عاجلمقالات رأيوائل لطف الله

حيـن تغيب الحدود.. يُســتـبـاح الإنسـان..

بقلم رئيس تحرير صحيفة كاريزما/ وائـــل لطف الله

العلاقات الإنسانية الصحية لا تقوم على التداخل المفرط ولا على الذوبان الكامل، بل على مساحات واضحة تحمي الاحترام، وتمنع الاستنزاف، وتُبقي الود قائماً دون أذى.
حين نضع حدودًا، نحن لا نبتعد عن الآخرين، بل نقترب منهم بطريقة أكثر نضجًا واتزانًا.

لأن الحدود، في جوهرها، ليست قسوة… بل وعي، وليست رفضًا… بل صيانة للعلاقات حتى تدوم.

الحدود أيضاً ليست تعاليًا ولا انسحابًا من العلاقات كما يظن البعض، بل هي وعي ناضج يحمي الإنسان من الاستنزاف ويمنح العلاقات فرصة البقاء دون تشوّه أو إنهاك.
فالحدود ليست جدرانًا فاصلة، وإنما مسافات ذكية تحفظ التوازن بين القرب والاحترام، وبين العطاء والقدرة على الاستمرار.
في الحياة، لكل شيء حدوده: للوقت، وللمشاعر، وللكلام، وللعطاء، وحتى للصمت. وحين تختفي هذه الحدود، لا ينتصر الحب ولا الصداقة ولا حتى العِشرة الطيبة، بل يتسلل سوء الفهم في هدوء، ويتخفّى الاستغلال في صورة قرب، ويتحوّل العشم إلى عبء ثقيل، والثقة إلى أداة ضغط موجّهة ضد صاحبها دون أن يشعر.

كثيرون يخلطون بين الطيبة والتنازل، وبين الكرم والتفريط، وبين القرب وذوبان الذات، بينما الحقيقة المؤلمة أن العلاقات التي تُدار بلا حدود، غالبًا ما تنتهي بلا احترام.

يبدأ الأمر بسيطًا: إنسان حاضر دائمًا، بابه مفتوح، وقته مباح، رأيه متاح دائماً، ودعمه مضمون، وكلمة «ولا يهمك» تسبق التفكير.
في البداية يُقابل هذا العطاء بالامتنان..
ثم يتحوّل إلى توقّع، ثم إلى طلب دائم..
ثم إلى حق مكتسب لا يُناقَش..
لا أحد يسأل: هل تعبت؟ هل تأخرت؟
هل بقي لك ما يكفي لنفسك؟
ومع الوقت يرتفع الصوت، ويتحوّل العتاب إلى اتهام..
والطلب إلى أمر مباشر، وحين يحاول هذا الإنسان مرة واحدة فقط أن يضع حدًا، يُفاجأ باتهام جاهز: «إنت اتغيّرت» أنت مش مفهوم.
والحقيقة أنه لم يتغيّر، بل تذكّر نفسه بعد أن نسيها طويلًا. اكتشف متأخرًا أن الثقة بلا وعي تُدرّب الآخرين على تجاوزك، وأن القرب بلا حدود يُغري البعض بنسيان من تكون، وأن الطيبة حين لا يحرسها الوعي تُقرأ كضعف لا كقيمة.
فالحدود لا تُنقص من إنسانيتنا، بل تحميها، ولا تُقلل من محبتنا، بل تُنقّيها.
هي الخط الفاصل بين العطاء والإنهاك، وبين الاحترام والاستباحة، وبين أن تكون حاضرًا في حياة الآخرين وأن تختفي من حياتك أنت.

من حقك أن تحب، لكن ليس على حساب نفسك، ومن حقك أن تثق، لكن ليس بلا وعي، ومن حقك أن تعطي، لكن ليس بلا سقف.

أخطر ما في كسر الحدود أنه لا يوجع دفعة واحدة، بل يُفقدك نفسك بالتدريج. تستيقظ يومًا لتكتشف أنك صرت تبرّر الإساءة، وتلتمس الأعذار للتطاول، وتُقنع نفسك أن الصمت حكمة، بينما هو في الحقيقة انسحاب بطيء من ذاتك.
وحين تُقرّر أخيرًا أن تقول «كفى»، لن يُصفّق لك أحد، بل سيغضب من اعتاد أن يأخذ بلا حساب، وسيتهمك من استفاد من غياب الحدود أنك تغيّرت وتبدلت، بينما الحقيقة أنك فقط توقّفت عن السماح للآخرين بأن ينسوك من أنت.

حتى في أسمى صور المحبة، لم تُلغَ الحدود يومًا، ولم تكن الرحمة مرادفًا للتسيّب أو المجاملة على حساب الحق.

فالسيد المسيح، وهو مثال المحبة الكاملة، كان حاسمًا عندما تطلّب الموقف ذلك. فعندما حاول بطرس أن يتدخل بدافع عاطفة صادقة لكنها بلا وعي روحي، جاءه الرد واضحًا وقاطعًا:
«اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لَكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ» (متى 16: 23).
لم يكن هذا قسوة، بل تصحيحًا، ولم يكن رفضًا للشخص، بل رفضًا للفكرة.

فالحزم هنا لم يُلغِ المحبة، بل حماها من أن تنحرف عن مقصدها فتتجلّى الحقيقة كاملة: القرب لا يمنع التصحيح، والمحبة لا تُلغي الحزم، والحدود لا تتعارض مع الإيمان ولا مع الإنسانية.

وفي النهاية، نحن أمام خيارين لا ثالث لهما:
إمّا أن نضع حدودنا بوعي الآن، أو ننتظر حتى تُفرض علينا بطريقة أقسى، بعد أن نكون قد خسرنا أنفسنا باسم الطيبة والجدعنه والشهامه والتشجيع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى