفق‭ ‬سياسات‭ ‬وضوابط‭ ‬محددة‭. ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬الإعلام‭ ‬الخاص،‭ ‬مثل‭ ‬القنوات‭ ‬الفضائية‭ ‬الخاصة‭ ‬أو‭ ‬الصحف‭ ‬غير‭ ‬القومية،‭ ‬وهو‭ ‬إعلام‭ ‬يتمتع‭ ‬بمساحة‭ ‬أوسع‭ ‬نسبيًا‭ ‬من‭ ‬الحرية،‭ ‬لكنها‭ ‬تظل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالإطار‭ ‬المسموح‭ ‬به‭.‬

أما‭ ‬النوع‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬وانتشارًا‭ ‬حاليًا‭ ‬فهو‭ ‬إعلام‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬للتعبير‭ ‬وقدرة‭ ‬أسرع‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬القضايا‭ ‬وكشف‭ ‬بعض‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يتناولها‭ ‬الإعلام‭ ‬التقليدي‭. ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬إيجابيات،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يشهد‭ ‬أحيانًا‭ ‬مبالغة‭ ‬أو‭ ‬افتقارًا‭ ‬للدقة‭.‬

وتختلف‭ ‬طبيعة‭ ‬التناول‭ ‬الإعلامي‭ ‬أيضًا‭ ‬باختلاف‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬المشهد؛‭ ‬فهناك‭ ‬شخصيات‭ ‬تمتلك‭ ‬الجرأة‭ ‬والاستعداد‭ ‬للحديث‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬حساسة،‭ ‬بينما‭ ‬يفضّل‭ ‬آخرون‭ ‬التحفّظ،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬بدوره‭ ‬على‭ ‬مضمون‭ ‬الرسالة‭ ‬الإعلامية‭ ‬وطريقة‭ ‬طرحها‭.‬

س‭-‬ كيف‭ ‬نوازن‭ ‬بين‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحقوق‭ ‬وعدم‭ ‬الإضرار‭ ‬بالوحدة‭ ‬الوطنية؟

ج‭ -‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬أي‭ ‬تعارض‭ ‬بين‭ ‬المطالبة‭ ‬بالحقوق‭ ‬والوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬تمامًا؛‭ ‬فالوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬الحقيقية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬المواطنة‭ ‬الكاملة،‭ ‬حيث‭ ‬يتمتع‭ ‬جميع‭ ‬المواطنين‭ ‬بالحقوق‭ ‬نفسها‭ ‬ويلتزمون‭ ‬بالواجبات‭ ‬نفسها‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭. ‬إن‭ ‬وجود‭ ‬فئة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬تُحرم‭ ‬من‭ ‬حقوقها‭ ‬بسبب‭ ‬ديانتها‭ ‬يُعد‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬تهديدًا‭ ‬للوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وليس‭ ‬المطالبة‭ ‬بتلك‭ ‬الحقوق‭. ‬فالصمت‭ ‬عن‭ ‬الظلم‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬سلامًا‭ ‬مجتمعيًا،‭ ‬بل‭ ‬يرسخ‭ ‬شعورًا‭ ‬بالغبن‭ ‬والانقسام‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬سلام‭ ‬حقيقي‭ ‬أو‭ ‬استقرار‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭ ‬دون‭ ‬عدل،‭ ‬لأن‭ ‬السلام‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬تجاهل‭ ‬العدالة‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬مظهر‭ ‬خارجي‭ ‬هش‭ ‬مثل‭ ‬القشرة‭ ‬الخارجية‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تنهار‭.‬

س‭-‬ هل‭ ‬يمكن‭ ‬لنيافتكم‭ ‬أن‭ ‬تُعرّفونا‭ ‬بمؤسسة‭ ‬سانتا‭ ‬فيرينا‭ ‬الخيرية،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬أبرز‭ ‬أنشطتها،‭ ‬ومسؤولياتها،‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الكنيسة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬والتنموي‭ ‬داخل‭ ‬وخارج‭ ‬دول‭ ‬المهجر‭ ‬وخصوصاً‭ ‬مصر؟

ج‭ -‬أُسست‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬بهدف‭ ‬تنظيم‭ ‬وتفعيل‭ ‬رغبة‭ ‬أبناء‭ ‬الكنيسة‭ ‬القبطية‭ ‬في‭ ‬المهجر،‭ ‬خاصةً‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بوجهٍ‭ ‬عام،‭ ‬وإيبارشية‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬بوجهٍ‭ ‬خاص،‭ ‬في‭ ‬مساعدة‭ ‬إخوتهم‭ ‬في‭ ‬مصر‭. ‬وتنوّعت‭ ‬أوجه‭ ‬الدعم‭ ‬بين‭ ‬مساندة‭ ‬أسر‭ ‬محتاجة،‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬تخدم‭ ‬الكنيسة‭ ‬وتلبّي‭ ‬احتياجاتها‭.‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬امتد‭ ‬نطاق‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬ليشمل‭ ‬دولًا‭ ‬أخرى‭ ‬خارج‭ ‬مصر،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬بعيدة‭ ‬مثل‭ ‬بوليفيا‭ ‬والفلبين‭ ‬وزامبيا،‭ ‬حيث‭ ‬يتواجد‭ ‬حضور‭ ‬للكنيسة‭ ‬القبطية‭. ‬وجاء‭ ‬دور‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬ليمنح‭ ‬أبناء‭ ‬الكنيسة‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬فرصة‭ ‬منظمة‭ ‬وواضحة‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العطاء،‭ ‬استجابةً‭ ‬لرغبتهم‭ ‬الصادقة‭ ‬في‭ ‬مساندة‭ ‬إخوتهم،‭ ‬بحيث‭ ‬يقوم‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬على‭ ‬مبادرة‭ ‬ومحبة‭ ‬أبناء‭ ‬الكنيسة‭ ‬أنفسهم‭.‬

سادساً‭: ‬الرؤية‭ ‬المستقبلية‭ ‬والرسائل‭ ‬الروحية‭:‬

س‭-‬ ما‭ ‬أولوياتكم‭ ‬للمرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الإيبارشية؟

ج‭ -‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬نعمل‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬مبدأ‭ ‬تكثيف‭ ‬الرعاية‭ ‬وتنوّعها،‭ ‬بحيث‭ ‬تشمل‭ ‬كل‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الرعوية‭ ‬لشعبنا،‭ ‬مع‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬مجالات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الخدمة‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬الاهتمام‭ ‬بأعضاء‭ ‬الكنيسة‭ ‬الناطقين‭ ‬باللغة‭ ‬الإسبانية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعداد‭ ‬خدمات‭ ‬رعوية‭ ‬ولتورجية‭ ‬بلغات‭ ‬متعددة،‭ ‬تشمل‭ ‬العربية‭ ‬والإنجليزية‭ ‬والإسبانية،‭ ‬استجابةً‭ ‬للواقع‭ ‬اللغوي‭ ‬والثقافي‭ ‬المتنوع‭ ‬لأبنائنا‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬نولي‭ ‬اهتمامًا‭ ‬خاصًا‭ ‬باحتياجات‭ ‬شعبنا‭ ‬الرعوية،‭ ‬ونعمل‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬آلية‭ ‬واضحة‭ ‬ومنضبطة‭ ‬للاستجابة‭ ‬لهذه‭ ‬الاحتياجات،‭ ‬دون‭ ‬إخلال‭ ‬بالمبادئ‭ ‬الرعوية‭ ‬أو‭ ‬خروج‭ ‬عن‭ ‬ثوابت‭ ‬الكنيسة‭. ‬فكنيستنا،‭ ‬وهي‭ ‬كنيسة‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬إيمانها،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬كنيسة‭ ‬رعوية‭ ‬تشعر‭ ‬بالإنسان‭ ‬وتتعامل‭ ‬مع‭ ‬واقعه‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬احتياج‭ ‬رعوي‭ ‬يتم‭ ‬دراسته‭ ‬بعناية،‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬احتياجًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬يمس‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬الروحية‭ ‬والإنسانية،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬رغبة‭ ‬عابرة‭. ‬ثم‭ ‬نبحث‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬جذور‭ ‬أو‭ ‬نماذج‭ ‬في‭ ‬الكنيسة‭ ‬الأولى،‭ ‬لنستلهم‭ ‬من‭ ‬خبرتها‭ ‬التاريخية‭ ‬حلولًا‭ ‬واجهت‭ ‬أوضاعًا‭ ‬مشابهة‭.‬

فاللغة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬كانت‭ ‬دائمًا‭ ‬أداة‭ ‬رعوية‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬الكنيسة،‭ ‬استخدمتها‭ ‬بحسب‭ ‬احتياج‭ ‬الشعب؛‭ ‬فخدمت‭ ‬باليونانية،‭ ‬ثم‭ ‬القبطية،‭ ‬ثم‭ ‬العربية‭ ‬وغيرها،‭ ‬بحسب‭ ‬المرحلة‭ ‬والبيئة‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬نستمد‭ ‬من‭ ‬تقليد‭ ‬الكنيسة‭ ‬الحي‭ ‬مرجعيةً‭ ‬نتحرك‭ ‬على‭ ‬أساسها،‭ ‬لنقدّم‭ ‬حلولًا‭ ‬رعوية‭ ‬أمينة‭ ‬للإيمان،‭ ‬ومتفاعلة‭ ‬مع‭ ‬احتياجات‭ ‬الواقع‭ ‬المعاصر‭.‬

س‭-‬ ما‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬تحبون‭ ‬توجيهها‭ ‬للعائلات‭ ‬القبطية‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬اليوم؟

ج‭ -‬التمسّك‭ ‬بالإيمان‭ ‬الأرثوذكسي‭ ‬والارتباط‭ ‬بشخص‭ ‬ربنا‭ ‬يسوع‭ ‬المسيح‭ ‬هو‭ ‬مصدر‭ ‬القوة‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬كل‭ ‬التحديات‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الالتصاق‭ ‬بالكنيسة‭ ‬أمر‭ ‬أساسي،‭ ‬لأنها‭ ‬المكان‭ ‬الآمن‭ ‬الذي‭ ‬يدعم‭ ‬الأسرة‭ ‬ويساعدها‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬والإثمار‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بنا‭ ‬من‭ ‬صعوبات،‭ ‬تظل‭ ‬النظرة‭ ‬المتفائلة‭ ‬للمستقبل‭ ‬ضرورية،‭ ‬إيمانًا‭ ‬بأن‭ ‬الله‭ ‬هو‭ ‬أمس‭ ‬واليوم‭ ‬وإلى‭ ‬الأبد،‭ ‬وحيثما‭ ‬تكثر‭ ‬الخطية‭ ‬تكثر‭ ‬النعمة‭.‬

س‭-‬ ما‭ ‬هي‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الشباب‭ ‬القبطي‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬اليوم،‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬للكنيسة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قريبة‭ ‬منهم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬رسالتها‭ ‬الأصيلة؟‭ ‬

ج‭ -‬الشباب‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬ينقسمون‭ ‬إلى‭ ‬فئتين‭: ‬فئة‭ ‬جاءت‭ ‬حديثًا‭ ‬من‭ ‬مصر،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬يواجهون‭ ‬مجتمعًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬بثقافته‭ ‬وقيمه،‭ ‬وعليهم‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬واعين‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتأثروا‭ ‬به‭ ‬تأثيرًا‭ ‬سلبيًا،‭ ‬بل‭ ‬يستفيدوا‭ ‬من‭ ‬إيجابياته‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقدوا‭ ‬هويتهم‭ ‬أو‭ ‬ثوابتهم‭.‬

وفئة‭ ‬أخرى‭ ‬نشأت‭ ‬هنا‭ ‬منذ‭ ‬الصغر،‭ ‬وهذا‭ ‬الشباب‭ ‬يحتاج‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬بدون‭ ‬الله‭ ‬هي‭ ‬حياة‭ ‬تعيسه‭ ‬وفارغة،‭ ‬وأن‭ ‬السعادة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬حقيقية‭ ‬مع‭ ‬الله‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يفهموا‭ ‬أن‭ ‬وصايا‭ ‬الله‭ ‬لم‭ ‬تُعطَ‭ ‬لتقييد‭ ‬الإنسان‭ ‬أو‭ ‬سلب‭ ‬حريته،‭ ‬بل‭ ‬وُضعت‭ ‬لصالحه‭ ‬وحمايته‭.‬

ومن‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يحب‭ ‬الشباب‭ ‬كنيستهم،‭ ‬وأن‭ ‬يدركوا‭ ‬أنهم‭ ‬قادة‭ ‬المستقبل،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الكنيسة‭ ‬هي‭ ‬كنيستهم‭ ‬هم،‭ ‬وليست‭ ‬فقط‭ ‬كنيسة‭ ‬آبائهم‭.‬

س‭-‬ كيف‭ ‬تشجّع‭ ‬الكنيسة‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬والخدمة،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتعدد‭ ‬فيه‭ ‬مصادر‭ ‬التأثير‭ ‬الثقافي‭ ‬والفكري؟

ج‭-‬ دائمًا‭ ‬ما‭ ‬تُواجَه‭ ‬السلبيات‭ ‬بالإيجابيات،‭ ‬فالشكوى‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭. ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نرصد‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الحقيقية،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬فكرية‭ ‬أو‭ ‬روحية،‭ ‬وأن‭ ‬نبحث‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬مساعدة‭ ‬الإنسان‭ ‬والمجتمع‭. ‬فالمجتمع‭ ‬في‭ ‬احتياج‭ ‬إلى‭ ‬صوت‭ ‬يشهد‭ ‬للحق‭.‬

ويقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الشباب،‭ ‬الذين‭ ‬نشأوا‭ ‬هنا‭ ‬ويفهمون‭ ‬طبيعة‭ ‬المجتمع‭ ‬ويتقنون‭ ‬لغته‭ ‬ويستوعبون‭ ‬عقلياته،‭ ‬مسؤولية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬صوت‭ ‬الحق،‭ ‬صوت‭ ‬الضمير،‭ ‬صوت‭ ‬الإنجيل،‭ ‬وصوت‭ ‬الكنيسة‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يعيشون‭ ‬فيه‭.‬

لكن‭ ‬الشهادة‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بالكلام‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بالحياة‭ ‬ذاتها؛‭ ‬فالمجتمع‭ ‬هنا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬نماذج‭ ‬حية‭: ‬يحتاج‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬الشاب‭ ‬الطاهر،‭ ‬والإنسان‭ ‬النقي،‭ ‬وصاحب‭ ‬الإيمان‭ ‬القوي‭ ‬وهو‭ ‬يواجه‭ ‬التحديات،‭ ‬والشجاع‭ ‬في‭ ‬إعلان‭ ‬إيمانه،‭ ‬والأسرة‭ ‬المتماسكة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬القيم‭ ‬الحقيقية‭.‬

وأعظم‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقدمه‭ ‬للمجتمع‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نقدم‭ ‬له‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬الحية‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬للحق‭ ‬بالفعل‭ ‬قبل‭ ‬القول‭.‬

س‭ -‬نيافة‭ ‬المطران‭ ‬الأنبا‭ ‬سرابيون،‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬تحرص‭ ‬الكنيسة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المهجر‭ ‬وبالاخص‭ ‬أمريكا‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬مشروعات‭ ‬مستدامة‭ ‬مثل‭ ‬المدارس‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية،‭ ‬وكذلك‭ ‬المنصات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬كوسيلة‭ ‬لحماية‭ ‬الهوية‭ ‬الإيمانية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬ارتباط‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬بالكنيسة‭ ‬والمجتمع؟

ج‭-‬ نحن‭ ‬نولي‭ ‬اهتمامًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بملف‭ ‬التعليم،‭ ‬لأن‭ ‬الاحتياج‭ ‬إلى‭ ‬المدارس‭ ‬أصبح‭ ‬شديدًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التغيرات‭ ‬المتسارعة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬المدرسي،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬القوانين‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬في‭ ‬ولايات‭ ‬مثل‭ ‬كاليفورنيا‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬ظهرت‭ ‬فكرة‭ ‬التعليم‭ ‬المنزلي‭ (‬Home Schooling‭)‬،‭ ‬وبدأنا‭ ‬بالفعل‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬مدارس،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يتطلب‭ ‬جهدًا‭ ‬جماعيًا‭ ‬وتوعية‭ ‬مجتمعية،‭ ‬لأن‭ ‬أبناء‭ ‬الكنيسة‭ ‬يدركون‭ ‬بسهولة‭ ‬أهمية‭ ‬تأسيس‭ ‬كنيسة،‭ ‬بينما‭ ‬يحتاج‭ ‬تأسيس‭ ‬مدرسة‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬أعمق‭ ‬بدورها‭ ‬الحيوي‭ ‬وإلى‭ ‬مشاركة‭ ‬فعلية‭ ‬في‭ ‬دعمها‭ ‬واستمرارها‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬لدينا‭ ‬مدرسة‭ ‬لاهوتية،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬كنسية‭ ‬متعددة،‭ ‬كما‭ ‬تقوم‭ ‬الأديرة‭ ‬بدور‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬فرص‭ ‬للخلوة‭ ‬الروحية،‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬من‭ ‬يشعرون‭ ‬بالدعوة‭ ‬الرهبانية‭. ‬كذلك‭ ‬تؤسس‭ ‬بعض‭ ‬الكنائس‭ ‬مراكز‭ ‬للأنشطة‭ ‬المختلفة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الملاعب،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الكنيسة‭ ‬مكانًا‭ ‬متكاملًا‭:‬‭ ‬نصلي‭ ‬فيه،‭ ‬ونتعلم‭ ‬فيه،‭ ‬ونقضي‭ ‬وقتًا‭ ‬صحيًا،‭ ‬ونتواصل‭ ‬فيه‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭.‬

هذا‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬المؤتمرات‭ ‬الروحية‭ ‬والخدمية،‭ ‬ووجود‭ ‬مراكز‭ ‬متخصصة‭ ‬مثل‭ ‬مركز‭ ‬المؤتمرات‭ ‬في‭ ‬بيج‭ ‬بير،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭. ‬وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يحرك‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬هو‭ ‬الرعاية‭ ‬والعناية‭ ‬بالإنسان‭ ‬والاستجابة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لاحتياجاته‭ ‬الروحية،‭ ‬والتعليمية،‭ ‬والاجتماعية‭.‬

س‭-‬ ما‭ ‬النصيحة‭ ‬التي‭ ‬توجهونها‭ ‬للإعلام‭ ‬القبطي‭ ‬والعربي‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬ليكون‭ ‬شريكاً‭ ‬إيجابياً‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الكنيسة‭ ‬والمجتمع‭ ‬ككل؟

ج‭-‬ الإعلام‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬وأهميه‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬احتياجات‭ ‬المجتمع‭ ‬وتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬عليها،‭ ‬بل‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬حلول‭ ‬واقعية‭ ‬لها،‭ ‬لأنه‭ ‬يُعد‭ ‬النافذة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬يتعرف‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬مجتمعه‭ ‬وتحدياته‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬الدائمة‭ ‬إلى‭ ‬إعلام‭ ‬يتحلى‭ ‬بالصدق‭ ‬والحيادية،‭ ‬يكون‭ ‬هدفه‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة‭ ‬وخدمة‭ ‬الصالح‭ ‬العام،‭ ‬لا‭ ‬توجيه‭ ‬الرأي‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬مصالح‭ ‬ضيقة‭.‬

