يُعد نيافة الحبر الجليل الانبا سرابيون أحد أبرز أعمدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في المهجر بالولايات المتحدة الأمريكية، ورمزًا روحيًا وإنسانيًا يترك أثرًا عميقًا في حياة أجيال متعاقبة من أبناء الكنيسة داخل الولايات المتحدة وخارجها. وُلد نيافته في محافظة أسيوط بصعيد مصر، ونشأ في أسرة قبطية متدينة غرست فيه منذ الطفولة قيم الإيمان، والانضباط، وحب الخدمة. نشأ وسط عائلة مترابطة، وكان لتنشئته الأسرية، وعلاقته الوثيقة بإخوته، دورٌ أساسي في تكوين شخصيته المتزنة، التي جمعت بين الحزم الأبوي والاحتواء الإنساني، وهو ما انعكس لاحقًا على أسلوبه الرعوي القريب من القلوب. على الصعيد العلمي، التحق نيافته بكلية الطب جامعة أسيوط، حيث تخرج عام 1975 حاصلًا على بكالوريوس الطب والجراحة. ولم يكن تفوقه العلمي منفصلًا عن عمقه الروحي، إذ مارس مهنة الطب لعدة سنوات، واضعًا علمه في خدمة الإنسان، قبل أن يسمع نداء الرهبنة الذي شكّل نقطة التحول الكبرى في مسيرته. قادته هذه الدعوة إلى دير القديس الأنبا بيشوي بوادي النطرون، حيث ترهَّب في 6 أغسطس 1979 ، ثم رُسم كاهنًا عام 1981،وكلفة قداسة البابا شنودة الثالث بالخدمة في سويسرا عام ١٩٨٣لتبدأ مرحلة جديدة من العطاء الكنسي والخدمة الروحية. وفي ٢ يونية ١٩٨٥ قام قداسة البابا شنودة الثالث بسيامتة اسقفا عاما للخدمات. العامة والاجتماعية والمسكونية. ومع اتساع رقعة الكنيسة القبطية في المهجر، أسندت إليه مهام رعوية وخدمية متعددة، أهلته ليكون أحد الوجوه البارزة في تمثيل الكنيسة قبطيًا ومسكونيًا. وفي 23 ديسمبر 1995، جرى تجليس نيافته أسقفًا على إيبارشية لوس أنجلوس وجنوب كاليفورنيا وهاواي، وذلك في كنيسة السيدة العذراء مريم القبطية الأرثوذكسية بلوس أنجلوس – كاليفورنيا، ليصبح أول راعٍ لهذه الإيبارشية الوليدة آنذاك، واضعًا أسسها الروحية والإدارية، ومساهمًا في نموها واتساع خدمتها عبر عشرات الكنائس والمؤسسات. وفي 28 فبراير عام 2016، رُقي نيافته إلى رتبة مطران، تقديرًا لمسيرته الطويلة والمثمرة في الخدمة، ولما قدّمه من نموذج متزن يجمع بين الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي الأصيل والانفتاح الواعي على المجتمع الأمريكي. يأتي هذا الحوار الخاص بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على تجليس نيافة الحبر الجليل الأنبا سرابيون على كرسي إيبارشية لوس أنجلوس وجنوب كاليفورنيا وهاواي، وهي مناسبة روحية وتاريخية تستدعي التوقف أمام مسيرة حافلة بالعطاء، والرعاية، والبناء، والعمل الدؤوب من أجل الإنسان والكنيسة. وفي هذه المناسبة المباركة، نبدأ حوارنا مع نيافتة، ونفتح فيه صفحات الذاكرة والرؤية مع راعٍ يعيش للكنيسة، ويبنى بالحب، ويقود بالحكمة، وما زال شاهدًا حيًا على خدمة تمتد عبر ثلاثة عقود من الإيمان والعمل. أولاً: النشأة والدعوة: س -نيافة الأنبا سرابيون، كيف أثّرت نشأتكم في صعيد مصر داخل أسرة قبطية متدينة على تكوين شخصيتكم الروحية والإنسانية؟ وكم عدد إخوتكم بالجسد؟ ج- نشأتُ في أسرةٍ متدينة؛ كان والدي طبيبًا، بينما تفرغت والدتي لتربيتنا والاهتمام بشؤون الأسرة. نحن سبعة أبناء: ستة أولاد وأخت واحدة، وكنتُ أنا الثالث بين إخوتي. حرصت الأسرة منذ الصغر على تنشئتنا تنشئة روحية سليمة، فكانت الكنيسة ومدارس الأحد جزءًا أساسيًا من حياتنا، خاصة بعد انتقالنا إلى أسوان حيث كان يعمل والدي هناك. وكنتُ حينها في الصف الرابع الابتدائي. ارتبطنا بخدمة مدارس الأحد في كنيسة العذراء بأسوان، وكانت لهذه الخدمة بصمة عميقة في تكويننا الروحي، إذ لم تكتفِ برعايتنا روحيا، بل وجّهتنا أيضًا إلى أهمية سرّ الاعتراف منذ سن مبكرة وبوعي روحي. ومن هنا كان اعترافي الأول على يد المتنيح القمص إرميا زكي. كان للاستقرار الأسري أثر بالغ في تكوينى الروحي، في ظل أبٍ واعٍ بدوره التربوي، وأمٍ محبة ومهتمة بأبنائها، ما وفر مناخًا روحيًا وإنسانيًا جميلًا داخل الأسرة. كما لعب افتقاد الآباء الكهنة دورًا مهمًا، لا سيما القمص بولس، الذي تميز بخدمته في كنيسة العذراء باسوان، وحرصه على الزيارة الشهرية المنتظمة للأسرة. س -درستُم الطب وتخرّجتم من جامعة أسيوط… كيف أثّرت هذه الخلفية العلمية على رؤيتكم للخدمة والرعاية، وما هو تخصّص نيافتكم في الطب آنذاك؟ ج- درستُ الطب في جامعة أسيوط، وبعد التخرّج التحقت بالعمل كطبيب امتياز، ثم قضيت عامًا في القطاع الريفي الطبي، كان جزءٌ منه في مستشفى الجرمانية بمدينة أسوان. لاحقًا، التحقت بنيابة تخصص وجراحة المسالك البولية، قبل أن أتجه في مرحلة لاحقة إلى الدير. إجمالًا، قضيت نحو ثلاث سنوات في مجال الطب، وكان لهذه التجربة أثر عميق في تكويني الإنساني والفكري. فقد نشأت في أسرة طبية؛ إذ كان والدي طبيبًا، وتميّز بإنسانيته واهتمامه الشديد بالفقراء، حيث كان كثيرًا ما يعفيهم من الرسوم، وأحيانًا كان يتحمّل تكلفة الدواء من ماله الخاص. لم يكن يتعامل مع الطب كمصدر دخل، بل كرسالة إنسانية حقيقية. أتذكر جيدًا أنه كان، حتى في أوقات راحته بين فترتي العمل الصباحية والمسائية، إذا جاءت سيدة تحمل طفلها المريض إلى المنزل، كان يخرج ويكشف عليه أمام باب البيت، رغم أنه كان بإمكانه توجية الام للحضور إلى العيادة مساءً. لكنه كان يشعر بألم الأم وقلقها على طفلها، ويتعامل مع كل حالة بضمير حيّ ومسؤولية إنسانية، وهذا كان على حساب راحته. هذه التربية جعلتني أنظر إلى الطب على أنه مهنة إنسانية قبل أي شيء آخر، يكون فيها اهتمام الطبيب بالمريض هو الأساس، وليس السعي وراء المال. كما ساعدتني دراسة الطب على اكتساب نمط تفكير قائم على الاستماع أولًا، ثم الفحص، ثم الوصول إلى التشخيص الصحيح قبل بدء العلاج. وهذا الأسلوب انعكس لاحقًا على طريقة تعاملي وطريقة تفكيري مع مشكلات الناس عمومًا؛ إذ أحرص دائمًا على الاستماع، والبحث، والتفكير بعمق للوصول إلى جوهر المشكلة ثم العلاج. فمن المعروف أن التشخيص السليم يمثّل ما يقرب من تسعين في المئة من العلاج. س- متى بدأ صوت الدعوة الرهبانية يتبلور داخلكم؟ وما اللحظة الفارقة التي حسمت قرار الرهبنة؟ ج- بدأت ملامح الفكر الرهباني تتشكل في داخلي منذ نهاية المرحلة الإعدادية، وكان ذلك نتيجة قراءتي لكتاب «قصة الكنيسة القبطية - الجزء الأول» للكاتبة والمؤرخة إيريس حبيب المصري. وهو الجزء الأول من موسوعة تاريخية توثق تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، واعجني في الكتاب بشكل خاص بسيرة القديس أثناسيوس الرسولي، بطل الإيمان الأرثوذكسي. ما شدّني في هذا الكتاب لم يكن السرد التاريخي فقط، بل العمق الإنساني والعاطفي الذي كُتبت به المؤلفة الأحداث. فقد لامس وجداني مشهد بالغ البساطة في ظاهره، لكنه عظيم في معناه، حين عبّر القديس أثناسيوس عن فخره وسعادته بسكب الماء على يدي القديس الأنبا أنطونيوس. هذا المشهد فتح أمامي باب التساؤل: من هو هذا الراهب الذي يرى فيه عقل لاهوتي جبار، وشخصية بحجم القديس أثناسيوس، بركة عظمى في خدمته؟ ازدادت دهشتي حين قرأت عن السنوات الثلاث التي قضاها القديس أثناسيوس في البرية، حيث كانت حياة الرهبان تقوم على الزهد الشديد، إذ كانوا يجتمعون عند الغروب لتناول وجبتهم الوحيدة في اليوم، في شركة روحية عميقة تتسم بالتواضع والبساطة. من هنا بدأت ألتفت إلى قيمة الرهبنة ومعناها، خاصة أنني كنت في سن صغيرة، وكان يجذبني نموذج الإنسان المفكر، صاحب العقل المتأمل والرؤية العميقة. في تلك المرحلة، كان هذا النموذج هو “البطل” الحقيقي بالنسبة لي، رغم أنني لم أكن قد اقتربت من الحياة الرهبانية عمليًا بعد. وفي المرحلة الثانوية، تعمق هذا الإحساس أكثر من خلال خدمتي في فصول مدارس الأحد، حيث حضرت برنامج إعداد الخدام في السنة الأولى الثانوي وبدأت الخدمة في السنة الثانية ثانوي. هناك دخلت بشكل أعمق إلى قلب الخدمة الكنسية والحياة الروحية، واستمرت خدمتي في سنوات الدراسة الجامعية في اسيوط. ومع التحاقي بالجامعة، أُتيحت لي فرصة زيارة دير المحرق، وكان أول دير أزوره في حياتي. ثم في عام 1975، ومع مجيء نيافة الأنبا هدرا، أسقف أسوان آنذاك، بدأت أسترشد به كأب راهب، وهو الذي وجّهني لاحقًا إلى نيافة الأنبا صرابامون، أسقف دير الأنبا بيشوي في ذلك الوقت. فقد كنت مؤمنًا بأن الرهبنة في جوهرها ليست مكانًا بقدر ما هي أبوة روحية، وأن الإنسان يبحث أولًا عن الأب الذي يقوده ويعلّمه قبل أن يبحث عن الدير نفسه. من هذا المنطلق، كان توجهي إلى دير الأنبا بيشوي قائمًا أساسًا على التتلمذ على يد نيافة الأنبا صرابامون. وقد نما هذا الفكر داخلي وترسخ، مع اقتناع كامل بأن الخطوة لا بد أن تأتي بعد إنهاء دراستي الجامعية. لكن مع نهاية آخر امتحان لي في الجامعة، وكان امتحان مادة طب الأطفال (تحريري ثم شفوي)،حدث بانتقال والدي المفاجئ. حينها وجدت نفسي أمام مسؤولية لا يمكن تجاهلها، فكان لزامًا عليّ البقاء إلى جوار الأسرة وتحمل العبء، خاصة أن أخي الأكبر كان يعمل في القاهرة، وأختي الكبرى كانت متزوجة، بينما كان إخوتي الأصغر ما زالوا في مراحل التعليم. ظللت إلى جانب الأسرة حتى تخرج إخوتي الأصغر مني، وعندها فقط، وبعد أن اطمأن قلبي على استقرارهم، استطعت أن أحقق الدعوة التي حملتها داخلي لسنوات، وأتوجه أخيرًا إلى الدير. ثانياً :الرهبنة والخدمة الكنسية: س -ماذا تمثل لكم سنوات الرهبنة في دير القديس الأنبا بيشوي، وكيف أسهمت في إعدادكم للخدمة الأسقفية؟ ج -كانت سنوات الدير سنوات حقيقية للنمو والامتلاء الروحي؛ سنوات تعرّفت فيها بعمق على حياة التسبيح والألحان، وعلى روح التلمذة، خاصة من خلال التتلمذ على يد الأنبا صرابامون. لكن حدث أمر كان له أثر بالغ في مسيرتي، إذ تم استدعائي بسبب ظرف صحي يخص قداسة البابا شنودةالثالث، ومن هنا بدأت علاقة قوية ومباشرة مع قداسته. ثم جاءت فترة التحفّظ نتيجة قرارات الرئيس السادات في سبتمبر ١٩٨١، وأُغلق الدير، وهي فترة قد يراها البعض صعبة، لكنها في الحقيقة كانت بالنسبة لي فترة بركة عظيمة. عشنا خلالها في هدوء عميق داخل الدير، مع التتلمذ المباشر لقداسة البابا شنودة الثالث، الذي كان معنا في الدير طوال تلك الفترة. وفي هذه المرحلة تحديدًا تعلّمت الكثير من الموضوعات اللاهوتية، إذ كان قداسة البابا يُلقي علينا محاضرات مكثفة، تكاد تكون يومية. لذلك أعتبر أن مرحلتي الحقيقية في دراسة اللاهوت كانت في الدير؛ فلم أدرس في الكلية الإكليريكية، بل درست في ما أُسميه «كلية البابا شنودة الثالث» خلال فترة التحفّظ. وقد استمرت هذه المرحلة أربعين شهرًا، حضرتها كاملة، حتى شهر ديسمبر عام 1983، حين خرجت بعدها للخدمة في سويسرا. س -تولّيتم مهام رعوية وخدمية قبل مجيئكم إلى المهجر، كيف تقيّمون تلك المرحلة في تشكيل خبرتكم الكنسية، وهل كانت كافيه؟ ج -كانت أول مهمة كُلِّفتُ بها هي الخدمة في سويسرا، وذلك عام 1981. وقد تمت سيامتي كاهنًا في 18 يوليو 1981 للخدمة هناك. إلا أنه في أعقاب أحداث السادات وقرارات التحفّظ، لم أتمكن من السفر، وبقيت في الدير. وبعد صدور حكم المحكمة في مارس ١٩٨٣ بإلغاء قرار اللجنة، أصبح قداسة البابا شنودة الثالث يدير شؤون الكنيسة من الدير إلى أن عاد بسلامة الله إلى مقره في يناير 1985. وخلال تلك الفترة، حرص قداسته على استمرار الخدمة، فطلب مني التوجّه إلى مكان خدمتي، وبالفعل سافرت إلى سويسرا في 23 ديسمبر 1983. وقد كانت فترة الخدمة في سويسرا فترة ثرية ومفيدة للغاية، إذ تعلّمت من خلالها كيف تبدأ الكنيسة من الصفر، وكيف تنشأ الخدمة في غياب كاهن مقيم. ففي ذلك الوقت لم يكن هناك كاهن ثابت في سويسرا، وإنما كان يأتي كاهن للزيارة فقط، بينما كان الأقباط موزعين في عدة مدن مثل زيورخ، لوزان، وجنيف. قمت خلال هذه الفترة بتأسيس خدمة في سويسرا، وهو ما منحني خبرة عملية حقيقية عن بدايات الخدمة في المهجر، وكيف تنمو الكنائس تدريجيًا. وقد ساعدتني هذه الخبرة لاحقًا بصورة كبيرة عندما توليت إيبارشية لوس أنجلوس. وفي 2 يونيو 1985، تمت سيامتي أسقفًا للخدمات العامة والاجتماعية، وهي مرحلة مهمة أخرى أثرت خبرتي الكنسية. فقد أتاحت لي هذه المسؤولية فهم احتياجات الكنيسة من الداخل، حيث كانت إسقفية الخدمات العامة تتعامل مع احتياجات كل الإيبارشيات، وتخدم الفئات الأكثر احتياجًا. كما شاركت أسقفية الخدمات في العمل مع الهيئات المسكونية من خلال مشروعات مشتركة، مما أتاح لي فرصة التعرف عن قرب على آليات العمل المؤسسي، والنظم الإدارية والمالية، وهي مجالات كانت جديدة بالنسبة لي آنذاك. ومن ضمن مسؤولياتي أيضًا كانت العلاقات المسكونية، وهو ما أتاح لي المشاركة في مجالس كنسية كبرى مثل: •مجلس الكنائس العالمي. •مجلس كنائس الشرق الأوسط. •مجلس كنائس أفريقيا. وكنت أسافر إلى سويسرا قرابة سبع مرات سنويًا لحضور المؤتمرات، إضافة إلى زيارات متعددة إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا، وكذلك إلى الولايات المتحدة وكندا. ويُضاف إلى ذلك، وهو الأهم، أن قداسة البابا شنودة الثالث بمحبته الأبوية اختارني لمرافقته في رحلاته الرعوية، بدءًا من زيارته إلى روسيا في احتفال الألفية لدخول المسيحية لروسيا، ثم في معظم رحلاته الرعوية حول العالم. وقد كنت أتولى مهام السكرتارية خلال الرحلات، رغم أنني لم أكن سكرتيرًا لقداسته في مصر. وكانت الرحلات الطويلة فرصة ثمينة، إذ كان قداسة البابا لا ينام أثناء السفر بالطائرة، بل يقرأ أو يكتب، ثم استمع من قداستة لكثير من ذكريات قداسة عن الاحداث الكنسية. كنت أطرح الأسئلة، وكان قداسته يروي لي الكثير من خبرات الكنيسة وتاريخها وأسلوب الخدمة، وهو ما شكّل مدرسة حقيقية لي في الفهم الكنسي والخدمة الرعوية. كل هذه الخبرات المتراكمة من الخدمة في سويسرا، والعمل المسكوني، ومرافقة قداسة البابا ساعدتني عندما جئت إلى المهجر، إذ أصبحت لدي رؤية واضحة عن: • كيفية تأسيس الكنائس. • طبيعة الخدمة في المهجر. • العلاقات مع الكنائس الأخرى. • العمل المؤسسي والإداري. ومع ذلك، تبقى المعايشة الفعلية في المهجر هي التي تضيف الأبعاد التفصيلية العميقة لكل ما سبق، وتمنح الخدمة خبرتها الكاملة على أرض الواقع. ثالثاً: ثلاثون عاماً على كرسي الإيبارشية: س- ما الدوافع التي جعلت قداسة البابا شنودة الثالث يتخذ قرار إنشاء إيبارشية لوس أنجلوس؟ وهل كان هذا القرار جزءًا من رؤية أشمل لمشروعات كنسية أخرى في الولايات المتحدة، مثل إنشاء مقر بابوي مثلاً، وإذا كان مطروحاً آنذاك، فلماذا لم يكتمل هذا المشروع؟ ج -في الحقيقة قداسة البابا شنودة بعد زياراته المتعددة للمهجر ونتيجة المطالبة بأساقفة فى المهجر، تم وضع تخطيط شامل لإنشاء عدة إيبارشيات في أمريكا الشمالية، إلى جانب إنشاء مقرين باباويين يكونوا تابعين لقداسة البابا في منطقتي الشرق الأمريكي -نيويورك ونيوجيرسي - وجنوب كاليفورنيا. وقد كلّفني قداسة البابا بالإشراف على إنشاء المقر البابوي في شرق أمريكا، وبالفعل عقدتُ عدة لقاءات مع الآباء الكهنة في تلك المنطقة، لا سيما في نيويورك ونيو جيرسي، وأسفر ذلك عن إنشاء المقر القائم حاليًا في سيدر جروف – نيو جيرسي. أما فيما يخص مشروع جنوب كاليفورنيا، فقد كان قد كُلِّف به أحد الآباء الأساقفة، إلا أن بعض الصعوبات حالت دون تنفيذ الرؤية بالشكل المخطط له. وعلى إثر ذلك، رأى قداسة البابا تعديل الفكرة، بحيث تتحول لوس انجلوس وجنوب كاليفورنيا إلي أن تكون إيبارشية لها اسقف ايبارشية مقيم، ومن هنا جاء سبب قصر الإيبارشية على جنوب كاليفورنيا فقط، وليس على ولاية كاليفورنيا بأكملها، إذ كان هناك في الأصل مشروع لإنشاء إيبارشية أخرى تضم شمال كاليفورنيا وولايات مثل أوريغون وواشنطن، إضافة إلى غرب كندا. وبناءً على ذلك، ونظرًا لكوني قد انتقلت من أسقفية الخدمات التي خدمتُ فيها لمدة عشر سنوات خدمة موفقة ومثمرة وكانت تحت الإشراف المباشر لقداسته، الذي كان يعرفني جيدًا ويُدرك احتياجات منطقة جنوب كاليفورنيا قرر قداسة البابا انتقالي لكي اكون اسقفا للايبارشية الجديدة الذي اضاف لها جزر هاواي. وقد عُرض الأمر على الآباء الكهنة والشعب، وبعد الحصول على التزكيات اللازمة، تمت دعوتي لأكون أسقفًا في 14 نوفمبر 1995، ثم تم تجليسي رسميًا في 23 ديسمبر 1995. س- ما أبرز التحديات التي واجهتكم في تأسيس وبناء الإيبارشية في سنواتها الأولى؟ ج- لوس أنجلوس منذ تأسيس أول كنيسة عام 1969، ضمّت بين جنباتها عددًا من الكنائس الراسخة، وخدامًا من الآباء الكهنة الذين كانوا بالفعل قامات روحية كبيرة، تم اختيارهم بعناية من القاهرة والإسكندرية، وبعض الايبارشيات مثل المتنيح القمص أنطونيوس يونان من إيبارشية المنصورة. كما ضمّت الإيبارشية آباءً نشأوا أو عاشوا في الولايات المتحدة لفترات طويلة، من بينهم المتنيح القمص أنطونيوس حنين، إلى جانب آباء من أصول أمريكية مثل أبونا بيشوى برونفيلد، كانت إيبارشية غنية بالكنائس القوية والكهنة الأفاضل، لكنها كانت تفتقد عنصرًا جوهريًا: العمل المشترك والرؤية الواحدة. لذلك أتذكر عقب تجليسي مباشرة، أجرى معي أحد صحفيي جريدة نيويورك تايمز حوارًا، بصفتي أسقفًا لإيبارشية حديثة التأسيس، وسألني: كيف ترى دورك؟ فأجبته بتشبيه بسيط لكنه معبّر: «أرى دوري مثل الخيط في السبحة. الناس ترى الحبات الجميلة، لكنها لا تنتبه للخيط الذي يجمعها. بدون هذا الخيط تبقى الحبات موجودة، لكنها غير مترابطة». ومن هنا، رأيت أن الدور الأساسي للأسقف هو الربط والتجميع: كيف يمكن لكنائس لكلٍ منها تاريخها، ولكل كاهن خبرته وخدمته، أن تعمل معاً بفكر واحد وهدف واحد، حتى وإن تنوّعت الأساليب والطرق. لذلك كان تركيزي الأول على اجتماع الكهنة، بحيث يبدأ دائمًا بقداس إلهي، لأن ما يجمعنا أولًا هو المذبح والصلاة بقلب نقي. ثم جزء تعليمي، يتبعه نقاش مفتوح وصريح حول قضايا الخدمة، نتحاور فيه بوضوح، ونتفق على ما يمكن بناؤه معًا، ثم ننقل هذه الروح إلى الشعب، فيرى الآباء إنهم يعملون في انسجام ومحبة واحدة. أما التحدي الثاني، فكان غياب مفهوم الأسقف المقيم لدى الشعب. فقد اعتاد الشعب رؤية الأسقف زائرًا: يأتي لحل مشكلة أو لمهمة محددة ثم يرحل. لذلك لم تكن صورة الأسقف الأب الحاضر معهم واضحة. ومن هنا، آمنت أن أفضل صورة للأسقف هي صورة الأب: أب يهتم بالجميع، يدعم الكهنة ويسعى لنجاحهم، ويغرس محبة الشعب لهم، ويعمل من أجل أن تنمو كل نفس في معرفة المسيح والحياة الروحية. التحدي الثالث كان اتساع رقعة جنوب كاليفورنيا وتوزّيع الشعب على مسافات بعيدة. فكان السؤال: كيف نؤسس كنائس قادرة على خدمة هذا الانتشار؟ انطلقت الرؤية من إنشاء شبكة كنائس تغطي المنطقة، بحيث لا يضطر المؤمن لقطع أكثر من عشرين دقيقة للوصول إلى كنيسة. فالجيل الأول كان مستعدًا لقطع ساعتين للوصول إلى أقرب كنيسة، لكن الأجيال التالية قد لا تحتمل ذلك، وقد تلجأ إلى أي كنيسة قريبة، أيًّا كان انتماؤها. كما راعينا حركة انتقال الشعب إلى مناطق أقل تكلفة، فبدأنا التأسيس في المناطق المتوقع نموها مستقبلًا، دون انتظار تكدس عددي كبير. أما التحدي الرابع فكان تنوع احتياجات الشعب: فهناك من عاش سنوات طويلة في المهجر، وآخرون قدموا حديثًا، وجيل نشأ هنا، وأشخاص انضموا للكنيسة من خلفيات مختلفة. هذا التنوع فرض ضرورة تنوع مواهب الكهنة، وتعدد أشكال الكنائس والخدمات، بما يلبّي الاحتياجات الروحية والاجتماعية والإنسانية لكل فئة. س -ما المحطات أو الإنجازات التي تعتزّون بها روحياً وخدمياً خلال هذه العقود الثلاثة؟ ج -أكثر شيء أعتزّ به في خدمتي هو الآباء الكهنة. أرى فيهم نعمة حقيقية من ربنا، خصوصًا مع هذا التنوع الجميل الذي نعيشه: تنوع في الأعمار، وفي مدة الكهنوت، وفي المواهب. أحيانًا يكون هناك كاهن في سنّ، وكاهن آخر في سنّ أحفاده، لا أبنائه، وهذا في حد ذاته ثراء وإثراء حقيقي للخدمة. أنا أعتبر أن خدمتي الأساسية كأسقف هي خدمة الآباء الكهنة وأسرهم. إذا اهتممتُ بالكاهن، وساندته، وأحسنتُ الاختيار بنعمة ربنا، فالكاهن بدوره يختار الخدام ويخدم الشعب، لأن خدمة أي كنيسة تعـتــمــد إلى حــــدٍّ كبير على الكاهن نفسه. لذلك أرى أن هذا الجانب هو من أهم وأخطر جوانب الخدمة. الأمر الثاني الذي أعتـزّ به كثيرًا هو جـيل الشــباب. نشكر ربنا أنه خلال الثلاثين سنة الماضية نشأ عندنا جيل تربّى داخل الكنيسة منذ طفولته. كنا في البدايات نسمع مقولة إن الشباب في أمريكا، عندما يتخرجون من الجامعة، يتخرجون أيضًا من الكنيسة. لكن الواقع أثبت العكس. أنا أفرح جدًا وأفتخر أن هذا الجيل لم يكتفِ بالبقاء في الكنيسة، بل إن كثيرين منه قبلوا طريق التكريس والخدمة، بل والكهنوت أيضًا، وهذا أمر مفرح للغاية. وطبعًا حين أتحدث عن الكاهن، لا أقصده كشخص منفرد، لأن الكاهن إن لم تكن معه زوجة شريكة لها قامة روحية ومحبة للخدمة والعطاء في الخدمة، فلن تثمر خدمته كما ينبغي. لذا اسرة الكاهن لها اهمية في نجاح خدمة الكاهن والخدمة بوجة عام. وأضيف إلى ذلك خدمة الآباء الأساقفة المساعدين الذين يعملون معي، نيافة الأنبا أبراهام ونيافة الأنبا كيرلس، والذين يمثل وجودهم إضافة قوية جدًا للخدمة، ويمنحها استمرارية وعمقًا. كما أن محبة الشعب للآباء الكهنة وللآباء الأساقفة تسعدني كثيرًا، وتسعدني أكثر لأنها تساعدني على خلاص نفسي. أنا أؤمن أن مسؤوليتي الأولى في الخدمة هي أن اهتم بخلاص نفسي. وعندما أرى كاهنًا يخدم خدمة ناجحة، أو خادمًا مثمرًا، أو أسقفًا أمينًا في خدمته، أعتبر أن هذا كله يعينني علي خلاص نفسي عندما اقف أمام الله لاقدم حسابا عن الأمانة والمسؤولية التي وُضعت بين يديّ. س -بعد مرور ثلاثين عاماً على تجليس نيافتك على كرسي إيبارشية لوس أنجلوس وجنوب كاليفورنيا وهاواي، كيف تنظرون إلى هذه الرحلة الطويلة؟ ج- أنظر إلى ما تحقق بعين الفرح والشكر لله.. وإلى هنا أعاننا الرب، وأؤمن أن كل خدمة حقيقية تبدأ من الله، وأنه بدون معونته لا يمكن أن ننجز شيئًا. البركة الثانية التي اختبرتها بعمق هي بركة الطاعة؛ فقد كنت مستريحًا في خدمة أسقفية الخدمات، وكانت الخدمة تنمو، وكنت قريبًا من قداسة البابا شنودة الثالث، وأسافر إلى أغلب دول العالم، لكن عندما دُعيت إلى هذه الخدمة لم أتردد لحظة، لا لشيء إلا لأن الطاعة يجب أن تكون أساس الخدمة.في الخدمة نحن لا نختار، لكني أشعر دائمًا أن يد الله هي التي تقود الطريق. صحيح أنى تركت خدمة أسقفية الخدمات بعد عشر سنوات، لكني شعرت ببركة خاصة في هذا الانتقال، وكأن الله يعدّني لمرحلة جديدة لها تحدياتها وثمرها. وأؤمن إيمانًا عميقًا بدور الشعب، فالشعب هو البطل الحقيقي في كل ما تحقق. شعبنا القبطي محب لكنيسته، مضحٍ من أجلها، كريم في عطائه، ويقدّم لها أغلى ما يملك: أبناءه. فعندما نربح كهنة أو خدامًا، فإننا في الحقيقة نحصد ثمرة هذا الشعب التقي وهذه العائلات القوية. لذلك أحترم الشعب كثيرًا، وأرى أنه الأساس في أي إنجاز، وبدونه لا يمكن أن نحقق شيئًا. كل مرحلة لها صعوباتها، لكن الأهم هو المثابرة وطول الأناة، مع نظرة مستقبلية واعية. في أمور الرعاية، ليست كل المشكلات تُحل بسرعة،كما علمنا قداسة البابا شنودة أنه ليس دائما الحل السريع هو الحل الأفضل. تعلمنا أن التسرع قد يضر أكثر مما ينفع، وأن هناك أمورًا تحتاج إلى طول بال وحكمة. ولذلك من نصائح المتنيح الأنبا هدرا لى وأنا قادم للتجليس عبارة لا أنساها: إن أي إيبارشية جديدة تحتاج إلى عشر سنوات على الأقل حتى تستقر وتنضج. أخذت هذه العبارة كمنهج للخدمة والحياة: ألا أستعجل، وأن أدرس الأمور جيدًا، وأن أفرّق بين الحلول قصيرة المدى والحلول طويلة المدى، حتى تأتي القرارات لمجد الله وخير الكنيسة والشعب. س -نيافة الأنبا سرابيون، ما الفرق بين الأسقف والمطران في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بشكل مبسط لغير المتخصصين أو الديانات الأخرى؟ ولماذا تم اختيار الأنبا كيرلس والأنبا إبراهام كأساقفة عموم لخدمة إيبارشية لوس أنجلوس، وما طبيعة دورهما داخل الإيبارشية؟ ج- المطران هو إسقف.. رتبة الأسقفية في الكنيسة القبطية تبدأ بالأسقف ثم يرقى إلي رتبة المطران، والأسقف هو الأساس في الخدمة. أمّا لقب المطران، ففي كنيستنا هو في الغالب لقب تقديري أكثر منه رتبة ذات مدلول عملي مختلف. تاريخياً، كانت بعض المدن الكبرى يُطلق على أسقفها مطران، لكن اليوم إذا رأى قداسة البابا ترقية أسقف إلى مطران، فإن ذلك لا يغيّر شيئًا في مسؤولياته ولا يضيف صلاحيات جديدة، إذ يظل أسقفًا يقوم بذات الدور الرعوي والإداري. لذلك فالأصل هو الأسقف، والمطرانية تكريم كنسي لا أكثر. أما عن اختيار الأنبا كيرلس والأنبا إبرهام للخدمة في لوس أنجلوس، فهو اختيار مبني على معرفة طويلة وخبرة مشتركة. تعرّفت على نيافة الأنبا إبرهام منذ فترة خدمتي كأسقف عام للخدمات في منتصف الثمانينيات سنة 1986، وخدم معي آنذاك، ثم رسم كاهنًا متبتلًا عام 2001، وخدم في لوس أنجلوس كما خدم سابقًا في أسقفية الخدمات. ونيافة الأنبا كيرلس عرفته منذ كان شابًا حديث تخرج في بداية خدمتي، ثم تكرس ورسم كاهنًا متبتلًا، وكانت لنا مسيرة خدمة مشتركة منذ وقت مبكر. ومع اتساع الإيبارشية وزيادة عدد الكنائس، رأيت ضرورة التركيز على مجالات محددة داخل الخدمة، إلى جانب الخدمة الرعوية التقليدية، فكانت فكرة إنشاء الأقسام (Departments). من بينها الدياكونية، التي تهتم بالقادمين الجدد والإدمان وهذا من إختصاص الأنبا إبرهام. أما التعليم الكنسي وتأسيس الكلية اللاهوتية كان للأنبا كيرلس دور أساسي في بدايتها ACTS - American Coptic Theological Seminary الكلية الإكليريكية القبطية الأرثوذكسية الأمريكية، ثم توسّع العمل ليشمل أقسام الإرساليات، وخدمة الشباب، والكنيسة والثقافة، بمشاركة عدد من الآباء الكهنة. إلى جانب ذلك، يقوم الأساقفة المساعدون بدور رعوي مباشر، من متابعة الكنائس داخل المناطق المكلّفين بها، والإشراف على اختيار لجان الكنائس، والقيام بزيارات دورية. ومع تقدّمي في العمر وزيادة عدد الكنائس، أصبح من الصعب أن أزور كل كنيسة أكثر من مرة في العام، فوجود أساقفة مساعدين يضمن انتظام الخدمة واستمراريتها دون أي تقصير. والحقيقة أن الشعب يشعر بثمر هذه الخدمة، خاصة أن الأساقفة المساعدين محبوبون من الشعب ويتمتعون بثقته، وهو ما يمنح الإيبارشية قدرًا كبيرًا من الطمأنينة والاستقرار. رابعًا: الكنيسة والمهجر: س -كيف ترون دور الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الحفاظ على الهوية والإيمان داخل مجتمع متعدد الثقافات مثل أمريكا؟ ج- كنيستنا هي كنيسة الإيمان؛ إيمان نعيشه ونحافظ عليه ونسلمه أمينًا لكل جيل. إيمان أرثوذكسي راسخ، تسلّمناه عبر الآباء، ونحمله اليوم بمسؤولية كاملة في واقع مختلف وتحديات متجددة. فنحن نعيش داخل مجتمع متعدد الثقافات، ونتعامل يوميًا مع لغة وثقافة وقوانين وأفكار متغيرة، وهو ما يفرض علينا أن نكون واعين ومستنيرين، لا منغلقين ولا منطرحين امام ضغوط المجتمع. من هنا تأتي أهمية فهم المجتمع الامريكي الذي نعيش فيه وفهم الثقافة الأمريكية، ليس من باب التنازل عن الهوية، بل حتى لا نبدو كجسم غريب داخل المجتمع الذي نعيش فيه. كنيستنا مدعوة أن تكون متمسكة بإيمانها الأرثوذكسي، وفي الوقت نفسه حاضرة وفاعلة كجزء حي من هذا المجتمع، تشهد للمسيح فيه، وتكون كما قال السيد المسيح ملح الأرض ونور العالم. تعدد الثقافات يفتح أمامنا آفاقًا واسعة، لكنه يضعنا أيضًا أمام أفكار كثيرة ومتباينة، وهو ما يتطلب تمييزًا روحيًا وفكريًا: كيف نغربل هذه الأفكار؟ وكيف نفهم التحديات والقوانين التي تظهر من حين لآخر؟ وكيف نواجهها؟ الإجابة تبدأ بدراسة الأساس، وفهم الجذور، وتقديم الإيمان الأرثوذكسي في صورته الواضحة النقية، كما حُفظ عبر الأجيال. التحدي الحقيقي هو: كيف تكون كنيستنا أرثوذكسية في إيمانها، ومتجذرة في المجتمع الذي تعيش فيه؟ تمامًا كما هي الكنيسة في مصر: كنيسة أرثوذكسية أصيلة، لكنها في الوقت ذاته جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع المصري. وهكذا نحن أيضًا مدعوون لأن يكون لنا جذور حقيقية في المجتمع الذي نعيش فيه، لا بأن نقبل كل ما فيه، بل بأن نؤثر فيه، ونشهد فيه، ونقدّم نموذجًا حيًا للإيمان العامل بالمحبة. س- ما رؤيتكم للتعامل مع الأجيال الجديدة من الشباب المولودين في المهجر؟ ج -نُربي أبناءنا منذ الصغر داخل الكنيسة، مع شرحٍ يُناسب أعمارهم واحتياجاتهم. واستخدام اللغة الإنجليزية يسهل عليهم فهم الإيمان والانخراط في الحياة الكنسية، خاصة مع توافر عدد كبير من الترجمات وبالأخص كتب الطقوس وهو ما ساعدهم عمليًا على المشاركة والفهم. وفي الوقت نفسه، لهذا الجيل أسئلته الطبيعية، ولذلك علينا أن نكون مستعدين للإجابة… لكن إجابات مبنية على منطقٍ سليم وأسسٍ واضحة، وبمصداقية يمكنهم الرجوع إليها والتحقق منها. كما أن الاتساق ضروري جدًا: لا يصح أن نقول شيئًا اليوم ثم نناقضه غدًا، بل يجب أن نقدم أسبابًا حقيقية ومتماسكة. وأنا أرى أن كلمة “لماذا؟” هي كلمة محورية في نجاح الكنيسة مع الأجيال الجديدة: أن تفتح الكنيسة الباب للسؤال، وأن تمتلك إجابة. ولا ينبغي أن نُفسّر السؤال على أنه قلة احترام أو عدم تقدير، لأن كنيستنا قوية وقادرة أن تقدم إجابات لكل ما يُطرح. س -كيف تستطيع الكنيسة القبطية أن تحافظ على ثوابتها الإيمانية وهويتها الروحية والتاريخية، وفي الوقت ذاته تواكب متغيرات العصر الحديث، خاصة في ظل انتشار كنائس تُقام فيها الصلوات غالبًا باللغة الإنجليزية، مع تراجع استخدام اللغة القبطية الأصيلة؟ ج -الإيمان الأرثوذكسي بطبيعته أسمى وأعلي من أي لغة أو ثقافة بعينها. صحيح أنه يُعبَّر عنه دائمًا من خلال لغة وثقافة محددتين، لكنه في جوهره إيمان الهي يمكن التعبير عنه بأي لغة وفي أي سياق ثقافي دون أن تمس ثوابته. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين ما هو إيماني ثابت، وما هو ثقافي أو تقليدي ارتبط بنا عبر الزمن. فوجود اللغة الإنجليزية، على سبيل المثال، لا يؤثر مطلقًا على ثوابت الإيمان، لأن الإيمان المسيحي غير مرتبط بلغة بعينها. وحتى اللغة القبطية نفسها لا تُعد جزءًا من ثوابت الإيمان، بل ترتبط بالطقس الكنسي. فالطقس قبطي في جذوره، ولذلك ارتبطت به اللغة القبطية والألحان القبطية الأصيلة، وهو ما يفسر حرص الكنيسة على استخدامها، حتى في الكنائس التي لا تُستخدم فيها اللغة العربية. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تعلُّم اللغة القبطية وتعلُّم الألحان بلغتها الأصلية، حفاظًا على هوية الطقس وجمالياته الروحية. ولهذا أنشأت الكنيسة معهدًا متخصصًا للألحان القبطية، بالتعاون مع نخبة من المتخصصين، يقوده شباب نشأوا في الولايات المتحدة وتلقّوا تعليمهم في هذا المجال، في تجربة تؤكد أن اللغة واللحن يمكن نقلهما بأمانة عبر الأجيال والثقافات. والجدير بالذكر أن استخدام اللغة القبطية أصبح محدودًا حتى داخل مصر نفسها، حيث تسود اللغة العربية، ومع ذلك لم يتأثر إيمان الكنيسة أو ثوابته في شيء، وهو دليل واضح على أن الإيمان الأرثوذكسي أعمق من اللغة، وأبقى من الثقافة، وقادر دائمًا على أن يعيش و يؤثر في كل زمان ومكان. خامساً: قضايا شائكة تمس الضمير الإنساني وحقوق المواطنة والأسرة: س- كيف تقيّم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التحديات المتزايدة التي تواجه سرّ الزيجة في مجتمعات المهجر، في ظل تغيّر نمط الحياة بعد الهجرة، وما الدور الرعوي والتوعوي الذي تقوم به الكنيسة في احتواء الخلافات الأسرية التي تفاقمت أو نشأت داخل المجتمع الجديد؟ ج- يواجه سرّ الزواج اليوم تحديات حقيقية داخل المجتمع الأمريكي، في ظل اهتزاز المفاهيم الأساسية حول لماذا يتزوج الإنسان؟ ومن يتزوج؟، خاصة مع انتشار أنماط مختلفة من العلاقات، سواء الزواج المدني، أو العيش المشترك دون زواج، أو العلاقات بين أشخاص من الجنس نفسه. كل هذه المتغيرات تفرض علينا مسؤولية توضيح جوهر الزواج المسيحي: أنه ترتيب إلهي بين رجل وامرأة، باركه الله منذ البدء، وأعلنه كسرّ كنسي مقدس يقوم على التزام دائم واستمرارية، وليس علاقة مؤقتة أو تعاقدًا اجتماعيًا. ويؤكد هذا المعنى ما أعلنه القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس، حين شبّه العلاقة بين الزوج والزوجة بعلاقة المسيح بالكنيسة، وهي علاقة محبة وبذل ووحدة، وكذلك بعلاقة الإنسان بنفسه. ومن هنا تبرز أهمية التركيز على المبادئ الأساسية للزواج، ليس فقط في التعليم النظري، بل في الإعداد العملي للزواج. لذلك، أصبحت برامج إعداد المقبلين على الزواج ضرورة ملحّة، سواء على المستوى الفردي أو من خلال مجموعات منظمة، بهدف مساعدة الشباب على الاختيار السليم، وبناء فهم ناضج لمسؤوليات الحياة الزوجية قبل الدخول فيها. أما الخلافات الزوجية، فهي أمر طبيعي موجود في كل المجتمعات، لكن طبيعة البيئة المحيطة تلعب دورًا كبيرًا في حدّتها. فالأسرة التي تنتقل إلى مجتمع جديد قد تتأثر بثقافته، وقد تتفاقم الخلافات نتيجة مناخ الحرية الواسع، مقارنة بما كان موجودًا في المجتمع الأصلي. من هنا تأتي أهمية الرعاية الأسرية كجزء أساسي من الخدمة الكنسية. وتقوم هذه الرعاية على دور الكهنة، بمساندة مختصين في الإرشاد والمشورة الأسرية، للمساعدة في التعامل مع المشكلات قبل تفاقمها. فخدمة الأسرة لا ينبغي أن تقتصر على لحظة الأزمة، بل تبدأ منذ التأسيس، بتكوين وعي صحي يمكّن الأسرة من مواجهة أي خلافات مستقبلية والتغلب عليها بروح المحبة والتفاهم. س- كيف توازن الكنيسة بين التزامها بالتعليم الكنسي من جهة، والواقع القانوني في دول المهجر من جهة أخرى؟ ج -في الولايات المتحدة الأمريكية يقوم النظام على الفصل الكامل بين الكنيسة والدولة، لذلك تُحكِّم المحاكم بالقانون المدني العام على جميع المواطنين دون تمييز ديني، وفي الوقت نفسه تضمن للكنائس حرية الالتزام بتعاليمها وعقائدها دون تدخل. فعلى سبيل المثال، عند حدوث خلاف بين زوجين، تختص المحكمة المدنية بإصدار حكم الطلاق وفقًا للقانون، دون الخوض في الأسباب الروحية أو الدينية، خاصة في ولاية مثل كاليفورنيا، حيث يتركّز دور المحكمة على الجوانب المدنية فقط، مثل حضانة الأطفال وتقسيم الممتلكات والالتزامات المالية. أما من الناحية الكنسية، فيختص المجلس الإكليريكي بدراسة ما إذا كان الزواج قائمًا كنسيًا من الأساس، أي هل هو زواج صحيح أم باطل، وذلك وفقًا لمعايير الكنيسة وتعاليمها لبطلان الزواج، مثل وجود علة الزنا، أو تغيير الدين. وبناءً على هذا الفصل، تتمتع الكنيسة بحرية كاملة في تطبيق تعليمها الكنسي دون الحاجة إلى الرجوع للقانون المدني. ومع ذلك، لا يمكن للكنيسة أن تصدر قرار تصريح زواج إلا بعد أن يكون الطرفان قد حصلا أولًا على الطلاق المدني، حتى لو توافرت الأسباب الكنسية لذلك. وفي المقابل، قد يحصل الشخص على طلاق مدني دون أن يكون مؤهلًا كنسيًا لتصريح الزواج. س- ما الإرشاد الذي تقدمه الكنيسة للأسر التي تجد نفسها بين أحكام مدنية وقرارات كنسية؟ ج -تؤكد الكنيسة أن أبناءها، طالما اختاروا الارتباط الكنسي، لا يمكنهم أن يعيشوا في حالة ازدواجية بين الأحكام المدنية والأحكام الكنسية. فالكنيسة تلتزم بالقضاء الكنسي، لأن الأمر هنا لا يتعلق بإجراء قانوني فقط، بل بخلاص النفوس ومسؤولية روحية أمام الله. الحكم المدني في الولايات المتحدة يتعامل مع الزواج من منظور قانوني بحت، ويُعد الطلاق فيه إجراءً سهلاً لا يناقش الأسباب أو الجوهر، بينما تنظر الكنيسة إلى الزواج كسر مقدس. ومن ثم، فكل من قبل أن يتزوج في الكنيسة، يكون قد قبل ضمنيًا أن يلتزم بشريعتها وتعاليمها. وفي سر الإكليل تُقرأ كلمات السيد المسيح من إنجيل متى، الإصحاح 19، حينما سُئل عن الطلاق فأكد أن الله «خلق الإنسان ذكرًا وأنثى»، وأن «يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته»، مشددًا على المبدأ الجوهري: «الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان». لذلك، فإن الالتزام بالزواج الكنسي يقتضي الالتزام بنظام الكنيسة المبني على الكتاب المقدس، وهو نظام يحمل بُعدًا أبديًا ومسؤولية روحية ستُسأل عنها النفس في يوم الدينونة، وليس مجرد عقد يمكن فسخه بإجراء مدني. س- كيف تدعم الكنيسة الأزواج روحياً ونفسياً قبل الوصول إلى مرحلة الانفصال؟ ج- الرعاية المستمرة وتأتي هذه الرعاية والخدمات في مرحلة مبكرة قبل تفاقم المشكلات الأسرية، حيث تعتمد على تكوين مجموعات صغيرة من المتزوجين، مع تقديم رعاية شاملة مثل الكورسات أو الدورات للأسرة ككل، وهو ما يسهم بشكل فعّال في دعم استقرارها ونموّها. كما أن عرض نماذج حقيقية لأسر ناجحة يشكّل عامل تشجيع قوي، ويخلق جسور تواصل بين العائلات، إذ يمكن للأسر التي تمتلك خبرة أطول في الحياة داخل المجتمع الأمريكي وتربية الأبناء أن تنقل خبراتها للأسر الجديدة، في إطار من المشاركة والدعم المتبادل، بعيدًا عن منطق اللوم أو الإدانة. ومن هنا تبرز أهمية عقد اجتماعات متخصصة، سواء للأسر لمناقشة التحديات اليومية أو كيفية الاندماج المجتمعي وتنشئة الابناء، أو اجتماعات منفصلة للرجال وأخرى للنساء، تتيح لكل فئة مساحة آمنة للحوار وتبادل الخبرات. هذه الاجتماعات المتخصصة تسهم بشكل مباشر في تعظيم الاستفادة من خبرات الآخرين وتعزيز التماسك الأسري، ولا يكون العبئ كله على الآباء الكهنة. س- هل هناك برامج إرشاد أو تأهيل أسري خاصة بالمهجر تراعي اختلاف الثقافة والقوانين؟ ج- نعم، كما ذكرتُ سابقًا، فإن اختلاف الثقافة والقوانين في المجتمع الأمريكي يفرض تحديات حقيقية، وهو ما يتطلب قدرًا من الوعي والفهم العميق. لذلك توجد برامج متخصصة تساعد على تعريف الأفراد بالقوانين السائدة هنا، وبالنظام الكنسي، وبالفروق الجوهرية بين النظام المدني والنظام الكنسي، خصوصًا فيما يتعلق بمفهوم الزواج. وتزداد أهمية هذه البرامج عندما يكون أحد الطرفين قادمًا من خلفية غير كنسية أو من خارج الكنيسة، ثم ينضم إليها، إذ يصبح من الضروري أن يتعرّف بوضوح على تعليم الكنيسة، ورؤيتها للزواج كسر مقدس، وليس مجرد عقد اجتماعي أو قانوني. هذا الفهم المسبق يساهم في تجنب الكثير من الإشكاليات، ويُساعد على بناء حياة زوجية أكثر استقرارًا وانسجامًا مع الإيمان والنظام الكنسي. س- ما الرسالة التي يحرص نيافتكم على توجيها للأزواج الشباب في المهجر للحفاظ على سرّ الزيجة وبناء أسر مستقرة؟ ج- أولًا، من الضروري أن يكون لدى الإنسان وعي واضح بمفهوم الزواج نفسه، وأن يفهم ما هو الزواج في المفهوم المسيحي الكنسي. فالمجتمع المحيط قد يقدّم الزواج على أنه مجرد عقد بين طرفين، بينما تؤمن الكنيسة أن الزواج هو عقد يُقدَّس بنعمة الله، وسر كنسي مقدس، له عمق روحي ومعنى خلاصي، وليس مجرد ارتباط قانوني أو اجتماعي. ثانيًا، يأتي الاختيار الجيد كعنصر أساسي لا يمكن التهاون فيه. فالزواج لا ينبغي أن يُعامل كأمر ثانوي أو قرار يُتخذ على عجل بحجة ضيق الوقت أو ضغط الظروف. من ينوي الزواج عليه أن يخصص له وقتًا كافيًا للتفكير والصلاة والتمييز، وألا يكون الاختيار مبنيًا على معايير سطحية أو دوافع مادية أو اجتماعية، لأن الزواج سر مستمر، وليس تجربة مؤقتة يمكن الرجوع عنها بسهولة. ثالثًا، لا بد من إعطاء فترة التعارف حقها الطبيعي. فلا يُفضَّل أن تكون فترة التعارف قصيرة لا تسمح بمعرفة حقيقية، ولا طويلة بلا هدف واضح. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تساعد كوسيلة أولى للتعارف، لكنها لا يمكن أن تكون وسيلة كافية أو بديلة عن اللقاء الشخصي. فالتعامل المباشر، والجلوس مع الشخص، والحوار وجهًا لوجه، يكشف أبعادًا كثيرة لا تنقلها الشاشات، بل إن الصور نفسها قد لا تعكس الحقيقة كاملة. س- كيف يمكن للكنيسة أن تتعامل بحكمة مع القضايا المجتمعية الحساسة التي تشغل الرأي العام، دون الدخول في صدام أو تصعيد؟ ج- حسب طبيعة كل قضية. فعندما تُطرح قضايا تمس جوهر الإيمان والتعليم الكنسي، مثل القوانين المتعلقة بالهوية الجنسية أو زواج المثليين، وهي أمور تتعارض بوضوح مع تعليم الكتاب المقدس، تعلن الكنيسة موقفها الرافض بوضوح، مع توعية المجتمع بخطورة هذه التشريعات وما قد تسببه من تفكيك للأسرة وضرب لقيمها الأساسية. وفي هذا الإطار، تحرص الكنيسة على توعية الآباء بحقوقهم القانونية، خاصة في ما يتعلق بالمناهج والسياسات التعليمية داخل المدارس، مؤكدة أن للوالدين الحق الكامل في الاعتراض والدفاع عن أبنائهم. فالكنيسة، كأساقفة أو كهنة، لا تتدخل مباشرة في المؤسسات التعليمية، لكنها تساند أبناءها وتدعمهم في ممارسة حقوقهم المشروعة. كما تستعين الكنيسة بأصحاب الخبرة من محامين، وتربويين، ومسؤولين سابقين في المؤسسات التعليمية، بهدف توعية الشعب بحقوقه المدنية والقانونية، لأن المجتمع الأمريكي يضمن هذه الحقوق، ومن الواجب استخدامها بوعي ومسؤولية. وفي الوقت نفسه، تظل للكنيسة كلمتها الواضحة وموقفها الصريح، سواء لاقى قبولًا أم رفضًا، لأنها مدعوة دائمًا للشهادة للحق، مستخدمة لغة مباشرة وواضحة، بعيدة عن الغموض أو الالتباس، حتى لا تُفسَّر بحسب الأهواء أو تُفهم على غير مقصودها. س -ما هو الموقف الرسمي للكنيسة تجاه قضية اختفاء وخطف الفتيات القبطيات في مصر؟ ج -الكنيسة عليها مسؤولية رعويه تجاه بناتها، فاختفاء أي فتاة يترك ألمًا بالغًا داخل الكنيسة وداخل أسرتها. ومن هذا المنطلق، تتحمل الكنيسة مسؤوليتها، كما تتحملها الدولة، في دعم الأسرة وحمايتها. وعندما يُلاحظ في نطاق جغرافي معين تكرار مثل هذه الوقائع، يصبح من الضروري تنبيه الجهات المختصة، خاصة في الحالات التي تُستغل فيها العلاقات العاطفية أو الاحتياجات النفسية والمادية للضغط على الفتيات أو التأثير عليهن. هذه الممارسات لا تمس فقط الأسر المعنية، بل تؤثر سلبًا على سلامة المجتمع ووحدته الوطنية، وهو ما يستدعي موقفًا رسميًا واضحًا وحازمًا من الدولة. ورغم أن هذا الموقف يظهر أحيانًا بشكل جاد وحازم من المسؤولين في بعض المناطق وأحياناً لا نجد هذا الموقف، فإنه يظل متفاوتًا من منطقة إلى أخرى. وبالنسبة لنا هنا، نتابع هذه القضايا بعناية ونتواصل بشكل مستمر مع الكنيسة في مصر ونثق فى حكمتها، ونلتزم بتقديم كل ما تطلبه الكنيسة في هذا الإطار، مع مراعاة حساسية الموقف وردود الأفعال من المهجر. فالتصعيد غير المدروس قد يخلق توترات إضافية، بينما الهدف الأساسي هو الوصول إلى حلول عادلة ومتزنة تحفظ حقوق الجميع وتضمن سلامة المجتمع. س- كيف تتابع الكنيسة هذه القضايا، وما هي الآليات المتاحة لحماية الضحايا وأسرهن؟ ج -نحن نبحث في الأسباب بموضوعية، ومن الواضح أن هناك أطرافًا تستغل بعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق أهداف معينة، من بينها تجنيد او تشجيع بعض الشباب غير المسيحي لاستغلال معاناة بعض الفتيات المسيحيات عاطفيا وماديا لاغرائهن بالارتباط، حيث تُقدَّم لهم مساعدات مادية أو تسهيلات مختلفة. وهو ما يفرض علينا مسؤولية مضاعفة في التوعية والرعاية تجاه أسرنا خاصة الاسر التي تعاني من تفكك او ضغوط مادية ومجتمعية ومن هنا تبرز أهمية الرعاية الكنسية المتكاملة، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف في الخدمات الرعوية أو ضغوط اقتصادية متزايدة. فالتراجع العام في المستوى الاقتصادي ينعكس على المجتمع ككل، والأقباط ليسوا بمعزل عن هذا الواقع. لذلك، يصبح من الضروري أن تعطي الكنيسة أولوية حقيقية لدعم الأسر المحتاجة، لا سيما في ما يخص الزواج، حيث إن بعض الزيجات قد تتعطل أو لا تتم أصلًا بسبب العجز المادي. ومن غير المقبول أن يكون المال سببًا في تعطيل سر مقدس. فالكنيسة لا تجلب الخطيب ولا تختاره، لكن إذا توافر التوافق والنية الصادقة للزواج، ينبغي أن يكون للكنيسة دور داعم يضمن إتمام الزيجة دون أن تقف الظروف المادية عائقًا أمامها. س- هل ترون أن ما يحدث يُعد حالات فردية أم ظاهرة تستوجب تحركًا أوسع؟ ج- أعتقد أن هذه الوقائع تظل في إطار الحالات الفردية، لكنها قد تتزايد في بعض المناطق أو خلال فترات زمنية معينة، ولذلك لا يمكن توصيفها كـ«ظاهرة عامة». ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود أطراف تستغل مثل هذه الحوادث وتعمل على توظيفها وإستغلالها بشكل مقصود. والدليل على ذلك أن التركيز يكون في الغالب على الفتيات دون غيرهن، وليس على تغيير الإيمان بوجه عام بين الشباب من الجنسين، وهو ما يكشف عن وجود استهداف واضح للفتيات تحديدًا. ويعتمد هذا الاستغلال على عوامل متعددة، مثل الطبيعة العاطفية لبعض الفتيات، أو الظروف الأسرية الصعبة، أو التفكك الأسري، أو ضعف الإمكانيات المادية، وهي كلها نقاط ضعف قد يتم النفاذ منها. وبالطبع قد توجد حالات فردية يكون فيها ضعف إنساني أو ارتباط عاطفي غير متزن، لكن التعامل مع هذه القضية يجب ألا يكون جزئيًا أو انتقائيًا. فالمعالجة الحقيقية تتطلب رؤية شاملة، تقوم على توزيع المسؤوليات بين الدولة للحفاظ على الأمن المجتمعي، والكنيسة في دورها الرعوي والتوعوي، والأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول. ومن هنا، لا بد أن يكون الحل متكاملًا، لا يقتصر على جانب واحد دون الآخر. س- هل الاضطهادات التي يتعرض لها الأقباط ما زالت قائمة بأشكال جديدة ومختلفة، أم أنها تراجعت مقارنة بالسنوات الماضية؟ ما تقييمكم لدور الجهات الرسمية في التعامل مع هذه الملفات الحساسة الآن؟ ج -نحن نُفرّق بوضوح بين الاضطهاد الرسمي من قِبل الدولة، وهو أمر غير موجود في الوقت الحالي، وبين المناخ العام داخل المجتمع، الذي لا يزال يشهد بعض التوترات. فنتيجة التغير في المفاهيم وغياب قبول الآخر لدى بعض الفئات، ومع وجود شحن أو تعصب، تظهر هذه الظواهر في صور متعددة، وتزداد حدتها غالبًا في أوقات الضغوط الاقتصادية أو الاجتماعية. وفي مثل هذه الظروف، تكون الأقليات دائمًا الأكثر تأثرًا. يضاف إلى ذلك صعود التيارات الإسلامية المتشددة، وهو أمر يختلف عن طبيعة المجتمع المصري في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وما قبلها، حيث طرأ تغير ملحوظ في أسلوب التعامل، وظهر نوع من الاستقطاب المجتمعي يزيد في فترات ويقل في فترات أخرى. وعلى الجانب الآخر، هناك خطوات إيجابية اتُخذت، مثل قانون بناء الكنائس، إلا أن التحدي الحقيقي يظل في مدى تطبيقه على أرض الواقع، ومدى توافر سهولة حقيقية في بناء الكنائس الجديدة، وهو أمر قد يختلف من منطقة إلى أخرى بحسب طبيعة العلاقات المحلية. ومن الواضح أن هناك فارقًا في الخطاب والممارسة على مستوى رئاسة الدولة؛ فالرئيس عبد الفتاح السيسي يحرص على المشاركة في المعايدة بالأعياد المسيحية، وخاصة عيد الميلاد المجيد، وهو ما يوجّه رسالة واضحة على مستوى رئيس الجمهورية تؤكد مبدأ المواطنة والشراكة الوطنية. وهذا يختلف عن فترات سابقة، مثل عهد الرئيس أنور السادات، حين كان يُستخدم خطاب من قبيل «أنا رئيس مسلم لدولة إسلامية»، وهو ما فُسّر آنذاك لدى البعض على أنه إقصاء ضمني، وكأن فئات من المواطنين لا مكان لها في الوطن. ومع ذلك، فإن هذا التطور الإيجابي على مستوى كبار المسؤولين، لا ينفي وجود بعض مظاهر التعصب أو عدم قبول الآخر لدى مستويات أدنى، سواء في بعض المؤسسات أو داخل المجتمع، وهو ما يستدعي استمرار العمل على ترسيخ ثقافة المواطنة وقبول التنوع. نتمنى أن تنتقل هذه الروح الإيجابية الصادرة عن القيادات العليا إلى جميع المستويات، بحيث تصبح ممارسة طبيعية داخل المجتمع، فلا يُطرح أصلًا سؤال من قبيل: هل نُهنئ أو لا نُهنئ؟ طالما أن رأس الدولة نفسه يحرص على المشاركة والتهنئة. وفي النهاية، نحن جزء من هذا المجتمع، نواجه نفس تحدياته، وما يؤثر عليه ينعكس علينا كما ينعكس على كل أبنائه. س -هل يقوم الإعلام بدوره في كشف هذه الانتهاكات، أم يتم التعتيم عليها، أم يتم تضخيمها بشكل مبالغ فيه؟ ج- في الوقت الحالي يمكن تصنيف الإعلام إلى أكثر من نوع. هناك أولًا: الإعلام الرسمي، وهو إعلام موجَّه بطبيعته ويعمل وفق سياسات وضوابط محددة. ثم يأتي الإعلام الخاص، مثل القنوات الفضائية الخاصة أو الصحف غير القومية، وهو إعلام يتمتع بمساحة أوسع نسبيًا من الحرية، لكنها تظل مرتبطة بالإطار المسموح به. أما النوع الأكثر تأثيرًا وانتشارًا حاليًا فهو إعلام وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يمتلك مساحة أكبر للتعبير وقدرة أسرع على طرح القضايا وكشف بعض الملفات التي قد لا يتناولها الإعلام التقليدي. ورغم ما يحمله هذا النوع من إيجابيات، إلا أنه قد يشهد أحيانًا مبالغة أو افتقارًا للدقة. وتختلف طبيعة التناول الإعلامي أيضًا باختلاف الشخصيات التي تظهر في المشهد؛ فهناك شخصيات تمتلك الجرأة والاستعداد للحديث في قضايا حساسة، بينما يفضّل آخرون التحفّظ، وهو ما ينعكس بدوره على مضمون الرسالة الإعلامية وطريقة طرحها. س- كيف نوازن بين الدفاع عن الحقوق وعدم الإضرار بالوحدة الوطنية؟ ج -لا يوجد أي تعارض بين المطالبة بالحقوق والوحدة الوطنية، بل على العكس تمامًا؛ فالوحدة الوطنية الحقيقية تقوم على مبدأ المواطنة الكاملة، حيث يتمتع جميع المواطنين بالحقوق نفسها ويلتزمون بالواجبات نفسها دون تمييز. إن وجود فئة داخل المجتمع تُحرم من حقوقها بسبب ديانتها يُعد في حد ذاته تهديدًا للوحدة الوطنية، وليس المطالبة بتلك الحقوق. فالصمت عن الظلم لا يصنع سلامًا مجتمعيًا، بل يرسخ شعورًا بالغبن والانقسام. ولا يمكن تحقيق سلام حقيقي أو استقرار دائم في أي مجتمع دون عدل، لأن السلام القائم على تجاهل العدالة ليس سوى مظهر خارجي هش مثل القشرة الخارجية سرعان ما تنهار. س- هل يمكن لنيافتكم أن تُعرّفونا بمؤسسة سانتا فيرينا الخيرية، وما هي أبرز أنشطتها، ومسؤولياتها، ودورها في خدمة الكنيسة والمجتمع، خاصة في مجالات العمل الخيري والتنموي داخل وخارج دول المهجر وخصوصاً مصر؟ ج -أُسست هذه المؤسسة بهدف تنظيم وتفعيل رغبة أبناء الكنيسة القبطية في المهجر، خاصةً في الولايات المتحدة بوجهٍ عام، وإيبارشية لوس أنجلوس بوجهٍ خاص، في مساعدة إخوتهم في مصر. وتنوّعت أوجه الدعم بين مساندة أسر محتاجة، والمساهمة في مشروعات تخدم الكنيسة وتلبّي احتياجاتها. ومع مرور الوقت، امتد نطاق هذا العمل ليشمل دولًا أخرى خارج مصر، سواء في إفريقيا أو في أماكن بعيدة مثل بوليفيا والفلبين وزامبيا، حيث يتواجد حضور للكنيسة القبطية. وجاء دور هذه المؤسسات ليمنح أبناء الكنيسة في أمريكا فرصة منظمة وواضحة للمشاركة في هذا العطاء، استجابةً لرغبتهم الصادقة في مساندة إخوتهم، بحيث يقوم العمل في جوهره على مبادرة ومحبة أبناء الكنيسة أنفسهم. سادساً: الرؤية المستقبلية والرسائل الروحية: س- ما أولوياتكم للمرحلة المقبلة في خدمة الإيبارشية؟ ج -في المرحلة المقبلة نعمل على ترسيخ مبدأ تكثيف الرعاية وتنوّعها، بحيث تشمل كل الاحتياجات الرعوية لشعبنا، مع الانفتاح على مجالات جديدة في الخدمة. من بين هذه المجالات الاهتمام بأعضاء الكنيسة الناطقين باللغة الإسبانية، من خلال إعداد خدمات رعوية ولتورجية بلغات متعددة، تشمل العربية والإنجليزية والإسبانية، استجابةً للواقع اللغوي والثقافي المتنوع لأبنائنا. وفي الوقت نفسه، نولي اهتمامًا خاصًا باحتياجات شعبنا الرعوية، ونعمل على وضع آلية واضحة ومنضبطة للاستجابة لهذه الاحتياجات، دون إخلال بالمبادئ الرعوية أو خروج عن ثوابت الكنيسة. فكنيستنا، وهي كنيسة راسخة في إيمانها، هي في الوقت ذاته كنيسة رعوية تشعر بالإنسان وتتعامل مع واقعه. ومن هذا المنطلق، فإن أي احتياج رعوي يتم دراسته بعناية، للتأكد من كونه احتياجًا حقيقيًا يمس حياة الإنسان الروحية والإنسانية، وليس مجرد رغبة عابرة. ثم نبحث له عن جذور أو نماذج في الكنيسة الأولى، لنستلهم من خبرتها التاريخية حلولًا واجهت أوضاعًا مشابهة. فاللغة، على سبيل المثال، كانت دائمًا أداة رعوية في يد الكنيسة، استخدمتها بحسب احتياج الشعب؛ فخدمت باليونانية، ثم القبطية، ثم العربية وغيرها، بحسب المرحلة والبيئة. ومن هنا، نستمد من تقليد الكنيسة الحي مرجعيةً نتحرك على أساسها، لنقدّم حلولًا رعوية أمينة للإيمان، ومتفاعلة مع احتياجات الواقع المعاصر. س- ما الرسالة التي تحبون توجيهها للعائلات القبطية في المهجر اليوم؟ ج -التمسّك بالإيمان الأرثوذكسي والارتباط بشخص ربنا يسوع المسيح هو مصدر القوة الحقيقي في مواجهة كل التحديات. كما أن الالتصاق بالكنيسة أمر أساسي، لأنها المكان الآمن الذي يدعم الأسرة ويساعدها على النمو والإثمار. ومع كل ما يحيط بنا من صعوبات، تظل النظرة المتفائلة للمستقبل ضرورية، إيمانًا بأن الله هو أمس واليوم وإلى الأبد، وحيثما تكثر الخطية تكثر النعمة. س- ما هي أبرز التحديات التي تواجه الشباب القبطي في المهجر اليوم، وكيف يمكن للكنيسة أن تكون قريبة منهم دون أن تفقد رسالتها الأصيلة؟ ج -الشباب في المهجر ينقسمون إلى فئتين: فئة جاءت حديثًا من مصر، وهؤلاء يواجهون مجتمعًا مختلفًا بثقافته وقيمه، وعليهم أن يكونوا واعين حتى لا يتأثروا به تأثيرًا سلبيًا، بل يستفيدوا من إيجابياته دون أن يفقدوا هويتهم أو ثوابتهم. وفئة أخرى نشأت هنا منذ الصغر، وهذا الشباب يحتاج أن يدرك أن الحياة بدون الله هي حياة تعيسه وفارغة، وأن السعادة الحقيقية لا تُبنى إلا في علاقة حقيقية مع الله. كما يجب أن يفهموا أن وصايا الله لم تُعطَ لتقييد الإنسان أو سلب حريته، بل وُضعت لصالحه وحمايته. ومن المهم أن يحب الشباب كنيستهم، وأن يدركوا أنهم قادة المستقبل، وأن هذه الكنيسة هي كنيستهم هم، وليست فقط كنيسة آبائهم. س- كيف تشجّع الكنيسة الشباب على المشاركة والخدمة، في زمن تتعدد فيه مصادر التأثير الثقافي والفكري؟ ج- دائمًا ما تُواجَه السلبيات بالإيجابيات، فالشكوى وحدها لا تكفي. المطلوب هو أن نرصد الاحتياجات الحقيقية، سواء كانت فكرية أو روحية، وأن نبحث في كيفية مساعدة الإنسان والمجتمع. فالمجتمع في احتياج إلى صوت يشهد للحق. ويقع على عاتق الشباب، الذين نشأوا هنا ويفهمون طبيعة المجتمع ويتقنون لغته ويستوعبون عقلياته، مسؤولية كبيرة في نقل صوت الحق، صوت الضمير، صوت الإنجيل، وصوت الكنيسة إلى المجتمع الذي يعيشون فيه. لكن الشهادة لا تكون بالكلام فقط، بل بالحياة ذاتها؛ فالمجتمع هنا يحتاج إلى نماذج حية: يحتاج أن يرى الشاب الطاهر، والإنسان النقي، وصاحب الإيمان القوي وهو يواجه التحديات، والشجاع في إعلان إيمانه، والأسرة المتماسكة التي تعكس القيم الحقيقية. وأعظم ما يمكن أن نقدمه للمجتمع هو أن نقدم له هذه النماذج الحية التي تشهد للحق بالفعل قبل القول. س -نيافة المطران الأنبا سرابيون، إلى أي مدى تحرص الكنيسة في دول المهجر وبالاخص أمريكا على إقامة مشروعات مستدامة مثل المدارس والمؤسسات التعليمية، وكذلك المنصات الإعلامية، كوسيلة لحماية الهوية الإيمانية والثقافية، وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بالكنيسة والمجتمع؟ ج- نحن نولي اهتمامًا كبيرًا بملف التعليم، لأن الاحتياج إلى المدارس أصبح شديدًا في ظل التغيرات المتسارعة داخل المجتمع المدرسي، خاصة مع القوانين الجديدة التي تصدر في ولايات مثل كاليفورنيا. من هنا ظهرت فكرة التعليم المنزلي (Home Schooling)، وبدأنا بالفعل خطوات عملية في إنشاء مدارس، وهو أمر يتطلب جهدًا جماعيًا وتوعية مجتمعية، لأن أبناء الكنيسة يدركون بسهولة أهمية تأسيس كنيسة، بينما يحتاج تأسيس مدرسة إلى وعي أعمق بدورها الحيوي وإلى مشاركة فعلية في دعمها واستمرارها. وإلى جانب ذلك، لدينا مدرسة لاهوتية، ومؤسسات كنسية متعددة، كما تقوم الأديرة بدور مهم في توفير فرص للخلوة الروحية، وفتح المجال أمام من يشعرون بالدعوة الرهبانية. كذلك تؤسس بعض الكنائس مراكز للأنشطة المختلفة، إلى جانب الملاعب، بما يجعل الكنيسة مكانًا متكاملًا: نصلي فيه، ونتعلم فيه، ونقضي وقتًا صحيًا، ونتواصل فيه مع الآخرين. هذا بالإضافة إلى المؤتمرات الروحية والخدمية، ووجود مراكز متخصصة مثل مركز المؤتمرات في بيج بير، وغيرها من الأنشطة. وفي النهاية، فإن ما يحرك كل هذه الجهود هو الرعاية والعناية بالإنسان والاستجابة الحقيقية لاحتياجاته الروحية، والتعليمية، والاجتماعية. س- ما النصيحة التي توجهونها للإعلام القبطي والعربي في المهجر ليكون شريكاً إيجابياً في خدمة الكنيسة والمجتمع ككل؟ ج- الإعلام بوجه عام له دور وأهميه محوري في كشف احتياجات المجتمع وتسليط الضوء عليها، بل والمساهمة في تقديم حلول واقعية لها، لأنه يُعد النافذة التي من خلالها يتعرف الإنسان على قضايا مجتمعه وتحدياته. ومن هنا تبرز الحاجة الدائمة إلى إعلام يتحلى بالصدق والحيادية، يكون هدفه الأول هو الوصول إلى الحقيقة وخدمة الصالح العام، لا توجيه الرأي أو تحقيق مصالح ضيقة. ونصلي أن يمنح الله القائمين على العمل الإعلامي، سواء في الإعلام العربي أو غير العربي، الحكمة والأمانة ليقوموا بدورهم الحقيقي في الكشف والمعرفة وبناء الوعي. س -وفي ختام هذا الحوار، ما الكلمة التي يود نيافتكم توجيهها لأبناء الإيبارشية في هذه المناسبة المباركة؟ ج -نحن نشكر الله على عمله معنا، ونتطلع إلى المستقبل بإيمان وثقة في إلهنا، صاحب الكنيسة، الذي وعد أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها. ونتطلع أيضًا بفرح لأن الرجاء يعطى فرح للإنسان، لأن الله هو واهب الفرح لكل إنسان. نحن في احتياج بعضنا إلى بعض، وعلينا أن نتعاون معًا، مدركين دائمًا أن الكنيسة هي نحن؛ فكل واحد منا هو عضو في الكنيسة، وعضو مهم له دوره، حتى وإن اختلفت الأدوار. فلكل عضو أهميته ودعوته داخل جسد الكنيسة. لذلك نرجو أن نعمل معًا بروح واحدة، ويكون لنا هدف واحد، ونحن واثقون في إله كنيستنا، الذي جاء لأجل خلاص نفوسنا. س- بعد مرور تسع سنوات على انطلاق صحيفة كاريزما وتوجّهها إلى القارئ المصري والعربي، واستمرار صدورها بانتظام مع مطلع كل شهر، ما الكلمة التي تودّون توجيهها إلى إدارتها وقرّائها، في ظل سياساتها المنفتحة التي تخاطب جميع الجاليات العربية وتخدم مختلف الطوائف والديانات، باعتبارها منبراً تثقيفياً واجتماعياً يعكس قضايا وهموم المهاجر المصري والعربي، ودورها في إبراز الشخصيات الناجحة وتجاربهم كنماذج يُحتذى بها؟ ج- أتمنى لكم كل النجاح والتوفيق... تلعب الجاليات العربية دورًا مهمًا وفاعلًا في المجتمعات التي نعيش فيها، إذ تتمتع بحضور مؤثر على المستويين الاجتماعي والثقافي. ومن هنا تبرز أهمية وجود وسيلة إعلامية مثل صحيفة كاريزما تجمع هذه الجاليات، وتربط بينها، وتعبر عن اهتماماتها وقضاياها المشتركة. فالمهاجر العربي، بحكم خلفيته الثقافية والاجتماعية، غالبًا ما تكون لديه احتياجات وهموم تتجاوز حدود الدولة التي ينتمي إليها، وأحيانًا تتخطى الانتماء الديني ذاته. لذلك، فإن وجود منصة إعلامية تُشكّل رابطًا جامعًا بين المهاجرين العرب، أو ذوي الأصول العربية، أو القادمين من الدول العربية، أو حتى الناطقين باللغة العربية، يُعد أمرًا بالغ الأهمية، ويستحق كل دعم وتشجيع. ونتمنى لكم دوام النجاح والتوفيق في القيام بهذا الدور الحيوي والمؤثر. في ختام هذا اللقاء، ومع اكتمال ثلاثين عاماً من الخدمة الأسقفية، نقف بخشوع أمام مسيرة رعوية باركها الله، تجلّت فيها أمانة الدعوة، وصدق الشهادة، وثبات الخدمة. لقد كان نيافة الأنبا سرابيون راعياً بحسب قلب الله، حمل الصليب بمحبة، وخدم الكلمة باتضاع، وجمع بين نور العلم وعمق الإيمان، فصار حضوره بركة، وتعليمه بناء، وخدمته امتدادًا لعمل الروح القدس في كنيسة المهجر. ثلاثون عامًا كُتبت بالصلاة، وسُقيت بالتعب، وأثمرت رعايةً حانية وبنيانًا روحيًا هادئًا، سيبقى شاهدًا حيًا أمام الأجيال على خدمةٍ أمينةٍ لا تزول.