ونصلي‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬الله‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الإعلامي،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬العربي‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬العربي،‭ ‬الحكمة‭ ‬والأمانة‭ ‬ليقوموا‭ ‬بدورهم‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬والمعرفة‭ ‬وبناء‭ ‬الوعي‭.‬

س‭ -‬وفي‭ ‬ختام‭ ‬هذا‭ ‬الحوار،‭ ‬ما‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬يود‭ ‬نيافتكم‭ ‬توجيهها‭ ‬لأبناء‭ ‬الإيبارشية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬المباركة؟

ج‭ -‬نحن‭ ‬نشكر‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬عمله‭ ‬معنا،‭ ‬ونتطلع‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ‬بإيمان‭ ‬وثقة‭ ‬في‭ ‬إلهنا،‭ ‬صاحب‭ ‬الكنيسة،‭ ‬الذي‭ ‬وعد‭ ‬أن‭ ‬أبواب‭ ‬الجحيم‭ ‬لن‭ ‬تقوى‭ ‬عليها‭. ‬ونتطلع‭ ‬أيضًا‭ ‬بفرح‭ ‬لأن‭ ‬الرجاء‭ ‬يعطى‭ ‬فرح‭ ‬للإنسان،‭ ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬هو‭ ‬واهب‭ ‬الفرح‭ ‬لكل‭ ‬إنسان‭.‬

نحن‭ ‬في‭ ‬احتياج‭ ‬بعضنا‭ ‬إلى‭ ‬بعض،‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نتعاون‭ ‬معًا،‭ ‬مدركين‭ ‬دائمًا‭ ‬أن‭ ‬الكنيسة‭ ‬هي‭ ‬نحن؛‭ ‬فكل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬هو‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬الكنيسة،‭ ‬وعضو‭ ‬مهم‭ ‬له‭ ‬دوره،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬الأدوار‭. ‬فلكل‭ ‬عضو‭ ‬أهميته‭ ‬ودعوته‭ ‬داخل‭ ‬جسد‭ ‬الكنيسة‭.‬

لذلك‭ ‬نرجو‭ ‬أن‭ ‬نعمل‭ ‬معًا‭ ‬بروح‭ ‬واحدة،‭ ‬ويكون‭ ‬لنا‭ ‬هدف‭ ‬واحد،‭ ‬ونحن‭ ‬واثقون‭ ‬في‭ ‬إله‭ ‬كنيستنا،‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬لأجل‭ ‬خلاص‭ ‬نفوسنا‭.‬

س‭-‬ بعد‭ ‬مرور‭ ‬تسع‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬انطلاق‭ ‬صحيفة‭ ‬كاريزما‭ ‬وتوجّهها‭ ‬إلى‭ ‬القارئ‭ ‬المصري‭ ‬والعربي،‭ ‬واستمرار‭ ‬صدورها‭ ‬بانتظام‭ ‬مع‭ ‬مطلع‭ ‬كل‭ ‬شهر،‭ ‬ما‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬تودّون‭ ‬توجيهها‭ ‬إلى‭ ‬إدارتها‭ ‬وقرّائها،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سياساتها‭ ‬المنفتحة‭ ‬التي‭ ‬تخاطب‭ ‬جميع‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية‭ ‬وتخدم‭ ‬مختلف‭ ‬الطوائف‭ ‬والديانات،‭ ‬باعتبارها‭ ‬منبراً‭ ‬تثقيفياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬يعكس‭ ‬قضايا‭ ‬وهموم‭ ‬المهاجر‭ ‬المصري‭ ‬والعربي،‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬الشخصيات‭ ‬الناجحة‭ ‬وتجاربهم‭ ‬كنماذج‭ ‬يُحتذى‭ ‬بها؟

ج‭- ‬أتمنى‭ ‬لكم‭ ‬كل‭ ‬النجاح‭ ‬والتوفيق‭…‬ تلعب‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬وفاعلًا‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬نعيش‭ ‬فيها،‭ ‬إذ‭ ‬تتمتع‭ ‬بحضور‭ ‬مؤثر‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬وجود‭ ‬وسيلة‭ ‬إعلامية‭ ‬مثل‭ ‬صحيفة‭ ‬كاريزما‭ ‬تجمع‭ ‬هذه‭ ‬الجاليات،‭ ‬وتربط‭ ‬بينها،‭ ‬وتعبر‭ ‬عن‭ ‬اهتماماتها‭ ‬وقضاياها‭ ‬المشتركة‭. ‬فالمهاجر‭ ‬العربي،‭ ‬بحكم‭ ‬خلفيته‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬لديه‭ ‬احتياجات‭ ‬وهموم‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬تتخطى‭ ‬الانتماء‭ ‬الديني‭ ‬ذاته‭.‬

لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬منصة‭ ‬إعلامية‭ ‬تُشكّل‭ ‬رابطًا‭ ‬جامعًا‭ ‬بين‭ ‬المهاجرين‭ ‬العرب،‭ ‬أو‭ ‬ذوي‭ ‬الأصول‭ ‬العربية،‭ ‬أو‭ ‬القادمين‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الناطقين‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬يُعد‭ ‬أمرًا‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية،‭ ‬ويستحق‭ ‬كل‭ ‬دعم‭ ‬وتشجيع‭. ‬ونتمنى‭ ‬لكم‭ ‬دوام‭ ‬النجاح‭ ‬والتوفيق‭ ‬في‭ ‬القيام‭ ‬بهذا‭ ‬الدور‭ ‬الحيوي‭ ‬والمؤثر‭.‬

في‭ ‬ختام‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء،‭ ‬ومع‭ ‬اكتمال‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬الأسقفية،‭ ‬نقف‭ ‬بخشوع‭ ‬أمام‭ ‬مسيرة‭ ‬رعوية‭ ‬باركها‭ ‬الله،‭ ‬تجلّت‭ ‬فيها‭ ‬أمانة‭ ‬الدعوة،‭ ‬وصدق‭ ‬الشهادة،‭ ‬وثبات‭ ‬الخدمة‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬نيافة‭ ‬الأنبا‭ ‬سرابيون‭ ‬راعياً‭ ‬بحسب‭ ‬قلب‭ ‬الله،‭ ‬حمل‭ ‬الصليب‭ ‬بمحبة،‭ ‬وخدم‭ ‬الكلمة‭ ‬باتضاع،‭ ‬وجمع‭ ‬بين‭ ‬نور‭ ‬العلم‭ ‬وعمق‭ ‬الإيمان،‭ ‬فصار‭ ‬حضوره‭ ‬بركة،‭ ‬وتعليمه‭ ‬بناء،‭ ‬وخدمته‭ ‬امتدادًا‭ ‬لعمل‭ ‬الروح‭ ‬القدس‭ ‬في‭ ‬كنيسة‭ ‬المهجر‭.‬

ثلاثون‭ ‬عامًا‭ ‬كُتبت‭ ‬بالصلاة،‭ ‬وسُقيت‭ ‬بالتعب،‭ ‬وأثمرت‭ ‬رعايةً‭ ‬حانية‭ ‬وبنيانًا‭ ‬روحيًا‭ ‬هادئًا،‭ ‬سيبقى‭ ‬شاهدًا‭ ‬حيًا‭ ‬أمام‭ ‬الأجيال‭ ‬على‭ ‬خدمةٍ‭ ‬أمينةٍ‭ ‬لا‭ ‬تزول‭.‬

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى