أمومة وطفولةاخبار عالميةامريكا بالعربيحواراتعاجلوائل لطف الله

عندما تتحدث المرأة بلغة الفكر والتأثير.. د. إسـراء نـوار في حوار خاص احتفالاً باليوم العالمي للمرأة

قـام بالحـوار رئيـس التحـريـر/ وائــل لـطـف الله - Photography by: Tony Lattimore

رحلة‭ ‬بين‭ ‬الفكر‭ ‬والهوية…‭ ‬إســــراء‭ ‬نــــوار‭ ‬ومســاحــات‭ ‬الحــوار‭ ‬الجديـدة

رؤية‭ ‬عالمية‭ ‬بجذور‭ ‬إنسانية…‭ ‬حكاية‭ ‬إسراء‭ ‬نوار

إسراء‭ ‬نوار‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬Arabica Connect‭ ‬وأفضل‭ ‬المؤثرين‭ ‬العرب‭ ‬الأمريكيين‭ ‬لعام‭ ‬2026

أكاديمية‭ ‬قيادية‭ ‬بجامعة‭ ‬شابمان‭ ‬تحوّل‭ ‬الإرشاد‭ ‬إلى‭ ‬حركة‭ ‬مؤثرة،‭ ‬وتبني‭ ‬جسورًا‭ ‬بين‭ ‬التراث‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬معاصر‭ ‬للمرأة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬كاليفورنيا‭.‬

في‭ ‬زمنٍ‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتتبدّل‭ ‬المفاهيم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬تبرز‭ ‬شخصيات‭ ‬استثنائية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والقلب،‭ ‬وبين‭ ‬الابتكار‭ ‬والقيم،‭ ‬وبين‭ ‬الانتماء‭ ‬المحلي‭ ‬والرؤية‭ ‬العالمية‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬الملهمة‭ ‬تلمع‭ ‬الدكتورة‭ ‬إسراء‭ ‬نوار،‭ ‬والتي‭ ‬تشغل‭ ‬منصب‭ ‬نائب‭ ‬عميد‭ ‬المكتبات‭ ‬لشؤون‭ ‬مبادرات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بجامعة‭ ‬شابمان‭ ‬بكاليفورنيا،‭ ‬الحاصلة‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬درجات‭ ‬ماجستير‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأعمال،‭ ‬والآداب،‭ ‬وعلوم‭ ‬المكتبات‭ ‬والمعلومات‭ .‬

كما‭ ‬تتابع‭ ‬مسيرتها‭ ‬الأكاديمية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برنامج‭ ‬الدكتوراة‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بجامعة‭ ‬Marywood University،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬الأكاديمية‭ ‬العربية‭ ‬للعلوم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والنقل‭ ‬البحري‭ (‬AAST‭)‬،‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬تعليمية‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الرؤية‭ ‬الأمريكية‭ ‬والخبرة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬العربية،‭ ‬وتعكس‭ ‬إيمانها‭ ‬بأهمية‭ ‬بناء‭ ‬قيادات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬المنظومي،‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬معقدة،‭ ‬وقيادة‭ ‬التحول‭ ‬المؤسسي‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

هذا‭ ‬الامتداد‭ ‬الأكاديمي‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬درجة‭ ‬علمية‭ ‬إضافية،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬التزامًا‭ ‬عميقًا‭ ‬بتطوير‭ ‬نماذج‭ ‬قيادية‭ ‬أخلاقية،‭ ‬واعية،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬محليًا‭ ‬وعالميًا‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬مسيرتها‭ ‬مجرد‭ ‬مسار‭ ‬أكاديمي‭ ‬تقليدي،‭ ‬بل‭ ‬تجربة‭ ‬قيادية‭ ‬متكاملة‭ ‬حوّلت‭ ‬فيها‭ ‬الإرشاد‭ ‬إلى‭ ‬حركة‭ ‬مؤثرة،‭ ‬وربطت‭ ‬بين‭ ‬التراث‭ ‬والحداثة،‭ ‬من‭ ‬مشاركاتها‭ ‬في‭ ‬مؤتمرات‭ ‬TEDx‭ ‬إلى‭ ‬مبادرات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬مرورًا‭ ‬بمشاريع‭ ‬الأزياء‭ ‬المدعومة‭ ‬بالتقنيات‭ ‬الحديثة،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬صالونها‭ ‬الثقافي‭ ‬ودوائر‭ ‬العافية‭ ‬والحوار‭ ‬بين‭ ‬الأديان،‭ ‬هى‭ ‬زوجة‭ ‬العالم‭ ‬الدكتور‭ ‬هشام‭ ‬العسكري،‭ ‬فهو‭ ‬عالم‭ ‬وباحث‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬الاستشعار‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬وعلوم‭ ‬نظم‭ ‬الأرض

‭(‬Remote Sensing and Earth Systems Science‭)‬،‭ ‬ويشغل‭ ‬عدة‭ ‬مناصب‭ ‬علمية‭ ‬وأكاديمية‭ ‬بارزة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭: ‬أستاذ‭ ‬الاستشعار‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬وعلوم‭ ‬نظم‭ ‬الأرض‭ ‬بجامعة‭ ‬شابمان‭ ‬بكاليفورنيا،‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لوكالة‭ ‬الفضاء‭ ‬المصرية‭ (‬Egyptian Space Agency‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬منصب‭ ‬قيادي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الفضاء‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭.‬

شارك‭ ‬في‭ ‬أدوار‭ ‬علمية‭ ‬واستشارية‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬دولية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالتغير‭ ‬المناخي‭ ‬والبيئة،‭ ‬منها‭ ‬تقديم‭ ‬خبرته‭ ‬في‭ ‬مؤتمرات‭ ‬ومنتديات‭ ‬علمية‭ ‬كثيرة،‭ ‬الدكتورة‭ ‬إسراء‭ ‬نوار‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬قيادية‭ ‬أكاديمية،‭ ‬بل‭ ‬صوت‭ ‬نسائي‭ ‬واعٍ‭ ‬وجسر‭ ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬الثقافات،‭ ‬ومساحة‭ ‬أمان‭ ‬للمرأة،‭ ‬وصانعة‭ ‬مبادرات‭ ‬تترك‭ ‬أثرًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬ومستدامًا‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬الخاص‭ ‬لصحيفة‭ ‬كاريزما،‭ ‬نقترب‭ ‬من‭ ‬رؤيتها‭ ‬ورسالتها‭ ‬وتجربتها‭ ‬كامرأة‭ ‬صنعت‭ ‬تأثيراً‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المناصب‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬القلوب‭.‬

 

أولًا‭: ‬البدايات‭ ‬والرؤية‭ ‬الشخصية‭:‬

س‭- ‬ من‭ ‬شواطئ‭ ‬الإسكندرية‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬كيف‭ ‬تشكلت‭ ‬ملامح‭ ‬رحلتك؟‭ ‬وهل‭ ‬كانت‭ ‬الإسكندرية‭ ‬مسقط‭ ‬رأسك‭ ‬ونقطة‭ ‬الانطلاق‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬مسيرتك‭ ‬الإنسانية‭ ‬والمهنية؟

ج‭- ‬ هي‭ ‬طبقة‭ ‬داخل‭ ‬الروح‭.. ‬هناك،‭ ‬بين‭ ‬رائحة‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬وصوت‭ ‬الموج‭ ‬المتكرر،‭ ‬تشكل‭ ‬وعيي‭ ‬الأول‭.‬

تعلمت‭ ‬أن‭ ‬الأفق‭ ‬مفتوح،‭ ‬وأن‭ ‬الإنسان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتمي‭ ‬لمكان‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُحبس‭ ‬فيه‭.‬

نعم،‭ ‬الإسكندرية‭ ‬كانت‭ ‬نقطة‭ ‬الانطلاق‭ ‬الأولى،‭ ‬هناك‭ ‬عشتُ‭ ‬أولى‭ ‬التجارب،‭ ‬أولى‭ ‬الأحلام،‭ ‬وأول‭ ‬إحساس‭ ‬حقيقي‭ ‬بالهوية‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ارتباطي‭ ‬بها‭ ‬عاطفيًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬عمليًا‭ ‬أيضًا‭.‬

كان‭ ‬لي‭ ‬شرف‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬ثقافي‭ ‬عظيم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عملي‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬الإسكندرية،‭ ‬وكنت‭ ‬فخورة‭ ‬بأن‭ ‬أساهم‭ ‬ولو‭ ‬بجزء‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬ذلك‭ ‬الصرح‭ ‬الذي‭ ‬يعيد‭ ‬للعالم‭ ‬صورة‭ ‬مدينة‭ ‬المعرفة‭. ‬ولأن‭ ‬الإسكندرية‭ ‬تسكنني،‭ ‬كرّمتها‭ ‬لاحقًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬معرض‭ ‬تصوير‭ ‬فوتوغرافي‭ ‬احتفيت‭ ‬فيه‭ ‬بروحها،‭ ‬بوجوهها،‭ ‬ببحرها،‭ ‬وبذاكرتها‭.‬

كان‭ ‬ذلك‭ ‬المعرض‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬رسالة‭ ‬وفاء،‭ ‬لكن‭ ‬الرحلة‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬البحر،‭ ‬انتقلتُ‭ ‬من‭ ‬الإسكندرية‭ ‬إلى‭ ‬الدوحة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬مدن‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬كل‭ ‬انتقال‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فقدانًا‭ ‬للوطن،‭ ‬بل‭ ‬إضافة‭ ‬طبقة‭ ‬جديدة‭ ‬لمعنى‭ ‬“الوطن”‭. ‬وهنا‭ ‬أصل‭ ‬إلى‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬لازمتني‭ ‬لسنوات،‭ ‬والتي‭ ‬كتبت‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬مقالي‭: ‬الخبرات‭ ‬الجديدة‭ ‬للوطن‭ ‬هي‭ ‬امتياز‭ ‬رائع‭.‬

لطالما‭ ‬سألت‭ ‬نفسي‭: ‬أين‭ ‬هو‭ ‬البيت؟‭!..‬

هل‭ ‬هو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬أنام‭ ‬فيه؟‭ ‬أم‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬أقف‭ ‬فيه‭ ‬بكامل‭ ‬حضوري؟

مررت‭ ‬بمحطات‭ ‬كثيرة‭: ‬غرفة‭ ‬مستأجرة‭ ‬في‭ ‬فيرجينيا،‭ ‬شقة‭ ‬صغيرة‭ ‬أنجبت‭ ‬فيها‭ ‬طفلي‭ ‬الأول،‭ ‬مكتب‭ ‬متواضع‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬بدأت‭ ‬منه‭ ‬مسيرتي‭ ‬المهنية،‭ ‬بيت‭ ‬عائلي‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬نصنع‭ ‬فيه‭ ‬ذكرياتنا‭ ‬اليوم‭.‬

حضرت‭ ‬مؤتمرات‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬لم‭ ‬أتخيل‭ ‬يومًا‭ ‬أن‭ ‬أصل‭ ‬إليها‭.‬

سكنت‭ ‬أماكن‭ ‬مؤقتة،‭ ‬لكن‭ ‬التجارب‭ ‬التي‭ ‬عشتها‭ ‬فيها‭ ‬كانت‭ ‬دائمة‭.‬

اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬البيت‭ ‬ليس‭ ‬جغرافيا‭ ‬فقط‭.. ‬البيت‭ ‬هو‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬تشكلك‭.‬

هو‭ ‬لحظة‭ ‬النجاح‭ ‬الأولى‭.. ‬هو‭ ‬أول‭ ‬سيارة‭ ‬في‭ ‬الإسكندرية‭.. ‬هو‭ ‬صداقة‭ ‬عميقة‭.. ‬هو‭ ‬مؤتمر‭ ‬تتحدثين‭ ‬فيه‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬كمتحدثة‭.‬

هو‭ ‬دموع‭ ‬أم‭ ‬ترى‭ ‬أبناءها‭ ‬يكبرون‭ ‬أمامها‭.. ‬تعلمت‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬“حاضرة‭ ‬تمامًا”‭ ‬حيث‭ ‬أكون‭. ‬أن‭ ‬أعيش‭ ‬اللحظة‭ ‬بكامل‭ ‬وعيي،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬جسدًا‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬وعقلي‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭. ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬التنقل‭ ‬فقدانًا،‭ ‬بل‭ ‬أراه‭ ‬امتيازًا،‭ ‬امتياز‭ ‬أن‭ ‬أعيش‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تعريف‭ ‬للوطن‭.. ‬امتياز‭ ‬أن‭ ‬أكون “غائبة‭ ‬حاضرة”‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكان،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬“حاضرة‭ ‬غائبة”‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬واحد‭.‬

الإسكندرية‭ ‬كانت‭ ‬البداية‭…‬

لكن‭ ‬الوطن‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬أصبح‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬التي‭ ‬صنعتني‭.‬

والقيادة‭ ‬التي‭ ‬أمارسها‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬صوت‭ ‬البحر،‭ ‬وذاكرة‭ ‬المدينة،‭ ‬وكل‭ ‬البيوت‭ ‬التي‭ ‬مررت‭ ‬بها‭.‬

س‭- ‬ حين‭ ‬تعودين‭ ‬بذاكرتك‭ ‬إلى‭ ‬الطفولة،‭ ‬كيف‭ ‬تشكّلت‭ ‬ملامحك‭ ‬الأولى؟‭ ‬وما‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬القراءة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وعيك‭ ‬وشغفك‭ ‬المبكر؟‭ ‬حدثينا‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬أجواء‭ ‬نشأتك‭ ‬العائلية‭ ‬وعدد‭ ‬إخوتك؟

ج‭ – ‬ملامحي‭ ‬الأولى‭ ‬تشكّلت‭ ‬من‭ ‬الفضول‭ ‬والانضباط‭ ‬معًا‭…‬

والدي‭ ‬استثمر‭ ‬مبكرًا‭ ‬في‭ ‬تعليمي،‭ ‬وأدخلني‭ ‬مدرسة‭ ‬أمريكية‭ ‬لأنه‭ ‬أراد‭ ‬لي‭ ‬إتقان‭ ‬اللغة‭ ‬بعمق‭. ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬كان‭ ‬حاسمًا‭ ‬لاحقًا‭ ‬عندما‭ ‬هاجرت‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة؛‭ ‬اللغة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حاجزًا،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬جسرًا‭.‬

كنت‭ ‬أقرأ‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬كتبًا،‭ ‬مجلات،‭ ‬عناوين،‭ ‬حتى‭ ‬القيم‭ ‬الغذائية‭ ‬على‭ ‬علب‭ ‬الطعام،‭ ‬كنت‭ ‬طفلة‭ ‬“نِردي”‭ ‬قليلًا،‭ ‬أجد‭ ‬متعتي‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬والتحليل‭.‬

نشأت‭ ‬في‭ ‬أسرة‭ ‬محبة‭ ‬وداعمة،‭ ‬أنا‭ ‬الأكبر‭ ‬بين‭ ‬أربعة‭ ‬إخوة،‭ ‬وكونكِ‭ ‬الأكبر‭ ‬يلعب‭ ‬دورًا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الشخصية‭.‬

المكان‭ ‬الذي‭ ‬تحتله‭ ‬في‭ ‬الهرم‭ ‬العائلي‭ ‬يصنع‭ ‬لديك‭ ‬حسّ‭ ‬المسؤولية‭ ‬مبكرًا‭.‬

تعلمت‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬قدوة،‭ ‬أن‭ ‬أتحمّل،‭ ‬أن‭ ‬أوجّه،‭ ‬قيادة‭ ‬والدي‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬تركت‭ ‬أثرًا‭ ‬عميقًا‭ ‬فيّ‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬يعلّمنا‭ ‬بالكلمات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بالنموذج‭. ‬منه‭ ‬تعلّمت‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬التزام،‭ ‬وأن‭ ‬التعليم‭ ‬استثمار‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭. ‬ذلك‭ ‬المزيج‭ ‬من‭ ‬الحب،‭ ‬والدعم،‭ ‬والانضباط،‭ ‬والقراءة‭ ‬المستمرة،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬شكّل‭ ‬البنية‭ ‬الأولى‭ ‬لشخصيتي‭.‬

‭ ‬س‭ – ‬نود‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬كيف‭ ‬التقيتِ‭ ‬بالدكتور‭ ‬هشام‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى،‭ ‬وكيف‭ ‬تطورت‭ ‬العلاقة‭ ‬بينكما‭ ‬حتى‭ ‬الزواج؟‭ ‬وكم‭ ‬أثمر‭ ‬هذا‭ ‬الارتباط‭ ‬من‭ ‬أبناء؟

ج‭ – ‬قصتنا‭ ‬بدأت‭ ‬بطريقة‭ ‬طريفة‭ ‬جدًا،‭ ‬شقيقته‭ ‬كانت‭ ‬طبيبة‭ ‬العيون‭ ‬الخاصة‭ ‬بي،‭ ‬وقررت‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬دور‭ ‬“المعرّف‭ ‬الرسمي”‭.‬

كان‭ ‬هو‭ ‬يُكمل‭ ‬الدكتوراه‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬جورج‭ ‬ماسون‭ ‬في‭ ‬فيرجينيا،‭ ‬وكنت‭ ‬أنا‭ ‬أنهي‭ ‬دراستي‭ ‬الجامعية‭.‬

تعرّفنا‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬بدأنا‭ ‬نتحدث‭ ‬لساعات‭ ‬طويلة،‭ ‬اكتشفنا‭ ‬أننا‭ ‬“نِردان”‭ ‬بدرجة‭ ‬امتياز‭. ‬وأول‭ ‬سؤال‭ ‬طرحه‭ ‬عليّ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عن‭ ‬هواياتي‭ ‬أو‭ ‬لوني‭ ‬المفضل…‭ ‬بل‭ ‬كان‭: ‬“What’s your GPA‭?‬”‭ ‬ضحكت،‭ ‬لكنني‭ ‬أجبته‭ ‬بثقة‭. ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬كنت‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬مدرستي،‭ ‬وكنت

الـ‭ ‬Valedictorian‭… ‬أعتقد‭ ‬أنني‭ ‬اجتزت‭ ‬الاختبار‭ ‬الأول‭ ‬بنجاح‭.‬

لكن‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأرقام،‭ ‬ما‭ ‬جمعنا‭ ‬فعلًا‭ ‬كان‭ ‬الاحترام‭ ‬والطموح‭ ‬المشترك‭.‬

العلاقة‭ ‬تطورت‭ ‬إلى‭ ‬شراكة‭ ‬حقيقية،‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬لا‭ ‬المنافسة‭.‬

هو‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬عالمًا‭ ‬متميزًا،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬أطيب‭ ‬وأدعم‭ ‬الأزواج‭ ‬الذين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتمناهم‭ ‬امرأة،‭ ‬وأنا‭ ‬أعتبر‭ ‬نفسي‭ ‬محظوظة‭ ‬به‭. ‬رزقنا‭ ‬الله‭ ‬بثلاثة‭ ‬أبناء‭: ‬محمد،‭ ‬22‭ ‬عامًا،‭ ‬سيف،‭ ‬21‭ ‬عامًا،‭ ‬وهانيا،‭ ‬15‭ ‬عامًا‭. ‬رحلتنا‭ ‬بدأت‭ ‬بسؤال‭ ‬عن‭ ‬الـ‭ ‬GPA،‭ ‬واستمرت‭ ‬بقصة‭ ‬حب‭ ‬وشراكة‭ ‬وحياة‭ ‬كاملة‭.‬

س‭- ‬هل‭ ‬برز‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أبنائكم‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬موهبة‭ ‬استثنائية‭ ‬أو‭ ‬تميزًا‭ ‬لافتًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬علمي‭ ‬أو‭ ‬فني؟‭ ‬وكيف‭ ‬تحرصون‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬هذه‭ ‬الموهبة‭ ‬ورعايتها‭ ‬وتنميتها‭ ‬حتى‭ ‬تبلغ‭ ‬أقصى‭ ‬إمكاناتها؟‭ ‬وما‭ ‬النصيحة‭ ‬التي‭ ‬توجهونها‭ ‬لكل‭ ‬أسرة‭ ‬مصرية‭ ‬وعربية‭ ‬تسعى‭ ‬لاكتشاف‭ ‬مواهب‭ ‬أبنائها‭ ‬وصقلها‭ ‬بالشكل‭ ‬الصحيح؟

ج‭- ‬ التنوع‭ ‬كان‭ ‬القيمة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬بيتنا،‭ ‬تنوع‭ ‬المواهب،‭ ‬وتنـوع‭ ‬الهويات،‭ ‬وتنـوع‭ ‬التجارب‭. ‬نحن‭ ‬نؤمن‭ ‬بقوة‭ ‬“التعرّض”‭ ‬Exposure‭. ‬نفتح‭ ‬أمام‭ ‬أبنائنا‭ ‬عوالم‭ ‬متعددة،‭ ‬رياضية‭ ‬وفنية‭ ‬وأكاديمية،‭ ‬ثم‭ ‬نراقب‭ ‬أين‭ ‬يلمع‭ ‬شغفهم‭ ‬الحقيقي،‭ ‬محمد‭ ‬كان‭ ‬لاعب‭ ‬جمباز‭ ‬لمدة‭ ‬18‭ ‬عامًا،‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬10 Level،‭ ‬وسجّل‭ ‬رقمًا‭ ‬قياسيًا‭ ‬في‭ ‬مسابقة‭ ‬Mr‭. ‬Handstand‭ ‬بوقفة‭ ‬يد‭ ‬استمرت‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭ ‬وخمس‭ ‬وأربعين‭ ‬ثانية‭. ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬إنجاز‭ ‬موهبة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إنجاز‭ ‬التزام‭ ‬طويل‭ ‬وصبر‭.‬

سيف‭ ‬كان‭ ‬بطل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬الغطس‭ ‬للناشئين،‭ ‬واستمر‭ ‬في‭ ‬التدريب‭ ‬بنفس‭ ‬الانضباط‭ ‬لسنوات‭. ‬وهو‭ ‬أيضًا‭ ‬فنان‭ ‬بطبعه،‭ ‬يحمل‭ ‬حسًا‭ ‬إبداعيًا‭ ‬واضحًا‭.‬

هانيا‭ ‬راقصة‭ ‬باليه‭ ‬موهوبة‭ ‬وعازفة‭ ‬بيانو،‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬“ليالي‭ ‬زمان”‭ ‬وعزفت‭ ‬مع‭ ‬المايسترو‭ ‬عادل‭ ‬إسكندر‭ ‬لمدة‭ ‬عشر‭ ‬دقائق‭ ‬كاملة‭. ‬وهي‭ ‬ملتزمة‭ ‬بتدريبها‭ ‬الفني‭ ‬بجدية‭ ‬منذ‭ ‬طفولتها،‭ ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬الرياضة‭ ‬أو‭ ‬الفن،‭ ‬هو‭ ‬الهوية،‭ ‬في‭ ‬حديثي

“Muslim Enough‭? ‬Egyptian Enough‭? ‬American Enough”

أكدت‭ ‬أننا‭ ‬اكتشفنا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬تعارض‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أبناؤنا‭ ‬مسلمين‭ ‬وأمريكيين‭ ‬ومصريين‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.. ‬الهوية‭ ‬ليست‭ ‬معادلة‭ ‬صفرية‭. ‬يمكن‭ ‬للإنسان‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬جذوره‭ ‬وأجنحته‭ ‬معًا‭.‬

حرصنا‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬نعرّض‭ ‬أبناءنا‭ ‬لأشخاص‭ ‬من‭ ‬خلفيات‭ ‬مختلفة،‭ ‬ومن‭ ‬ديانات‭ ‬وثقافات‭ ‬متنوعة‭. ‬كانوا‭ ‬دائمًا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬مساحات‭ ‬حوار‭ ‬حقيقية‭ ‬وتجارب‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭. ‬لأن‭ ‬التعايش‭ ‬لا‭ ‬يُدرَّس‭ ‬نظريًا،‭ ‬بل‭ ‬يُعاش‭ ‬يوميًا،‭ ‬نصيحتي‭ ‬لكل‭ ‬أسرة‭ ‬عربية‭:‬

عرّضوا‭ ‬أبناءكم‭ ‬لتجارب‭ ‬متنوعة،‭ ‬ولأشخاص‭ ‬مختلفين‭ ‬عنهم‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬والثقافة‭ ‬والخلفية،‭ ‬لا‭ ‬تحصروهم‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬واحدة‭.‬

ثم‭ ‬عندما‭ ‬تكتشفون‭ ‬شغفهم،‭ ‬استثمروا‭ ‬فيه‭ ‬بثبات‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭.‬

الموهبة‭ ‬تحتاج‭ ‬مساحة‭. ‬والهوية‭ ‬تحتاج‭ ‬ثقة‭.‬

س‭- ‬ كيف‭ ‬أثّرت‭ ‬الأمومة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬رؤيتك‭ ‬القيادية‭ ‬والإنسانية؟

ج‭ – ‬الأمومة‭ ‬كانت‭ ‬التحول‭ ‬الأعمق‭ ‬في‭ ‬حياتي،‭ ‬كإمرأة‭ ‬مهاجرة،‭ ‬مسلمة،‭ ‬وأم‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬آلاف‭ ‬الأميال‭ ‬من‭ ‬عائلتها،‭ ‬كنت‭ ‬أسأل‭ ‬نفسي‭ ‬يوميًا‭: ‬هل‭ ‬أنا‭ ‬مسلمة‭ ‬بما‭ ‬يكفي؟‭ ‬هل‭ ‬أنا‭ ‬مصرية‭ ‬بما‭ ‬يكفي؟‭ ‬هل‭ ‬أنا‭ ‬أمريكية‭ ‬بما‭ ‬يكفي؟

هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬صراعًا،‭ ‬بل‭ ‬رحلة‭ ‬وعي‭. ‬الأمومة‭ ‬أجبرتني‭ ‬أن‭ ‬أواجه‭ ‬هويتي‭ ‬بصدق،‭ ‬لأنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعيشها‭ ‬لنفسي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أنقلها‭ ‬لأبنائي‭. ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تناقض‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬مسلمين‭ ‬وأمريكيين‭ ‬ومصريين‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬الهوية‭ ‬ليست‭ ‬اختيارًا‭ ‬أحاديًا،‭ ‬بل‭ ‬تكاملًا،‭ ‬الأمومة‭ ‬جعلتني‭ ‬أكثر‭ ‬إنسانية‭ ‬وأقل‭ ‬حكمًا‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬تعلمت‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬ليست‭ ‬صوتًا‭ ‬عاليًا،‭ ‬بل‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭. ‬ليست‭ ‬فرض‭ ‬قناعة،‭ ‬بل‭ ‬تمكين‭ ‬إنسان‭ ‬ليكون‭ ‬هو‭. ‬كأم،‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬السرد‭ ‬مهم‭. ‬لهذا‭ ‬كرّست‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬حياتي‭ ‬لكسر‭ ‬الصور‭ ‬النمطية،‭ ‬وتغيير‭ ‬السرديات،‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬أسميه‭ ‬اليوم‭ ‬“تشويش‭ ‬السرديات” Disrupting Narratives‭. ‬الأمومة‭ ‬لم‭ ‬تُبطئ‭ ‬مسيرتي‭. ‬بل‭ ‬عمّقتها‭. ‬جعلتني‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬أقوى‭ ‬أشكال‭ ‬القيادة‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬البيت،‭ ‬ثم‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭.‬

س –  ‬متى‭ ‬أدركتِ‭ ‬أن‭ ‬دوركِ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الإطار‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬بل‭ ‬تطوّر‭ ‬ليحمل‭ ‬رسالة‭ ‬مجتمعية‭ ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬أوسع‭ ‬وأعمق؟

ج‭- ‬ أدركت‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬بدأت‭ ‬ألاحظ‭ ‬أن‭ ‬وجودي‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬يحمل‭ ‬رسالة،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬فقط‭ ‬أكاديمية‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬جامعية‭.‬

كنت‭ ‬امرأة‭ ‬مسلمة،‭ ‬مصرية،‭ ‬محجبة،‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬قيادي‭ ‬داخل‭ ‬مؤسسة‭ ‬أمريكية،‭ ‬وكنت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المساحات‭ ‬“الأولى”‭ ‬من‭ ‬نوعي‭. ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬كنت‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬عملي‭ ‬هو‭ ‬تطوير‭ ‬برامج،‭ ‬وبناء‭ ‬استراتيجيات،‭ ‬وجمع‭ ‬تمويل،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭.. ‬بدأت‭ ‬أسمع‭ ‬التعليقات،‭ ‬وألاحظ‭ ‬الصور‭ ‬النمطية،‭ ‬وأرى‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬تكون‭ ‬المرأة‭ ‬المسلمة،‭ ‬ومن‭ ‬يكون‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬الخارج‭.‬

هنا‭ ‬تحوّل‭ ‬الدور‭.. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬إدارة‭ ‬مبادرات‭ ‬أكاديمية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تغيير‭ ‬سرديات‭.‬

بدأت‭ ‬أعي‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أمثل‭ ‬نفسي‭ ‬وحدي‭. ‬أصبحت‭ ‬أعمل‭ ‬بوعي‭ ‬على‭ ‬كسر‭ ‬المفاهيم‭ ‬الخاطئة،‭ ‬وتمكين‭ ‬النساء‭ ‬المسلمات‭ ‬والمصريات،‭ ‬وإظهار‭ ‬صورة‭ ‬مختلفة،‭ ‬صورة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الإيمان،‭ ‬والاحتراف،‭ ‬والقيادة،‭ ‬والاندماج‭.. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬وُلد‭ ‬شغفي‭ ‬بما‭ ‬أسميه‭ ‬اليوم‭: ‬Changing Narratives‭.‬

ثم‭ ‬تطوّر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أعمق‭: ‬Disrupting Narratives‭. ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬قوة،‭ ‬لكن‭ ‬السرد‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يشكّل‭ ‬الوعي‭.‬

 

 

ثانيًا‭ :‬القيادة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭:‬

س‭ – ‬بصفتكِ‭ ‬نائب‭ ‬عميد‭ ‬المكتبات‭ ‬لشؤون‭ ‬مبادرات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بجامعة‭ ‬شابمان،‭ ‬كيف‭ ‬توازنين‭ ‬بين‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والقيم‭ ‬الإنسانية؟

ج‭ – ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كبديل‭ ‬عن‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬كأداة‭ ‬تكشف‭ ‬من‭ ‬نحن‭.. ‬التكنولوجيا‭ ‬بطبيعتها‭ ‬محايدة،‭ ‬لكن‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬نُدخلها‭ ‬فيها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬اتجاهها‭. ‬في‭ ‬عملي،‭ ‬أتعامل‭ ‬مع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كقوة‭ ‬مضاعِفة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تضاعف‭ ‬الإبداع،‭ ‬أو‭ ‬تضاعف‭ ‬التحيّز‭. ‬لهذا‭ ‬أضع‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬دائمًا‭.‬

ونركّز‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬AI Literacy‭ ‬‭- ‬محو‭ ‬الأمية‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬لا‭ ‬نعلّم‭ ‬فقط‭ ‬كيف‭ ‬نستخدم‭ ‬الأداة،‭ ‬بل‭ ‬كيف‭ ‬نفكر‭ ‬حولها‭. ‬كيف‭ ‬نقيّم‭ ‬المخرجات‭. ‬كيف‭ ‬نفهم‭ ‬التحيّز‭. ‬كيف‭ ‬نسأل‭: ‬من‭ ‬صمّم‭ ‬هذا‭ ‬النظام؟‭ ‬ولصالح‭ ‬من؟‭ ‬ومن‭ ‬قد‭ ‬يتم‭ ‬إقصاؤه؟

التوازن‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭:‬

أولًا‭:‬ الحوكمة‭: ‬لا‭ ‬نستخدم‭ ‬أداة‭ ‬لمجرد‭ ‬أنها‭ ‬متاحة،‭ ‬بل‭ ‬نسأل‭: ‬ما‭ ‬أثرها؟‭ ‬ما‭ ‬مخاطرها؟‭ ‬من‭ ‬قد‭ ‬تُقصي؟

ثانيًا‭:‬ الثقافة‭: ‬نعلّم‭ ‬طلابنا‭ ‬وأعضاء‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس‭ ‬أن‭ ‬يتعاملوا‭ ‬مع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بوعي‭ ‬نقدي،‭ ‬لا‭ ‬بانبهار‭ ‬أعمى‭.‬

ثالثًا‭ :‬الكرامة‭ ‬الإنسانية‭: ‬أي‭ ‬مبادرة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تحترم‭ ‬الخصوصية،‭ ‬والعدالة،‭ ‬وإمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬للجميع‭.‬

أنا‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬المكتبات‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬استبدال‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تمكينه‭. ‬والتحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬متقدمين‭ ‬تقنيًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬متقدمين‭ ‬أخلاقيًا‭ ‬أيضًا‭.‬

س‭ – ‬ما‭ ‬أكبر‭ ‬تحدٍ‭ ‬تواجهينه‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬ثقافة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بشكل‭ ‬أخلاقي‭ ‬ومتاح‭ ‬للجميع؟

ج‭ – ‬أكبر‭ ‬تحدٍ‭ ‬هو‭ ‬الافتراض‭.. ‬الافتراض‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬“تعرف”،‭ ‬أنهم‭ ‬يفهمون‭ ‬كيف‭ ‬يعمل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬أنهم‭ ‬يميزون‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والتوليد‭. ‬أنهم‭ ‬يدركون‭ ‬التحيّزات‭ ‬والخوارزميات‭ ‬والخلفيات‭ ‬التقنية‭.‬‭ ‬هذا‭ ‬الافتراض‭ ‬خطير‭. ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬يَستخدم‭ ‬فيها‭ ‬الجميع‭ ‬الأدوات،‭ ‬لكن‭ ‬قلة‭ ‬فقط‭ ‬تفهم‭ ‬السياق‭. ‬هناك‭ ‬انبهار،‭ ‬وهناك‭ ‬خوف،‭ ‬لكن‭ ‬بينهما‭ ‬مساحة‭ ‬مفقودة‭ ‬اسمها‭ ‬الوعي‭. ‬التحدي‭ ‬ليس‭ ‬توفير‭ ‬الأداة،‭ ‬الأدوات‭ ‬متاحة‭.. ‬التحدي‭ ‬هو‭ ‬بناء‭ ‬ثقافة‭.. ‬ثقافة‭ ‬تسأل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تستخدم‭.. ‬تتحقق‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنشر‭.. ‬وتفهم‭ ‬أن‭ ‬السرعة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الدقة‭. ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ينتشر‭ ‬بسرعة،‭ ‬لكن‭ ‬الثقافة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬لا‭ ‬تنتشر‭ ‬بنفس‭ ‬السرعة‭.‬

مهمتي‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬أبطئ‭ ‬الإيقاع‭ ‬قليلًا،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يسبق‭ ‬الاستخدامُ‭ ‬الفهمَ‭.‬

س‭- ‬ كيف‭ ‬ترين‭ ‬مستقبل‭ ‬المكتبات‭ ‬الورقية‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي؟‭ ‬وهل‭ ‬سيتحول‭ ‬دورها‭ ‬من‭ ‬مستودع‭ ‬للمعلومة‭ ‬إلى‭ ‬حاضنة‭ ‬للحوار‭ ‬النقدي‭ ‬والتفكير‭ ‬التحليلي؟‭ ‬وهل‭ ‬باتت‭ ‬المكتبات‭ ‬مهددة‭ ‬بالاندثار‭ ‬بالفعل؟

ج‭ – ‬المكتبات‭ ‬وُجدت‭ ‬قبل‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭.. ‬قبل‭ ‬الطباعة‭.. ‬قبل‭ ‬الإنترنت‭.‬

وقبل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬هي‭ ‬لم‭ ‬ترتبط‭ ‬يومًا‭ ‬بتنسيق‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬بفكرة‭ ‬واحدة‭: ‬تنظيم‭ ‬المعرفة‭ ‬وإتاحتها‭ ‬بعدل‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬صناعة‭ ‬النشر‭ ‬تتغير،‭ ‬وأن‭ ‬الأشكال‭ ‬الورقية‭ ‬تتراجع‭ ‬أحيانًا‭ ‬لصالح‭ ‬الرقمية،‭ ‬لكن‭ ‬القراءة‭ ‬لم‭ ‬تختفِ‭. ‬بل‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬نفسها‭.‬

كما‭ ‬تطورت‭ ‬المكتبات‭ ‬من‭ ‬ألواح‭ ‬طينية‭ ‬إلى‭ ‬مخطوطات،‭ ‬ومن‭ ‬مخطوطات‭ ‬إلى‭ ‬كتب‭ ‬مطبوعة،‭ ‬ومن‭ ‬كتب‭ ‬مطبوعة‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬بيانات‭ ‬رقمية،‭ ‬ستتطور‭ ‬اليوم‭ ‬أيضًا‭.‬

المكتبات‭ ‬الورقية‭ ‬ليست‭ ‬مهددة‭ ‬بالاندثار،‭ ‬بل‭ ‬مدعوة‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دورها‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬مستودعًا‭ ‬للمعلومة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬حاضنة‭ ‬للحوار‭ ‬النقدي،‭ ‬ومختبرًا‭ ‬لمحو‭ ‬الأمية‭ ‬المعلوماتية،‭ ‬ومركزًا‭ ‬لمحو‭ ‬الأمية‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يجعل‭ ‬الوصول‭ ‬للمعلومة‭ ‬أسرع،‭ ‬لكن‭ ‬يجعل‭ ‬الحاجة‭ ‬للتحقق‭ ‬أعمق،‭ ‬وما‭ ‬دام‭ ‬هناك‭ ‬بشر‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬التفكير،‭ ‬وإلى‭ ‬مساحة‭ ‬آمنة‭ ‬للنقاش،‭ ‬وإلى‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬للثقة،‭ ‬ستستمر‭ ‬المكتبات‭. ‬ربما‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭.. ‬لكنها‭ ‬ستبقى‭.‬

س‭ – ‬كيف‭ ‬تعملين‭ ‬على‭ ‬تمكين‭ ‬الطلاب‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬رهبة‭ ‬التحول‭ ‬التكنولوجي‭ ‬المتسارع،‭ ‬وتحويل‭ ‬هذا‭ ‬القلق‭ ‬إلى‭ ‬طاقة‭ ‬إيجابية‭ ‬تدفعهم‭ ‬نحو‭ ‬الابتكار‭ ‬والتكيّف؟‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التسارع‭ ‬الرقمي،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬مواكبة‭ ‬المشهد‭ ‬الجديد‭ ‬والاستفادة‭ ‬منه‭ ‬بذكاء؟‭ ‬وهل‭ ‬تتوقعين‭ ‬أن‭ ‬تعتمد‭ ‬صحيفة‭ ‬مثل‭ ‬Charisma Newspaper‭ ‬مستقبلًا‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬منصاتها‭ ‬الرقمية‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬النسخة‭ ‬الورقية؟

ج‭ – ‬أولًا،‭ ‬مع‭ ‬الطلاب‭: ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬طبيعي‭. ‬لكنني‭ ‬أذكّرهم‭ ‬دائمًا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬ظن‭ ‬أن‭ ‬أداته‭ ‬الجديدة‭ ‬“مخيفة”‭.‬

ما‭ ‬نفعله‭ ‬هو‭ ‬تحويل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬غامض‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬مفهوم،‭ ‬نُدخله‭ ‬إلى‭ ‬قاعة‭ ‬الدرس‭.. ‬نناقشه‭ ‬علنًا‭.. ‬نجرّبه‭ ‬معًا‭.. ‬نعلّمهم‭ ‬أن‭ ‬يسألوا‭: ‬كيف‭ ‬يعمل؟‭ ‬أين‭ ‬يخطئ؟‭ ‬كيف‭ ‬أستخدمه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أفقد‭ ‬صوتي؟‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬الغموض‭ ‬إلى‭ ‬فهم،‭ ‬يتحوّل‭ ‬القلق‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭.‬

نركّز‭ ‬على‭ ‬مهارات‭ ‬ثلاث‭:‬

التفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬التحقق،‭ ‬والإبداع‭ ‬البشري‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬نسخه‭.‬

الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬قد‭ ‬يكتب،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬للإعلام،‭ ‬فالمعادلة‭ ‬واضحة‭: ‬السرعة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭. ‬الجودة‭ ‬هي‭ ‬الميزة‭.. ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬التي‭ ‬ستنجو‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تبني‭ ‬هوية‭ ‬تحريرية‭ ‬قوية،‭ ‬وتستخدم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لتوسيع‭ ‬الوصول،‭ ‬لا‭ ‬لتخفيف‭ ‬المعايير،‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬ضرورية،‭ ‬لكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬عليها‭ ‬دون‭ ‬استراتيجية‭ ‬يعني‭ ‬الخضوع‭ ‬لخوارزميات‭ ‬لا‭ ‬تملكها‭.‬

بالنسبة‭ ‬لصحيفة‭ ‬مثل‭ ‬Charisma،‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭: ‬ورقي‭ ‬أم‭ ‬رقمي؟‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭: ‬ما‭ ‬القيمة‭ ‬التي‭ ‬نقدمها؟

النسخة‭ ‬الورقية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬منتجًا‭ ‬معمّقًا،‭ ‬تحليليًا،‭ ‬قابلًا‭ ‬للحفظ‭.‬

والمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مساحة‭ ‬حوار‭ ‬حيّ‭ ‬وتفاعل‭ ‬مباشر‭.‬

المستقبل‭ ‬ليس‭ ‬إلغاء‭ ‬أحد‭ ‬الشكلين،‭ ‬بل‭ ‬دمجهما‭ ‬بذكاء‭. ‬كما‭ ‬في‭ ‬المكتبات،‭ ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬الوسيط‭.. ‬القضية‭ ‬هي‭ ‬الثقة‭.‬

س‭- ‬ في‭ ‬ظل‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬المتسارع‭ ‬وتطور‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬كيف‭ ‬تغيّر‭ ‬نموذج‭ ‬مكتبتكم‭ ‬الجامعية؟‭ ‬وهل‭ ‬ما‭ ‬زلتم‭ ‬توفرون‭ ‬الكتب‭ ‬الورقية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المصادر‭ ‬الإلكترونية؟‭ ‬وهل‭ ‬أثّر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬على‭ ‬هيكل‭ ‬الكوادر‭ ‬داخل‭ ‬المكتبة،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬الموظفين‭ ‬لصالح‭ ‬الحلول‭ ‬التقنية؟

ج‭- ‬ عندما‭ ‬سألنا‭ ‬طلابنا‭: ‬كيف‭ ‬تتخيلون‭ ‬“مكتبة‭ ‬المستقبل”؟

لم‭ ‬يقولوا‭ ‬شاشات‭ ‬أكبر‭. ‬ولا‭ ‬أجهزة‭ ‬أكثر‭. ‬ولا‭ ‬تصميمًا‭ ‬يشبه

‭ ‬Apple Store‭ ‬أو‭ ‬Microsoft Store،‭ ‬قالوا‭: ‬نريد‭ ‬مكاتب‭ ‬خشبية،‭ ‬نريد‭ ‬دفء‭ ‬المكتبات‭ ‬القديمة‭.. ‬نريد‭ ‬الإحساس‭ ‬بالتركيز‭ ‬والهدوء‭.. ‬هذا‭ ‬كان‭ ‬درسًا‭ ‬مهمًا،‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نحول‭ ‬المكتبة‭ ‬إلى‭ ‬صالة‭ ‬عرض‭ ‬تكنولوجية‭. ‬بل‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬روحها،‭ ‬ونضيف‭ ‬إليها‭ ‬أدوات‭ ‬العصر‭. ‬نعم،‭ ‬نوفر‭ ‬المصادر‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وأدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

لكننا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬الكتب‭ ‬الورقية،‭ ‬ومساحات‭ ‬القراءة‭ ‬العميقة،‭ ‬والشعور‭ ‬بالانتماء‭.‬

المكتبة‭ ‬ليست‭ ‬منافسًا‭ ‬لشركات‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬هي‭ ‬بديل‭ ‬إنساني‭ ‬لها‭.‬

نموذجنا‭ ‬اليوم‭ ‬هجين‭ ‬ومرن‭. ‬لدينا‭ ‬بنية‭ ‬رقمية‭ ‬متقدمة،‭ ‬وقواعد‭ ‬بيانات،‭ ‬وأدوات‭ ‬تحليل،‭ ‬وبرامج‭ ‬AI literacy‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬نصمم‭ ‬المساحات‭ ‬لتدعم‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬والحوار،‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬السريع‭ ‬للمعلومة‭.‬

أما‭ ‬بخصوص‭ ‬الكوادر،‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نستبدل‭ ‬البشر‭ ‬بالتقنية‭.. ‬نطوّر‭ ‬أدوارهم،‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬تتولى‭ ‬المهام‭ ‬الروتينية،‭ ‬لكن‭ ‬التفكير،‭ ‬والإرشاد،‭ ‬وبناء‭ ‬الثقة،‭  ‬تبقى‭ ‬مهام‭ ‬بشرية‭.‬

ما‭ ‬تغيّر‭ ‬ليس‭ ‬عدد‭ ‬الموظفين،‭ ‬بل‭ ‬نوع‭ ‬المهارات،‭ ‬أصبحنا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خبراء‭ ‬في‭ ‬البيانات،‭ ‬وفي‭ ‬الأخلاقيات‭ ‬الرقمية،‭ ‬وفي‭ ‬دعم‭ ‬البحث‭ ‬المتقدم‭.‬

مكتبة‭ ‬المستقبل‭ ‬ليست‭ ‬أكثر‭ ‬رقمية‭.. ‬بل‭ ‬أكثر‭ ‬إنسانية‭.‬

س –   ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظركم،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬روّاد‭ ‬المكتبات‭ ‬والطلبة‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬لتطوير‭ ‬مهاراتهم‭ ‬والاستفادة‭ ‬القصوى‭ ‬من‭ ‬خدمات‭ ‬المكتبات‭ ‬الحديثة،‭ ‬بما‭ ‬يواكب‭ ‬التحولات‭ ‬الرقمية‭ ‬وتسارع‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي؟

ج‭ – ‬أولًا‭: ‬غيّروا‭ ‬نظرتكم‭ ‬للمكتبة‭. ‬المكتبة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مكانًا‭ ‬تذهب‭ ‬إليه‭ ‬فقط‭ ‬عندما‭ ‬تحتاج‭ ‬كتابًا‭. ‬هي‭ ‬شريك‭ ‬استراتيجي‭ ‬في‭ ‬مسيرتكم‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والمهنية‭.‬

ثانيًا‭:‬ استثمروا‭ ‬في‭ ‬AI Literacy‭. ‬لا‭ ‬تكتفوا‭ ‬باستخدام‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬تعلّموا‭ ‬كيف‭ ‬تعمل،‭ ‬كيف‭ ‬تخطئ،‭ ‬كيف‭ ‬تتحيز،‭ ‬وكيف‭ ‬تستخدمونها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقدوا‭ ‬صوتكم‭. ‬اسألوا‭ ‬دائمًا‭: ‬هل‭ ‬هذه‭ ‬المعلومة‭ ‬دقيقة؟‭ ‬ما‭ ‬مصدرها؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يُذكر؟

ثالثًا‭:‬ طوّروا‭ ‬مهارات‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬والبحث‭ ‬العميق‭. ‬في‭ ‬عصر‭ ‬السرعة،‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحليل،‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬الوصول‭.‬

رابعًا‭:‬ ابنوا‭ ‬علاقة‭ ‬مع‭ ‬أمناء‭ ‬المكتبات‭. ‬تواصلوا‭ ‬معهم‭. ‬اطلبوا‭ ‬إرشادًا‭.‬

استفيدوا‭ ‬من‭ ‬ورش‭ ‬العمل،‭ ‬ومن‭ ‬قواعد‭ ‬البيانات،‭ ‬ومن‭ ‬المساحات‭ ‬الحوارية‭.‬

وأخيرًا‭: ‬حافظوا‭ ‬على‭ ‬التوازن‭. ‬استخدموا‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تسمحوا‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تستخدمكم‭.‬

المستقبل‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬لمن‭ ‬يعرف‭ ‬الأداة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬لمن‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يفكر‭.‬

 

 

ثالثًا‭ :‬التنوع‭ ‬والاندماج‭ ‬والحوار‭ ‬بين‭ ‬الأديان:

س‭- ‬ قدتِ‭ ‬مبادرات‭ ‬متنوعة‭ ‬ومختلفة‭ ‬وجمعتِ‭ ‬تمويلًا‭ ‬ضخمًا‭ ‬لمشروعات‭ ‬بين‭ ‬الأديان،‭ ‬ما‭ ‬الدافع‭ ‬الداخلي‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬التوجه؟

ج‭ – ‬بصراحة،‭ ‬الدافع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تنظيريًا‮…‬‭ ‬كان‭ ‬واقعيًا‭ ‬جدًا‭.‬

عندما‭ ‬كنت‭ ‬أول‭ ‬امرأة‭ ‬مسلمة‭ ‬محجبة‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬مبادرات‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المساحات،‭ ‬بدأت‭ ‬أواجه‭ ‬أسئلة‭ ‬مباشرة‭ ‬وأحيانًا‭ ‬جارحة‭.‬

“كيف‭ ‬تعملين‭ ‬مع‭ ‬غير‭ ‬المسلمين؟”،‭ ‬“ألا‭ ‬تشعرين‭ ‬بعدم‭ ‬الارتياح؟”

“لماذا‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه؟”‭ ‬ووصل‭ ‬الأمر‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬رسائل‭ ‬كراهية‭.‬

في‭ ‬البداية‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬صادمًا،‭ ‬لكنني‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬سوء‭ ‬فهم‭ ‬عميق،‭ ‬لا‭ ‬عداء‭ ‬حقيقي‭ ‬دائمًا‭.‬

وهنا‭ ‬أصبح‭ ‬الدافع‭ ‬واضحًا‭: ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬أنا،‭ ‬بكل‭ ‬ثقتي‭ ‬وتعليمي‭ ‬وتجربتي،‭ ‬أُساء‭ ‬قراءتي…‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬امرأة‭ ‬أخرى‭ ‬تُساء‭ ‬قراءتها‭ ‬في‭ ‬صمت؟

لم‭ ‬أرد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬ردّة‭ ‬فعل‭. ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬نموذجًا‭ ‬مختلفًا،‭ ‬اخترت‭ ‬أن‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬المساحات‭ ‬التي‭ ‬يظن‭ ‬البعض‭ ‬أنني‭ ‬“لا‭ ‬أنتمي”‭ ‬إليها،‭ ‬لأثبت‭ ‬أن‭ ‬الانتماء‭ ‬لا‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬نمطية‭. ‬الدافع‭ ‬كان‭ ‬بسيطًا‭:‬

أن‭ ‬أحوّل‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬إلى‭ ‬حوار‭.. ‬والخوف‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭.. ‬والكراهية‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬لكسر‭ ‬السردية‭.. ‬أحيانًا‭ ‬أفضل‭ ‬طريقة‭ ‬للرد‭ ‬ليست‭ ‬الدفاع،‭ ‬بل‭ ‬الاستمرار‭ ‬بثبات‭.‬

س‭ – ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للحوار‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬أداة‭ ‬لبناء‭ ‬الثقة‭ ‬المجتمعية‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬نشاطًا‭ ‬رمزيًا‭ ‬ظاهرياً؟

ج‭- ‬ عندما‭ ‬يتحول‭ ‬مجتمع‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬أصدقاء…‭ ‬عندها‭ ‬يصبح‭ ‬حقيقيًا‭.‬

أنا‭ ‬لدي‭ ‬أصدقاء‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا،‭ ‬لسنا‭ ‬فقط‭ ‬زملاء‭ ‬في‭ ‬مبادرة‭. ‬نحن‭ ‬أصدقاء‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬أعرف‭ ‬متى‭ ‬يصوم‭ ‬أصدقائي‭ ‬المسيحيون،‭ ‬وأحتفل‭ ‬معهم‭ ‬بعيد‭ ‬الميلاد‭ ‬والفصح‭. ‬أشارك‭ ‬أصدقائي‭ ‬اليهود‭ ‬فرحتهم‭ ‬في‭ ‬حانوكا‭ ‬والفصح‭ ‬اليهودي‭.‬

أهنئ‭ ‬أصدقائي‭ ‬الهندوس‭ ‬في‭ ‬ديوالي،‭ ‬وأشارك‭ ‬أصدقائي‭ ‬البوذيين‭ ‬في‭ ‬مناسباتهم‭ ‬الروحية،‭ ‬وأتعلم‭ ‬من‭ ‬أصدقائي‭ ‬السيخ‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬الخدمة‭ ‬والتواضع‭.‬

هذا‭ ‬ليس‭ ‬“نشاطًا”‭. ‬هذا‭ ‬علاقة‭. ‬الحوار‭ ‬يصبح‭ ‬أداة‭ ‬لبناء‭ ‬الثقة‭ ‬عندما‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬القاعة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭.‬

عندما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬إصدار‭ ‬بيان،‭ ‬بل‭ ‬مشاركة‭ ‬إنسانية‭ ‬حقيقية‭.‬

الثقة‭ ‬تُبنى‭ ‬عندما‭ ‬نعرف‭ ‬تفاصيل‭ ‬بعضنا‭ ‬البعض‭.‬

عندما‭ ‬نحضر‭ ‬لبعضنا‭.. ‬عندما‭ ‬نكون‭ ‬موجودين‭ ‬في‭ ‬الفرح‭ ‬والحزن‭.‬

الحوار‭ ‬الرمزي‭ ‬ينتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬الحدث‭.. ‬أما‭ ‬الحوار‭ ‬الحقيقي،‭ ‬فيستمر‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا.. وأكثر‭.‬

س‭ – ‬ما‭ ‬أكثر‭ ‬تجربة‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬تركت‭ ‬أثرًا‭ ‬عميقًا‭ ‬فيكِ‭ ‬شخصيًا؟

ج‭- ‬ من‭ ‬أكثر‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬أثّرت‭ ‬فيّ‭ ‬بعمق،‭ ‬كانت‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬أُنسّق‭ ‬معرضًا‭ ‬يحكي‭ ‬قصة‭ ‬الشعب‭ ‬اليهودي‭. ‬بعد‭ ‬الافتتاح،‭ ‬اقترب‭ ‬مني‭ ‬أحد‭ ‬الحضور‭ ‬وقال‭: ‬“امرأة‭ ‬مسلمة‭ ‬ترتدي‭ ‬الحجاب،‭ ‬تُنسّق‭ ‬معرضًا‭ ‬عن‭ ‬اليهود،‭ ‬وتعمل‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬مسيحية…‭ ‬هذه‭ ‬لحظة‭ ‬قوية‭.‬”‭ ‬توقفت‭ ‬عند‭ ‬كلماته‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬تذكرت‭ ‬أمي‭… ‬تذكرت‭ ‬كيف‭ ‬ربّتني‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬التصنيف،‭ ‬وعلى‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬لا‭ ‬يُلغي‭ ‬الكرامة‭.‬

وتذكرت‭ ‬تعاليمي‭ ‬الإسلامية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المحبة،‭ ‬والقبول،‭ ‬والتعارف‭.. ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬أفعله‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬معرض‭.‬

كان‭ ‬تجسيدًا‭ ‬لقيم‭ ‬تربيتُ‭ ‬عليها‭ ‬منذ‭ ‬طفولتي،‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬أكدت‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬التعايش‭ ‬ليس‭ ‬شعارًا‭.. ‬هو‭ ‬ممارسة‭ ‬يومية‭.. ‬وأن‭ ‬الهوية‭ ‬القوية‭ ‬لا‭ ‬تخاف‭ ‬من‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬الآخر‭. ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬صمت‭ ‬داخلي‭ ‬عميق…‭ ‬وشعور‭ ‬بأنني‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬الصحيح،‭ ‬أقوم‭ ‬بالعمل‭ ‬الصحيح‭.‬

س‭ – ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاستقطاب‭ ‬المجتمعي‭ ‬عالميًا‭ ‬والإختلاف‭ ‬بين‭ ‬الثقافات،‭ ‬كيف‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الاحترام‭ ‬المشترك؟

ج‭ – ‬أول‭ ‬خطوة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬نتعلّم‭ ‬الاستماع‭.. ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما،‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬آخذ‭ ‬دورة‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬مهارة‭ ‬الاستماع‭ ‬ليس‭ ‬لأنني‭ ‬لا‭ ‬أسمع،‭ ‬بل‭ ‬لأنني‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬أتعلم‭ ‬كيف‭ ‬أستمع‭ ‬بعمق،‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬أغلبنا‭ ‬لا‭ ‬يستمع‭ ‬ليفهم،

بل‭ ‬ليستعد‭ ‬للرد‭.‬

في‭ ‬عالم‭ ‬مستقطَب،‭ ‬الاستماع‭ ‬يصبح‭ ‬فعل‭ ‬شجاعة‭. ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬الآخر‭ ‬مساحة‭ ‬كاملة‭ ‬ليعبّر،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقاطعه،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬تصنّفه‭ ‬فورًا‭.‬

لغة‭ ‬الاحترام‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالاتفاق،‭ ‬بل‭ ‬بالإنصات‭. ‬وعندما‭ ‬يشعر‭ ‬الإنسان‭ ‬أنه‭ ‬مسموع،‭ ‬ينخفض‭ ‬مستوى‭ ‬التوتر،‭ ‬ويصبح‭ ‬الحوار‭ ‬ممكنًا‭.‬

الاحترام‭ ‬المشترك‭ ‬ليس‭ ‬مجاملة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬مهارة‭ ‬نتدرّب‭ ‬عليها‭ ‬بوعي‭.‬

س‭- ‬ كيف‭ ‬توازنين‭ ‬بين‭ ‬الانتماء‭ ‬لهويتكِ‭ ‬الثقافية‭ ‬والدينية‭ ‬الخاصة‭ ‬وبين‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬متعددة‭ ‬الخلفيات‭ ‬والجنسيات‭ ‬والديانات؟

ج‭ – ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬صراعًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬بين‭ ‬هويتي‭ ‬وعملي‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬متعددة‭. ‬الإسلام‭ ‬بخلاف‭ ‬ما‭ ‬يعتقده‭ ‬كثيرون،‭ ‬دين‭ ‬متوافق‭ ‬مع‭ ‬الحداثة،‭ ‬وقابل‭ ‬للتكيّف،‭ ‬وفي‭ ‬جوهره‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬العدالة،‭ ‬والرحمة،‭ ‬والتعارف‭.‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الدين،‭ ‬بل‭ ‬أحيانًا‭ ‬في‭ ‬الصور‭ ‬النمطية‭ ‬عنه‭. ‬وكوني‭ ‬مصرية،‭ ‬ونشأتي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬امتيازًا‭ ‬ثقافيًا‭. ‬المنطقة‭ ‬بطبيعتها‭ ‬متعددة‭: ‬مسلمين‭ ‬ومسيحيين،‭ ‬ثقافات‭ ‬ولهجات‭ ‬وخلفيات‭ ‬متنوعة‭. ‬كبرتُ‭ ‬وأنا‭ ‬أتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬كأمر‭ ‬طبيعي،‭ ‬لا‭ ‬استثناء‭. ‬هذا‭ ‬التعرض‭ ‬المبكر‭ ‬للاختلاف‭ ‬جعلني‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭.‬

عندما‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬أمريكية‭ ‬متعددة‭ ‬الخلفيات،‭ ‬لم‭ ‬أشعر‭ ‬أنني‭ ‬أدخل‭ ‬عالمًا‭ ‬غريبًا،‭ ‬بل‭ ‬عالمًا‭ ‬أوسع‭. ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أُخفف‭ ‬هويتي‭ ‬لأندمج،‭ ‬ولا‭ ‬أُضخمها‭ ‬لأثبت‭ ‬نفسي‭. ‬أعيشها‭ ‬بثقة‭ ‬وهدوء،‭ ‬وعندما‭ ‬تكون‭ ‬هويتك‭ ‬واضحة‭ ‬لك،‭ ‬لا‭ ‬تشعر‭ ‬بالحاجة‭ ‬للدفاع‭ ‬عنها‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭. ‬تصبح‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬الجميع‭ ‬دون‭ ‬توتر‭ ‬داخلي،‭ ‬التوازن‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬ليس‭ ‬تنازلًا‭ ‬بل‭ ‬وعي‭ ‬بأن‭ ‬القيم‭ ‬الأساسية‭.. ‬النزاهة،‭ ‬الكرامة،‭ ‬الاحترام‭ ‬قيم‭ ‬إنسانية‭ ‬مشتركة‭.‬

وعندما‭ ‬نتحرك‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المساحة،‭ ‬نكتشف‭ ‬أن‭ ‬المسافة‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬الآخر‭ ‬أقصر‭ ‬مما‭ ‬نتصور‭.‬

س‭- ‬ هل‭ ‬تعتقدين‭ ‬أن‭ ‬الجامعات‭ ‬أو‭ ‬المدارس‭ ‬اليوم‭ ‬تقوم‭ ‬بدورها‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬التعددية؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فجوة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬وخصوصاً‭ ‬فى‭ ‬الدول‭ ‬العربية؟

ج‭- ‬ أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الجواب‭ ‬ليس‭ ‬أبيض‭ ‬أو‭ ‬أسود‭. ‬هناك‭ ‬جهد‭ ‬حقيقي‭ ‬يُبذل‭.‬

والتغيير‭ ‬موجود،‭ ‬أنا‭ ‬أسافر‭ ‬كثيرًا‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وأعمل‭ ‬على‭ ‬مشاريع‭ ‬تعليمية‭ ‬هناك،‭ ‬وعدتُ‭ ‬مؤخرًا‭ ‬من‭ ‬قطر‭. ‬ما‭ ‬أراه‭ ‬بوضوح‭ ‬هو‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمار‭ ‬الضخم‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬والبرامج‭ ‬الدولية،‭ ‬والشراكات‭ ‬العالمية‭. ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬شكليًا،‭ ‬بل‭ ‬استراتيجيًا‭. ‬لكن‭ ‬التعددية‭ ‬ليست‭ ‬قرارًا‭ ‬إداريًا‭ ‬فقط‭. ‬هي‭ ‬ثقافة‭ ‬تتكوّن‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭. ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬مبانٍ‭ ‬حديثة‭ ‬خلال‭ ‬سنوات،‭ ‬لكن‭ ‬بناء‭ ‬عقلية‭ ‬منفتحة‭ ‬يحتاج‭ ‬أجيالًا‭. ‬نعم،‭ ‬هناك‭ ‬فجوات‭. ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬أيضًا‭ ‬حركة‭ ‬حقيقية‭ ‬نحو‭ ‬التغيير‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الصبر،‭ ‬وإلى‭ ‬الثقة،‭ ‬وإلى‭ ‬الإيمان‭ ‬بأن‭ ‬المجتمعات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التطور‭. ‬أنا‭ ‬أرى‭ ‬التحول‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬سريعًا‭ ‬كما‭ ‬يتمنى‭ ‬البعض،‭ ‬لكنه‭ ‬حقيقي‭. ‬والتعددية‭ ‬لا‭ ‬تُفرض‭. ‬هي‭ ‬تنمو‭ ‬عندما‭ ‬يُتاح‭ ‬للناس‭ ‬أن‭ ‬يتعارفوا‭ ‬بأمان‭ ‬وثقة‭.‬

س‭- ‬ ما‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تلعبه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬تعميق‭ ‬الانقسام؟

ج‭- ‬ الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مُعادِلًا‭ ‬Equalizer‭. ‬إذا‭ ‬استُخدم‭ ‬بوعي،‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة،‭ ‬ويكسر‭ ‬حواجز‭ ‬اللغة،‭ ‬ويمنح‭ ‬فرصًا‭ ‬لمن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لديهم‭ ‬المنصات‭ ‬سابقًا‭.‬

الترجمة‭ ‬الفورية،‭ ‬الوصول‭ ‬المفتوح،‭ ‬الأدوات‭ ‬التعليمية‭ ‬المجانية،‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقرّب‭ ‬المسافات‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭. ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمنحنا‭ ‬وقتًا‭. ‬إذا‭ ‬تولّى‭ ‬المهام‭ ‬الروتينية،‭ ‬وخفّف‭ ‬الأعباء‭ ‬الإدارية،‭ ‬فهو‭ ‬يعطينا‭ ‬مساحة‭ ‬لنكون‭ ‬أكثر‭ ‬إنسانية‭. ‬وقتًا‭ ‬للاستماع،‭ ‬وقتًا‭ ‬للحوار،‭ ‬وقتًا‭ ‬لفهم‭ ‬الآخر،‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تصميمها‭ ‬واستخدامها،‭ ‬إذا‭ ‬غذّيناها‭ ‬بالتحيّز،‭ ‬ستضاعفه‭. ‬وإذا‭ ‬غذّيناها‭ ‬بالقيم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تدعمها‭.‬

أنا‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬دورنا‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بل‭ ‬توجيهه‭.‬

عندها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬استقطاب،‭ ‬إلى‭ ‬جسر‭.‬

س‭ – ‬برأيكِ،‭ ‬هل‭ ‬أصبح‭ ‬مفهوم‭ ‬“التنوع”‭ ‬أحيانًا‭ ‬شعارًا‭ ‬مؤسسيًا‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬ممارسة‭ ‬حقيقية؟‭ ‬وكيف‭ ‬نفرّق‭ ‬بين‭ ‬الاثنين؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬للأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬أن‭ ‬تتعلم‭ ‬إدارة‭ ‬الاختلاف‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬هويتها؟

ج‭ – ‬سأكون‭ ‬صريحة‭. ‬رغم‭ ‬أنني‭ ‬عملت‭ ‬لسنوات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬DEI،‭ ‬وكنت‭ ‬مستشارة‭ ‬وخبيرة‭ ‬فيه،‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ ‬جوائز‭ ‬عديدة‭ ‬بسببه‮…‬‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬ناقدة‭ ‬للطريقة‭ ‬التي‭ ‬يُمارس‭ ‬بها‭. ‬أحببت‭ ‬الجوهر،‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أحب‭ ‬دائمًا‭ ‬التنفيذ‭. ‬نعم،‭ ‬“التنوع”‭ ‬أحيانًا‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬شعار‭ ‬مؤسسي‭. ‬كلمات‭ ‬جميلة‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬إلكتروني،‭ ‬وصورة‭ ‬على‭ ‬بروشور،‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬تغيير‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬البنية‭. ‬كيف‭ ‬نفرّق؟

التنوع‭ ‬الحقيقي‭ ‬يُقاس‭ ‬بالسلوك،‭ ‬لا‭ ‬بالشعارات‭. ‬من‭ ‬يجلس‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬القرار؟‭ ‬من‭ ‬يُستمع‭ ‬إليه؟‭ ‬من‭ ‬يُمنح‭ ‬الفرصة؟‭ ‬ومن‭ ‬يُحمى‭ ‬عندما‭ ‬يختلف؟‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬الثقافة‭ ‬الداخلية،‭ ‬فالكلمة‭ ‬تصبح‭ ‬زينة‭.‬

أنا‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬التنوع‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عضويًا‭ ‬،‭  ‬نابعًا‭ ‬من‭ ‬قناعة‭ ‬أخلاقية،‭ ‬لا‭ ‬ضغط‭ ‬سياسي‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬فالسر‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يذوبوا‭ ‬ليُقبلوا،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬ينغلقوا‭ ‬ليحافظوا‭ ‬على‭ ‬هويتهم‭. ‬السر‭ ‬في‭ ‬النضج‭.‬

أن‭ ‬تعرف‭ ‬من‭ ‬أنت‭ ‬بوضوح،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تتعلم‭ ‬كيف‭ ‬تستمع‭ ‬للآخر‭ ‬دون‭ ‬تهديد‭. ‬الهوية‭ ‬القوية‭ ‬لا‭ ‬تخاف‭ ‬من‭ ‬الحوار‭.. ‬والاختلاف‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقدان‭ ‬الذات‭. ‬إذا‭ ‬تعلمنا‭ ‬أن‭ ‬ندير‭ ‬الاختلاف‭ ‬بكرامة،‭ ‬نحوّل‭ ‬التنوع‭ ‬من‭ ‬شعار،‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬يومية‭.‬

س‭- ‬ هل‭ ‬كان‭ ‬الحجاب‭ ‬يومًا‭ ‬عائقًا‭ ‬في‭ ‬طريقكِ‭ ‬المهني‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أم‭ ‬شكّل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬قوتكِ‭ ‬وهويتكِ‭ ‬القيادية؟‭ ‬وكيف‭ ‬تعاملتِ‭ ‬الثقافات‭ ‬المختلفة‭ ‬مع‭ ‬حضوركِ‭ ‬كامرأة‭ ‬مسلمة‭ ‬محجبة‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬المسؤولية؟

ج‭- ‬ الحجاب‭ ‬كان‭ ‬دائمًا‭ ‬Conversation Starter‭. ‬نعم،‭ ‬هو‭ ‬مرئي‭. ‬ونعم،‭ ‬يثير‭ ‬الأسئلة‭. ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أره‭ ‬عائقًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬رأيته‭ ‬فرصة‭. ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬مثل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يُفترض‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬المعيار‭ ‬هو‭ ‬الكفاءة‭   ‬caliber‭.‬

وأنا‭ ‬دائمًا‭ ‬استثمرت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭: ‬تعليمي،‭ ‬تدريبي،‭ ‬تطويري‭ ‬المهني،‭ ‬حضوري‭ ‬المؤسسي‭. ‬بدأت‭ ‬عملي‭ ‬من‭ ‬مواقع‭ ‬بسيطة‭ ‬جدًا‭. ‬عملت‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬أحد‭. ‬من‭ ‬“البدروم”‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬القيادات‭ ‬في‭ ‬مؤسستي‭.‬

ليس‭ ‬بسبب‭ ‬الحجاب،‭ ‬ولا‭ ‬رغم‭ ‬الحجاب،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬العمل‭ ‬الجاد‭. ‬كنت‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬أفضل‭ ‬رد‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬افتراض‭ ‬هو‭ ‬الاحتراف‭. ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬قد‭ ‬يراك‭ ‬أولًا‭ ‬كصورة‭. ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬تعمل‭ ‬بجد،‭ ‬يبدأون‭ ‬في‭ ‬رؤيتك‭ ‬كقيمة‭.‬

الثقافات‭ ‬المختلفة‭ ‬تعاملت‭ ‬معي‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة‭. ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬فضوليات،‭ ‬وأسئلة،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬سوء‭ ‬فهم‭. ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أسمح‭ ‬للحظة‭ ‬واحدة‭ ‬أن‭ ‬أتعامل‭ ‬بعقلية‭ ‬دفاعية‭.‬

الحجاب‭ ‬لم‭ ‬يُضعف‭ ‬حضوري‭ ‬القيادي‭ ‬بل‭ ‬أعطاني‭ ‬وضوحًا،‭ ‬أنا‭ ‬أدخل‭ ‬أي‭ ‬غرفة‭ ‬وأنا‭ ‬أعرف‭ ‬من‭ ‬أكون‭. ‬وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬قوة‭.‬

س‭- ‬ في‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬متعددة‭ ‬الثقافات،‭ ‬كيف‭ ‬تنعكس‭ ‬ممارساتك‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬العمل‭ ‬اليومي؟‭ ‬وكيف‭ ‬يستقبل‭ ‬زملاؤك‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬الروتين،‭ ‬كالصيام‭ ‬والامتناع‭ ‬عن‭ ‬القهوة‭ ‬أو‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬وجبات‭ ‬الغداء،‭ ‬وهل‭ ‬ترين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬فرصة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الفهم‭ ‬المتبادل‭ ‬والحوار‭ ‬الثقافي؟

ج‭- ‬ لن‭ ‬أكون‭ ‬مثالية‭ ‬في‭ ‬الإجابة‭. ‬نعم‮…‬‭ ‬رائحة‭ ‬القهوة‭ ‬في‭ ‬المكتب‭ ‬صباحًا‭ ‬تبتسم‭ ‬لي‭. ‬وأحيانًا‭ ‬أبتسم‭ ‬لها‭. ‬لكنني‭ ‬ممتنة‭ ‬جدًا‭ ‬أن‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬تُرسل‭ ‬تهاني‭ ‬رسمية‭ ‬برمضان،‭ ‬وزملاء‭ ‬يكتبون‭ ‬لي‭ ‬“رمضان‭ ‬مبارك”،‭ ‬ويأتون‭ ‬إلى‭ ‬مكتبي‭ ‬بلطف‭ ‬ويسألون‭ ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬أفضّل‭ ‬ألا‭ ‬يأكلوا‭ ‬أمامي‭. ‬هذا‭ ‬الاحترام‭ ‬الإنساني‭ ‬يختصر‭ ‬الكثير‭. ‬رمضان‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬امتناعًا‭ ‬عن‭ ‬الطعام،‭ ‬هو‭ ‬انضباط‭.. ‬هو‭ ‬وعي‭.. ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬للأولويات‭..‬

أحيانًا‭ ‬أعدّل‭ ‬جدولي‭ ‬قليلًا،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الاجتماعات‭ ‬المبكرة‭ ‬جدًا،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أوقف‭ ‬عملي،‭ ‬ولا‭ ‬أختزل‭ ‬أدائي‭.‬

أبقى‭ ‬نشيطة،‭ ‬أمارس‭ ‬مهامي‭ ‬كاملة،‭ ‬وأحافظ‭ ‬على‭ ‬صحتي‭. ‬وأتعامل‭ ‬معه‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬صحية‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬الـ‭ ‬intermittent fasting‭ ‬المنضبط،‭ ‬لكن‭ ‬ببعد‭ ‬روحي‭ ‬أعمق‭. ‬الأجمل‭ ‬أن‭ ‬رمضان‭ ‬يصبح‭ ‬مساحة‭ ‬حوار‭. ‬بطاقات‭ ‬تهنئة‭. ‬أسئلة‭ ‬صادقة‭. ‬فضول‭ ‬محترم‭. ‬ولا‭ ‬أضع‭ ‬قيودًا‭ ‬حولي‭.‬

لا‭ ‬أطلب‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬يتغيروا‭ ‬من‭ ‬أجلي،‭ ‬بل‭ ‬أشاركهم‭ ‬تجربتي‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬رمضان‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬متعددة‭ ‬الثقافات‭ ‬لا‭ ‬يعزلني‭. ‬بل‭ ‬يفتح‭ ‬بابًا‭ ‬للفهم‭. ‬وعندما‭ ‬يتحول‭ ‬الصيام‭ ‬إلى‭ ‬جسر‭ ‬حوار،‭ ‬يصبح‭ ‬الاختلاف‭ ‬قوة‭ ‬لا‭ ‬عبئًا‭.‬

 

رابعًا‭ :‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬وصالون‭ ‬إسراء‭ ‬نوار‭:‬

س‭- ‬ كيف‭ ‬وُلدت‭ ‬فكرة‭ ‬“صالون‭ ‬إسراء‭ ‬نوار”،‭ ‬ولماذا‭ ‬اخترتِ‭ ‬قناة‭ ‬قبطية‭ ‬لعرضه؟‭ ‬وبصفتكِ‭ ‬امرأة‭ ‬مسلمة‭ ‬تقدم‭ ‬محتوى‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬مسيحية،‭ ‬هل‭ ‬واجهتِ‭ ‬أي‭ ‬تحديات‭ ‬أو‭ ‬حساسيات‭ ‬خاصة،‭ ‬أم‭ ‬كانت‭ ‬التجربة‭ ‬نموذجًا‭ ‬لحوار‭ ‬مهني‭ ‬عابر‭ ‬للانتماءات؟

ج‭ – ‬فكرة‭ ‬“صالون‭ ‬إسراء‭ ‬نوار”‭ ‬وُلدت‭ ‬من‭ ‬إحساس‭ ‬بالمسؤولية‭. ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬نماذج‭ ‬مصرية‭ ‬أمريكية‭ ‬مبهرة‭ ‬لا‭ ‬تُسلّط‭ ‬عليها‭ ‬الأضواء‭.‬

نحن‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬لسنا‭ ‬قالبًا‭ ‬واحدًا‭. ‬لسنا‭ ‬فقط‭ ‬أطباء‭ ‬ومهندسين‭. ‬لدينا‭ ‬فنانون،‭ ‬رياضيون،‭ ‬مبتكرون،‭ ‬وأمهات‭ ‬يصنعن‭ ‬تأثيرًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬بصمت‭.‬

عندما‭ ‬جاءتني‭ ‬فرصة‭ ‬تقديم‭ ‬البرنامج‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬قبطية‭ ‬أمريكية،‭ ‬لم‭ ‬أتردد‭.‬

امرأة‭ ‬مسلمة‭ ‬محجبة‭ ‬تقدم‭ ‬محتوى‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬مسيحية‭  ‬هذا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬رسالة‭. ‬لم‭ ‬أره‭ ‬تناقضًا‭. ‬رأيته‭ ‬تجسيدًا‭ ‬عمليًا‭ ‬لما‭ ‬أؤمن‭ ‬به‭: ‬أن‭ ‬الحوار‭ ‬المهني‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬الانتماءات‭. ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬أسئلة؟‭ ‬نعم‭. ‬هل‭ ‬وُجد‭ ‬فضول؟‭ ‬بالتأكيد‭. ‬لكن‭ ‬التجربة‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬الاحتراف‭ ‬والاحترام‭ ‬يختصران‭ ‬المسافات‭.‬

س‭-‬ ما‭ ‬الرسالة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تحرصين‭ ‬على‭ ‬إيصالها‭ ‬للمرأة‭ ‬وللمشاهد‭ ‬عبر‭ ‬الصالون‭ ‬والبودكاست؟

ج ‭-‬ رسالتي‭ ‬واضحة‭: ‬قصتك‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُروى‭. ‬أريد‭ ‬للمرأة‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬نفسها‭ ‬خارج‭ ‬الصور‭ ‬النمطية‭. ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬ليس‭ ‬مسارًا‭ ‬واحدًا،‭ ‬وأن‭ ‬الهوية‭ ‬ليست‭ ‬عبئًا‭ ‬بل‭ ‬مصدر‭ ‬قوة،‭ ‬في‭ ‬الصالون‭ ‬والبودكاست،‭ ‬أركّز‭ ‬على‭ ‬كسر‭ ‬السرديات‭ ‬الجاهزة،‭ ‬وإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬التأثير‭.‬

س‭ – ‬ما‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تشعرين‭ ‬أن‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬يحتجن‭ ‬إلى‭ ‬مناقشتها‭ ‬بجرأة‭ ‬أكبر؟

ج‭ – ‬الهوية‭ ‬المزدوجة،‭ ‬الشعور‭ ‬بعدم‭ ‬الانتماء‭ ‬الكامل‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك،‭ ‬الطلاق،‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية،‭ ‬ضغط‭ ‬التوقعات‭ ‬العائلية،‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬والأمومة،‭ ‬وكذلك‭ ‬موضوع‭ ‬النجاح‭ ‬خارج‭ ‬القوالب‭ ‬التقليدية،‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬يعشن‭ ‬نجاحًا‭ ‬ظاهريًا،‭ ‬لكن‭ ‬يحملن‭ ‬صمتًا‭ ‬داخليًا‭ ‬لا‭ ‬يُناقش‭.‬

س‭- ‬ كيف‭ ‬تسهم‭ ‬دوائر‭ ‬الحوار‭ ‬النسائي‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬العزلة‭ ‬وتعزيز‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية؟

ج‭- ‬ العزلة‭ ‬ليست‭ ‬دائمًا‭ ‬غياب‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬غياب‭ ‬الفهم‭. ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكوني‭ ‬محاطة‭ ‬بعائلة‭ ‬وأصدقاء،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تشعرين‭ ‬بوحدة‭ ‬عميقة‭ ‬جدًا،‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬تحديدًا،‭ ‬هناك‭ ‬نوع‭ ‬خاص‭ ‬من‭ ‬الوحدة‭. ‬وحدة‭ ‬الهوية‭. ‬وحدة‭ ‬القرار،‭ ‬وحدة‭ ‬الأم‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬شبكة‭ ‬دعم‭ ‬قريبة،‭ ‬عندما‭ ‬تجلس‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬آمنة‭ ‬ويتحدثن‭ ‬بصدق،‭ ‬تدرك‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬“الحالة‭ ‬الوحيدة”.‭ ‬أن‭ ‬مشاعرها‭ ‬طبيعية،‭ ‬أن‭ ‬شكوكها‭ ‬إنسانية‭. ‬المشاركة‭ ‬تُخفف‭ ‬العبء‭. ‬والكلمة‭ ‬تُحرّر‭. ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬مهم‭: ‬التصالح‭ ‬مع‭ ‬الوحدة‭.‬

أؤمن‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتعلم‭ ‬أن‭ ‬يحب‭ ‬الجلوس‭ ‬مع‭ ‬نفسه،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مرتاحًا‭ ‬في‭ ‬صمته‭. ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬أفكاره‭. ‬دوائر‭ ‬الحوار‭ ‬تساعدنا‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬أننا‭ ‬لسنا‭ ‬وحدنا،‭ ‬لكن‭ ‬النضج‭ ‬الحقيقي‭ ‬يأتي‭ ‬عندما‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬وحدنا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭ ‬بالفراغ‭. ‬الحوار‭ ‬النسائي‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية‭ ‬اجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬مساحة‭ ‬علاجية‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭. ‬ومع‭ ‬الوقت،‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬تقليل‭ ‬عزلة‮…‬‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬قوة‭ ‬داخلية‭.‬

س‭ – ‬بعد‭ ‬انطلاق‭ ‬الموسم‭ ‬الأول‭ ‬من‭ – ‬صالون‭ ‬اسراء‭ ‬نوار‭ – ‬بنجاح‭ ‬وتألق،‭ ‬هل‭ ‬رصدتِ‭ ‬تحولات‭ ‬ملموسة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المشاهدات‭ ‬نتيجة‭ ‬انخراطهن‭ ‬في‭ ‬البرنامج‭ ‬ومتابعته‭ ‬؟‭ ‬وما‭ ‬أبرز‭ ‬التغييرات‭ ‬التي‭ ‬لمستِها‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الشخصي‭ ‬أو‭ ‬المهني‭ ‬أو‭ ‬الفكري‭.. ‬ما‭ ‬الإضافة؟‭ ‬وما‭ ‬تقدمين‭ ‬للمشاهد‭ ‬فى‭ ‬الموسم‭ ‬الثانى؟

ج‭ – ‬نعم،‭ ‬وبصدق‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬التحولات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فقط‭ ‬عند‭ ‬المشاهدات‮…‬‭ ‬بل‭ ‬عندي‭ ‬أيضًا،‭ ‬وصلتني‭ ‬رسائل‭ ‬من‭ ‬نساء‭ ‬بدأن‭ ‬مشاريعهن‭ ‬بعد‭ ‬مشاهدة‭ ‬الحلقات‭. ‬أخريات‭ ‬تحدثن‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬شخصية‭ ‬كانت‭ ‬صامتة‭ ‬لسنوات،‭ ‬بعضهن‭ ‬أعاد‭ ‬تعريف‭ ‬مسارهن‭ ‬المهني‭ ‬أو‭ ‬الشخصي،‭ ‬لكن‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬كلمة‭ ‬امتنان‭.. ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فرديًا‭.‬

أشكر‭ ‬السيدة‭/ ‬هايدي‭ ‬سعد‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬آمن‭ ‬بالفكرة‭ ‬وساهم‭ ‬في‭ ‬إخراجها‭ ‬إلى‭ ‬النور‭.‬

هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بشخص‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬بفريق‭ ‬مؤمن‭ ‬بالرؤية‭.‬

وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬سيكتب‭ ‬أسماء‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬هذه‭ ‬المساحة‭ ‬للحوار،‭ ‬وأقولها‭ ‬بابتسامة‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬لي‭ ‬صديقتي‭ ‬المقرّبة‭ ‬دائمًا‭ :‬“جمهورك‭ ‬القبطي‭ ‬في‭ ‬ازدياد‭ ‬صاروخي”!‭ ‬وهذا‭ ‬صحيح‭ ‬بطريقة‭ ‬جميلة‭ ‬ومضحكة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬لأنني‭ ‬عندما‭ ‬أزور‭ ‬كنائس‭ ‬في‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬أو‭ ‬أورانج‭ ‬كاونتي،‭ ‬أشعر‭ ‬أحيانًا‭ ‬أنني‭ ‬بين‭ ‬وجوه‭ ‬مألوفة‭.‬

يأتي‭ ‬إليّ‭ ‬أشخاص‭ ‬ويقولون‭: ‬“نحن‭ ‬نتابعك.. شاهدنا‭ ‬الحلقة‭ ‬الفلانية”.

هذا‭ ‬الشعور‭ ‬دافئ‭ ‬جدًا‭. ‬لأنه‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الرسالة‭ ‬وصلت‭ ‬خارج‭ ‬أي‭ ‬إطار‭ ‬ضيق‭. ‬أما‭ ‬الموسم‭ ‬الثاني،‭ ‬فانتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬صيغة‭ ‬البودكاست‭. ‬أكثر‭ ‬عمقًا،‭ ‬وأكثر‭ ‬قربًا‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭. ‬نركّز‭ ‬على‭ ‬Gen Z،‭ ‬وعلى‭ ‬الجيل‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭. ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬الرقمية،‭ ‬القلق،‭ ‬الطموح،‭ ‬وضغط‭ ‬التوقعات‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬سريع‭ ‬جدًا،‭ ‬الموسم‭ ‬الأول‭ ‬كسر‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭.‬

الموسم‭ ‬الثاني‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬المستقبل‭.. ‬والأجمل‭ ‬أن‭ ‬الحوار‭ ‬مستمر‭.‬

 

خامسًا‭:‬ العافية‭ ‬والـيـوجــا‭ ‬كأداة‭ ‬تمكين‭:‬

س‭ – ‬إدماجكِ‭ ‬لليوجا‭ ‬واليقظة‭ ‬الذهنية‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬المجتمعي‭ ‬خطوة‭ ‬غير‭ ‬تقليدية،‭ ‬كيف‭ ‬بدأت‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة؟‭ ‬وما‭ ‬تأثيرها؟

ج‭ – ‬بدأت‭ ‬الفكرة‭ ‬من‭ ‬الإرهاق‭.. ‬كنت‭ ‬أمًا‭ ‬مشغولة،‭ ‬عاملة،‭ ‬مهاجرة،‭ ‬أقود‭ ‬مبادرات،‭ ‬وأسافر،‭ ‬وأحاول‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأدوار‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭ ‬أدركت‭ ‬أنني‭ ‬أعتني‭ ‬بالجميع‮…‬‭ ‬إلا‭ ‬نفسي‭.‬

اليوجا‭ ‬دخلت‭ ‬حياتي‭ ‬أولًا‭ ‬كمساحة‭ ‬شخصية‭ ‬ليست‭ ‬رياضة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬انضباط‭ ‬داخلي،‭ ‬تنفس،‭ ‬صمت،‭ ‬عودة‭ ‬إلى‭ ‬الجسد،‭ ‬ثم‭ ‬فهمت‭ ‬شيئًا‭ ‬مهمًا‭: ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬أو‭ ‬القيادة‭ ‬أو‭ ‬الحوار‭ ‬المجتمعي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬self-care‭.‬

بدأت‭ ‬أدمج‭ ‬اليقظة‭ ‬الذهنية‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬الحوار،‭ ‬في‭ ‬اللقاءات،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الفعاليات‭. ‬تمارين‭ ‬بسيطة‭. ‬لحظات‭ ‬تنفس‭. ‬تذكير‭ ‬بأن‭ ‬الجسد‭ ‬والعقل‭ ‬ليسا‭ ‬منفصلين‭. ‬الأثر‭ ‬كان‭ ‬واضحًا‭. ‬عندما‭ ‬تهدأ‭ ‬المرأة‭ ‬داخليًا،‭ ‬يصبح‭ ‬صوتها‭ ‬أوضح‭. ‬تصبح‭ ‬قراراتها‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭.‬

س‭ – ‬لماذا‭ ‬تعتقدين‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬يشعرن‭ ‬بالاستبعاد‭ ‬من‭ ‬مساحات‭ ‬العافية‭ ‬التقليدية؟

ج‭- ‬ كثير‭ ‬من‭ ‬مساحات‭ ‬العافية‭ ‬صُممت‭ ‬بصورة‭ ‬نمطية‭. ‬صورة‭ ‬جسد‭ ‬معين‭. ‬ثقافة‭ ‬معينة‭. ‬ملابس‭ ‬معينة‭. ‬إيقاع‭ ‬معين‭. ‬وبعض‭ ‬النساء‭   ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬خلفيات‭ ‬مهاجرة‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬لا‭ ‬يشعرن‭ ‬أنهن‭ ‬ممثَّلات‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المساحات‭. ‬وأحيانًا‭ ‬أسأل‭ ‬نفسي‭ ‬وأسأل‭ ‬غيري‭: ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬أذهاننا؟

أحيانًا‭ ‬نعم‭. ‬نحن‭ ‬نُضخّم‭ ‬الحاجز‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نختبره‭. ‬لهذا‭ ‬أقول‭ ‬دائمًا‭:‬

اذهبي‭ ‬وابدئي‭ ‬فقط‭. ‬لا‭ ‬تنتظري‭ ‬أن‭ ‬تكوني‭ ‬“الصورة‭ ‬المثالية”‭. ‬لا‭ ‬تنتظري‭ ‬أن‭ ‬يتغير‭ ‬المكان‭ ‬بالكامل‭ ‬من‭ ‬أجلك‭. ‬ابدئي‭. ‬ادخلي‭. ‬تنفّسي‭. ‬خذي‭ ‬المساحة،‭ ‬المشكلة‭ ‬غالبًا‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬اليوجا‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬“تغليفها”‭.‬

أنا‭ ‬مؤمنة‭ ‬أن‭ ‬العافية‭ ‬ليست‭ ‬رفاهية،‭ ‬وليست‭ ‬مرتبطة‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬طبقة‭ ‬اجتماعية‭. ‬هي‭ ‬حق‭ ‬إنساني‭. ‬وعندما‭ ‬نقدم‭ ‬اليقظة‭ ‬الذهنية‭ ‬بطريقة‭ ‬شاملة،‭ ‬تحترم‭ ‬الخلفيات‭ ‬الثقافية،‭ ‬وتكسر‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية،‭ ‬تصبح‭ ‬مساحة‭ ‬مفتوحة‭ ‬للجميع،‭ ‬العافية‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ناديًا‭ ‬مغلقًا،‭ ‬بل‭ ‬مساحة‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها‭ ‬كل‭ ‬امرأة،‭ ‬بأي‭ ‬هوية،‭ ‬وبأي‭ ‬قصة‭. ‬وأحيانًا‭ ‬أول‭ ‬خطوة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬نُقنع‭ ‬أنفسنا‭ ‬أننا‭ ‬نستحق‭ ‬الدخول‭.‬

 

سادساً‭:‬ القيادة‭ ‬المجتمعية‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدولية‭:‬

س‭ – ‬بصفتكِ‭ ‬رئيسة‭ ‬للمنظمة‭ ‬المصرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬وعضوًا‭ ‬في‭ ‬منظمات‭ ‬دولية،‭ ‬كيف‭ ‬تربطين‭ ‬المحلي‭ ‬بالعالمي؟

ج‭ – ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬رئيسة‭ ‬للمنظمة‭ ‬المصرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬أورانج‭ ‬كاونتي‭ ‬عامي‭ ‬2021‭ ‬و2022،‭ ‬وعضوًا‭ ‬في‭ ‬قيادتها‭ ‬منذ‭ ‬2015،‭ ‬كنت‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬دورنا‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬احتفاليًا‭ ‬فقط‮…‬‭ ‬بل‭ ‬استراتيجيًا‭. ‬لهذا‭ ‬كرّست‭ ‬سنوات‭ ‬لدعم‭ ‬الفنون‭ ‬داخل‭ ‬الجالية‭. ‬Stand-up comedy‭.‬‭ ‬الموسيقى،‭ ‬مساحات‭ ‬إبداعية‭ ‬غير‭ ‬تقليدية،‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬هذا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬المجتمعي‭ ‬الكلاسيكي،‭ ‬لكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬الفن‭ ‬لغة‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة‭ ‬لا‭ ‬تتفاعل‭ ‬دائمًا‭ ‬مع‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي‭. ‬لكنها‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الفن،‭ ‬مع‭ ‬الموسيقى،‭ ‬مع‭ ‬الضحك‭. ‬عندما‭ ‬نجحنا‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬صورة‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفن،‭ ‬حدث‭ ‬شيء‭ ‬جميل‭: ‬الجميع‭ ‬أحب‭ ‬مصر‭ ‬أكثر‭. ‬وأستطيع‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬بفخر‭ ‬إن‭ ‬مئات‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬أعرفهم‭ ‬زاروا‭ ‬مصر‭ ‬أو‭ ‬قرروا‭ ‬زيارتها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعرفوا‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فعالياتنا‭ ‬وقصصنا‭. ‬نحن‭ ‬جميعًا‭ ‬سفراء‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬حديث‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬دعوة‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬قصة‭ ‬نرويها‭ ‬عن‭ ‬وطننا‭. ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬المحلي‭ ‬والعالمي‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬عبر‭ ‬السياسة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬الثقافة‭.‬

س‭-‬ ما‭ ‬مسؤولية‭ ‬الجالية‭ ‬المصرية‭ ‬والعربية‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬تجاه‭ ‬قضايا‭ ‬الحوار‭ ‬الثقافي؟

ج‭ – ‬مسؤوليتنا‭ ‬كبيرة‮…‬‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬عبئًا‭. ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬بين‭ ‬عالمين،‭ ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬حالة‭ ‬ضعف،‭ ‬بل‭ ‬امتياز‭ ‬حقيقي‭. ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬الأمر‭ ‬كضغط‭ ‬أننا‭ ‬“نمثل”‭ ‬مصر‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭. ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أننا‭ ‬نفعل‭ ‬سواء‭ ‬قصدنا‭ ‬أم‭ ‬لا‭. ‬عندما‭ ‬أقول‭ ‬إنني‭ ‬من‭ ‬مصر،‭ ‬أرى‭ ‬الدهشة‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الكثيرين‭. ‬اسم‭ ‬مصر‭ ‬وحده‭ ‬يحمل‭ ‬تاريخًا،‭ ‬حضارة،‭ ‬عمقًا‭. ‬الناس‭ ‬منبهرة‭. ‬فخورون‭ ‬بلقاء‭ ‬شخص‭ ‬“من‭ ‬مصر”‭. ‬هذا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬امتياز‭. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نحمل‭ ‬بلدًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬العالمية‭. ‬نحمل‭ ‬حضارة‭ ‬عمرها‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭. ‬لذلك‭ ‬مسؤوليتنا‭ ‬ليست‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬مثاليين،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬صادقين‭. ‬أن‭ ‬نُظهر‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا،‭ ‬وأن‭ ‬نتعلم‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭. ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نكسر‭ ‬الصور‭ ‬النمطية‭ ‬بأنفسنا،‭ ‬فستبقى‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أتعامل‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬كعبء‭ ‬ثقيل،‭ ‬أتعامل‭ ‬معه‭ ‬كفرصة‭. ‬فرصة‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬سفيرة‭ ‬بحضوري،‭ ‬بسلوكي،‭ ‬بأخلاقي،‭ ‬الحوار‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬سريع‭ ‬الاستقطاب‭.‬

والانتماء‭ ‬لمصر‮…‬‭ ‬شرف‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مسؤولية‭.‬

س‭- ‬ كيف‭ ‬تبنين‭ ‬جسورًا‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬المختلفة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الواحد؟

أنا‭ ‬مهووسة‭ ‬بفكرة‭ ‬الأجيال‭.. ‬أحب‭ ‬أن‭ ‬أفهم‭ ‬كيف‭ ‬يفكر‭ ‬من‭ ‬في‭ ‬العشرينات،‭ ‬كما‭ ‬أستمتع‭ ‬بالجلوس‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬في‭ ‬السبعين‭ ‬والتسعين‭.‬

دائرة‭ ‬أصدقائي‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬العشرينات‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬عاشوا‭ ‬كل‭ ‬تحولات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬وأعتبر‭ ‬هذا‭ ‬امتيازًا‭ ‬حقيقيًا‮…‬‭ ‬وأشعر‭ ‬أنني‭ ‬محظوظة‭ ‬بذلك‭. ‬الجسر‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬بالمحاضرات،‭ ‬بل‭ ‬بالعلاقات‭.‬

أستضيف‭ ‬لقاءات‭ ‬في‭ ‬منزلي‭ ‬باستمرار‭. ‬شباب،‭ ‬كبار،‭ ‬مسلمين،‭ ‬مسيحيين،‭ ‬يهود،‭ ‬من‭ ‬ثقافات‭ ‬مختلفة‭. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬أسمع‭ ‬الضيوف‭ ‬يقولون‭ ‬بدهشة‭: ‬“كم‭ ‬هي‭ ‬متنوعة‭ ‬دائرتك‭!‬”‭ ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬العمري‭ ‬والثقافي‭ ‬ليس‭ ‬صدفة،‭ ‬بل‭ ‬اختيار‭ ‬واعٍ‭. ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬خطابات‭ ‬طويلة،‭ ‬تريد‭ ‬صدقًا‭ ‬ومساحة‭ ‬للتعبير‭. ‬وعندما‭ ‬نستثمر‭ ‬في‭ ‬الفن،‭ ‬وفي‭ ‬مساحات‭ ‬إبداعية‭ ‬غير‭ ‬تقليدية،‭ ‬نجد‭ ‬الشباب‭ ‬يأتون‭. ‬يشعرون‭ ‬أن‭ ‬لهم‭ ‬مكانًا‭. ‬نمنحهم‭ ‬جذورًا‭ ‬مصرية‭ ‬قوية،‭ ‬لكن‭ ‬نمنحهم‭ ‬أيضًا‭ ‬حرية‭ ‬تشكيل‭ ‬هويتهم‭ ‬بطريقتهم‭. ‬وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬إذا‭ ‬شعر‭ ‬الشاب‭ ‬أنه‭ ‬مسموع،‭ ‬وشعر‭ ‬الكبير‭ ‬أنه‭ ‬مُقدَّر،‭ ‬فقد‭ ‬بُني‭ ‬الجسر‭. ‬وعندما‭ ‬يحب‭ ‬أبناؤنا‭ ‬مصر‭ ‬بطريقتهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬لا‭ ‬بطريقتنا‭ ‬نحن،‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬نجحنا‭ ‬حقًا‭.‬

 

 

سابعًا‭:‬ فن‭ ‬السرد‭ ‬وصناعة‭ ‬التأثير‭:‬

س‭ – ‬تُعرفين‭ ‬كـ‭ ‬“صانعة‭ ‬أفكار”‭ ‬وراوية‭ ‬قصص،‭ ‬كيف‭ ‬تختارين‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُروى؟

أنا‭ ‬نوع‭ ‬مختلف‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬لا‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬القصة‭ ‬“الأعلى‭ ‬صوتًا”،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬القصة‭ ‬الأعمق‭ ‬أثرًا،‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬قصة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُروى‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭: ‬من‭ ‬أي‭ ‬زاوية؟‭ ‬الزاوية‭ ‬هي‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬

يمكن‭ ‬أن‭ ‬نحكي‭ ‬نفس‭ ‬القصة‭ ‬بطريقة‭ ‬تثير‭ ‬الشفقة،‭ ‬أو‭ ‬بطريقة‭ ‬تثير‭ ‬القوة‭. ‬أختار‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬تكسر‭ ‬صورة‭ ‬نمطية‭. ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬توسّع‭ ‬تعريف‭ ‬النجاح‭. ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬شخصًا‭ ‬ما‭ ‬يشعر‭ ‬أنه‭ ‬مرئي‭.‬

التأثير‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬ليس‭ ‬ضجيجًا‭.. ‬بل‭ ‬تغيير‭ ‬زاوية‭ ‬الرؤية‭.‬

س‭- ‬ ما‭ ‬دور‭ ‬القصة‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬العمل‭ ‬الإنساني‭ ‬والصحي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬القاعدة‭ ‬الشعبية؟

ج‭ – ‬القصة‭ ‬تحرّك‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تحركه‭ ‬الأرقام‭. ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تعرض‭ ‬إحصائية‭ ‬عن‭ ‬مرض،‭ ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬تسمع‭ ‬قصة‭ ‬أم‭ ‬فقدت‭ ‬طفلها،‭ ‬يتغيّر‭ ‬شيء‭ ‬داخلك‭.‬

لهذا‭ ‬تعاونت‭ ‬مع‭ ‬مبادرات‭ ‬إنسانية‭ ‬مثل‭ ‬“أهل‭ ‬مصر”،‭ ‬ومع‭ ‬مستشفى‭ ‬أبو‭ ‬الريش،‭ ‬ومع‭ ‬مؤسسات‭ ‬محلية‭ ‬غير‭ ‬ربحية،‭ ‬ومع‭ ‬منظمات‭ ‬بين‭ ‬الأديان،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالشؤون‭ ‬العالمية‭ ‬وحتى‭ ‬فعاليات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالأمم‭ ‬المتحدة‭. ‬القصة‭ ‬تحوّل‭ ‬القضية‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬عام‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية‭. ‬وعندما‭ ‬يشعر‭ ‬الناس‭ ‬بالاتصال‭ ‬العاطفي،‭ ‬يتحركون‭.‬

س‭- ‬ كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للإعلام‭ ‬المجتمعي‭ ‬أن‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬المبادرات‭ ‬الهادفة‭ ‬الهادئة‭ ‬ذات‭ ‬التأثير‭ ‬العميق؟

ج‭ – ‬الإعلام‭ ‬المجتمعي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬العمق،‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬العناوين‭ ‬الكبيرة‭. ‬هناك‭ ‬مبادرات‭ ‬تعمل‭ ‬بصمت،‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬ميزانيات‭ ‬ضخمة،‭ ‬لكن‭ ‬أثرها‭ ‬حقيقي‭. ‬الدور‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬التغطية،‭ ‬بل‭ ‬السرد‭ ‬الذكي‭. ‬أن‭ ‬نُظهر‭ ‬الإنسان‭ ‬خلف‭ ‬المبادرة‭. ‬أن‭ ‬نفسّر‭ ‬السياق‭. ‬أن‭ ‬نربط‭ ‬المحلي‭ ‬بالعالمي‭. ‬والأهم‭.. ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬السرد‭ ‬حقيقيًا،‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬الكليشيهات‭ ‬لا‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الخطاب‭ ‬المصطنع‭ ‬أو‭ ‬اللغة‭ ‬المعلّبة‭.‬

يريد‭ ‬شيئًا‭ ‬عضويًا،‭ ‬صادقًا،‭ ‬غير‭ ‬مصقول‭ ‬زيادة‭ ‬عن‭ ‬اللزوم‭.‬

يريد‭ ‬قصة‭ ‬Holistic‭  ‬ترى‭ ‬الصورة‭ ‬كاملة،‭ ‬ترى‭ ‬التعقيد،‭ ‬ترى‭ ‬الضعف‭ ‬والقوة‭ ‬معًا‭.. ‬الإعلام‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭: ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مكبر‭ ‬صوت‭ ‬للضجيج،‭ ‬أو‭ ‬منصة‭ ‬للمعنى‭.‬‭ ‬وأنا‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬للإعلام‭ ‬الذي‭ ‬يختار‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خامًا،‭ ‬حقيقيًا،‭ ‬إنسانيًا‭.‬

 

ثامنًا‭ : ‬الجــوائــــز‭ ‬والـتـقــديـــر‭:‬

س‭ – ‬تم‭ ‬اختيارك‭ ‬ضمن‭ ‬أكثر‭ ‬الشخصيات‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬أورنج‭ ‬كاونتي،‭ ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬لكِ‭ ‬هذا‭ ‬التقدير؟

أنا‭ ‬ممتنة‮…‬‭ ‬بصدق‭. ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬جوائز‭ ‬كثيرة‭ ‬ومنح‭ ‬وتكريمات،‭ ‬وأعتبرها‭ ‬نعمًا‭ ‬من‭ ‬الله‭. ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أعرّف‭ ‬نفسي‭ ‬بأي‭ ‬لقب،‭ ‬ولا‭ ‬بأي‭ ‬قائمة‭.‬

أنا‭ ‬فقط‭ ‬إسراء‭ ‬نوار‮…‬‭ ‬ماشية‭ ‬في‭ ‬ملكوت‭ ‬الله‭. ‬هناك‭ ‬مقولة‭ ‬أحبها‭ ‬وأعيش‭ ‬بها،‭ ‬لمايا‭ ‬أنجيلو‭:‬

“I›ve learned that people will forget what you said‭, ‬people will forget what you did‭, ‬but people will never forget how you made them feel‭.‬”

تعلمت‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬قد‭ ‬تنسى‭ ‬ما‭ ‬قلتِ،‭ ‬وقد‭ ‬تنسى‭ ‬ما‭ ‬فعلتِ،‭ ‬لكنها‭ ‬لن‭ ‬تنسى‭ ‬أبدًا‭ ‬كيف‭ ‬جعلتِها‭ ‬تشعر‭. ‬الدنيا‭ ‬فانية‭.. ‬الألقاب‭ ‬تزول‭.. ‬المناصب‭ ‬تتغير‭.. ‬لكن‭ ‬الإحساس‭ ‬الذي‭ ‬تتركينه‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬إنسان‭.. ‬يبقى،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬التأثير‭ ‬الحقيقي‭.‬

س‭ – ‬كيف‭ ‬تتعاملين‭ ‬مع‭ ‬النجاح‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬أو‭ ‬توقعات‭ ‬مرهقة‭ ‬أو‭ ‬غرور؟

بالتذكّر‮…‬‭ ‬وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬نفسي‭. ‬أذكّر‭ ‬نفسي‭ ‬دائمًا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬مؤقت‭.‬

النجاح‭ ‬مرحلة‭. ‬والمنصب‭ ‬مرحلة‭. ‬وأنا‭ ‬جزء‭ ‬صغير‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬مني‭. ‬لن‭ ‬أدّعي‭ ‬المثالية‭. ‬نعم،‭ ‬أحيانًا‭ ‬أشعر‭ ‬بالضغط،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬بثقل‭ ‬التوقعات،‭ ‬لكن‭ ‬لديّ‭ ‬مساحتي‭ ‬الخاصة،‭ ‬الاستوديو‭ ‬الخاص‭ ‬باليوجا‭ ‬هو‭ ‬ملاذي،‭ ‬هناك‭ ‬أخلع‭ ‬كل‭ ‬الألقاب،‭ ‬لا‭ ‬نائبة‭ ‬عميد‭.. ‬لا‭ ‬مقدمة‭ ‬برنامج‭.. ‬لا‭ ‬شخصية‭ ‬مؤثرة‭.. ‬فقط‭ ‬إنسانة‭ ‬تتنفس‭.. ‬اليوجا‭ ‬تعلّمني‭ ‬التواضع،‭ ‬وتعيدني‭ ‬إلى‭ ‬الاتزان‭.‬

كل‭ ‬حركة‭ ‬تذكّرني‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬الداخلي‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬إنجاز‭.‬

أؤمن‭ ‬أن‭ ‬Inner peace is the new wealth‭. ‬السلام‭ ‬الداخلي‭ ‬هو‭ ‬الثروة‭ ‬الحقيقية‭. ‬زوجي‭ ‬هشام،‭ ‬وصديقتي‭ ‬المقربة‭ ‬منى،‭ ‬يعيدانني‭ ‬دائمًا‭ ‬إلى‭ ‬الجوهر‭. ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬الألقاب،‭ ‬وعن‭ ‬الحياة‭ ‬بمعناها‭ ‬الأوسع‭.‬

أقرأ‭ ‬للرومي‭ ‬كثيرًا،‭ ‬وأردد‭ ‬الحديث‭ ‬الشريف‭:‬

“اعمل‭ ‬لآخرتك‭ ‬كأنك‭ ‬تموت‭ ‬غدًا،‭ ‬واعمل‭ ‬لدنياك‭ ‬كأنك‭ ‬تعيش‭ ‬أبدًا‭.‬”

النجاح‭ ‬جميل،‭ ‬لكن‭ ‬السلام‭ ‬الداخلي‭ ‬والتواضع‭ ‬هما‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬إذا‭ ‬جعلتُ‭ ‬إنسانًا‭ ‬يشعر‭ ‬بالقيمة،‭ ‬فهذا‭ ‬يكفيني‭.‬

 

 

تاسعًا‭: ‬ رسائل‭ ‬للمستقبل‭:‬

س‭- ‬ كيف‭ ‬ترين‭ ‬مستقبل‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬القيادة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬القادمة؟‭ ‬وما‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬تودين‭ ‬توجيهها‭ ‬للمرأة‭ ‬المصرية‭ ‬والعربية‭ ‬أو‭ ‬المهاجرة‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬لصناعة‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬متعددة‭ ‬الثقافات؟

مستقبل‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬ليس‭ ‬قضية‭ ‬شرق‭ ‬أوسطية‭ ‬فقط،‭ ‬هو‭ ‬نقاش‭ ‬عالمي‭..‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬ومن‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬قطر‭ ‬والسعودية،

الحديث‭ ‬عن‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬والاستراتيجيات‭ ‬الوطنية‭.‬

أنا‭ ‬أتابع‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬نرى‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسب‭ ‬تمثيل‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬والبرلمان،‭ ‬ودورًا‭ ‬متناميًا‭ ‬للمجلس‭ ‬القومي‭ ‬للمرأة‭.‬

في‭ ‬السعودية،‭ ‬شهدنا‭ ‬تحولات‭ ‬جذرية‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭.‬

وفي‭ ‬قطر،‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمار‭ ‬المخصص‭ ‬للتعليم،‭ ‬وتمكين‭ ‬المرأة،‭ ‬وبناء‭ ‬القيادات‭ ‬الشابة‮…‬‭ ‬مذهل‭ ‬بكل‭ ‬المقاييس،‭ ‬هناك‭ ‬رؤية،‭ ‬وهناك‭ ‬تمويل‭ ‬حقيقي،‭ ‬وهناك‭ ‬تركيز‭ ‬استراتيجي‭. ‬هل‭ ‬الطريق‭ ‬انتهى؟‭ ‬بالطبع‭ ‬لا‭ ‬لكن‭ ‬الاتجاه‭ ‬واضح‭.‬

أنا‭ ‬متفائلة‭ ‬جدًا‭.. ‬المرأة‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تطلب‭ ‬مقعدًا‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬الطاولة‭ ‬نفسها‭. ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬القادمة‭ ‬ستشهد‭ ‬قيادات‭ ‬نسائية‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعًا،‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا‭ ‬عالميًا،‭ ‬وأكثر‭ ‬توازنًا‭ ‬بين‭ ‬القوة‭ ‬والإنسانية‭. ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬عاشن‭ ‬تجارب‭ ‬عابرة‭ ‬للثقافات‭ ‬سيقدن‭ ‬بنموذج‭ ‬مختلف‭. ‬أكثر‭ ‬شمولًا‭. ‬وأكثر‭ ‬ثقة‭.‬

س‭ – ‬ما‭ ‬النصيحة‭ ‬التي‭ ‬تقدمينها‭ ‬للشابات‭ ‬العربيات‭ ‬الساعيات‭ ‬للتأثير‭ ‬المجتمعي‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬وخصوصاً‭ ‬المسلمات‭ ‬منهم‭ ‬والقبطيات‭ ‬الطامحات‭ ‬إلى‭ ‬مناصب‭ ‬قيادية؟

أولًا‭ :‬اعرفن‭ ‬من‭ ‬أنتن‭.. ‬الهوية‭ ‬الواضحة‭ ‬تحميكن‭.‬

ثانيًا‭ :‬استثمرن‭ ‬في‭ ‬أنفسكن‭ ‬بلا‭ ‬توقف‭.. ‬التعليم،‭ ‬التدريب،‭ ‬التطوير‭ ‬المهني‭ ‬هذه‭ ‬أدوات‭ ‬قوة‭ ‬حقيقية‭.‬

ثالثًا‭ :‬لا‭ ‬تعشن‭ ‬بعقلية‭ ‬الدفاع‭. ‬لا‭ ‬تتحركن‭ ‬فقط‭ ‬لرد‭ ‬الصور‭ ‬النمطية‭.‬

ابنين‭ ‬مساركن‭ ‬الخاص،‭ ‬سواء‭ ‬كنتِ‭ ‬مسلمة‭ ‬أو‭ ‬قبطية،‭ ‬المعيار‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬الكفاءة،‭ ‬والأخلاق،‭ ‬والاتساق‭. ‬لكن‭ ‬دعيني‭ ‬أضيف‭ ‬شيئًا‭ ‬مهمًا‭ ‬جدًا‭:‬

العناية‭ ‬بالنفس‭ ‬ليست‭ ‬رفاهية‭.‬

Self-care‭ ‬ ضرورة‭.. ‬دائرتكِ‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كبيرة‭. ‬الحياة‭ ‬ليست‭ ‬اختبار‭ ‬شعبية‭. ‬الجودة‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬العدد‭. ‬اختاري‭ ‬دائرة‭ ‬صغيرة،‭ ‬آمنة،‭ ‬صادقة‭. ‬اهتمي‭ ‬بصحتكِ،‭ ‬مارسي‭ ‬الرياضة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬مجرد‭ ‬مشي‭ ‬يومي،‭ ‬اشربي‭ ‬الماء‭ ‬بانتظام،‭ ‬قومي‭ ‬بالفحوصات‭ ‬الدورية،‭ ‬لا‭ ‬تؤجلي‭ ‬الماموجرام،‭ ‬لا‭ ‬تؤجلي‭ ‬الكشف‭ ‬السنوي،‭ ‬الوقاية‭ ‬قوة،‭ ‬أؤمن‭ ‬بالطب‭ ‬الوقائي،‭ ‬وبالنهج‭ ‬الشمولي‭ ‬والتكاملي‭.‬

العقل‭ ‬والجسد‭ ‬ليسا‭ ‬منفصلين‭. ‬لا‭ ‬يمكنكِ‭ ‬أن‭ ‬تقودي‭ ‬مجتمعًا‭ ‬وأنتِ‭ ‬منهكة‭. ‬النجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬المنصب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرتكِ‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‮…‬‭ ‬بصحة‭ ‬وسلام‭ ‬داخلي‭.‬

س‭-‬ كيف‭ ‬تنظرين‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬الإعلام‭ ‬والصحافة‭ ‬في‭ ‬تثقيف‭ ‬المجتمعات‭ ‬ودفع‭ ‬مسارات‭ ‬الوعي‭ ‬والتطوير؟‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬كيف‭ ‬تنظرين‭ ‬لتجربة‭ ‬صحيفة‭ ‬مثل‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬كاريزما‮»‬‭ ‬كمنبر‭ ‬إعلامي‭ ‬انطلق‭ ‬قبل‭ ‬تسع‭ ‬سنوات،‭ ‬جامعًا‭ ‬بين‭ ‬الإصدار‭ ‬الورقي‭ ‬والموقع‭ ‬الإخباري‭ ‬الرقمي،‭ ‬وموجّهًا‭ ‬خطابه‭ ‬إلى‭ ‬المهاجر‭ ‬المصري‭ ‬والعربي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة؟

ج – الإعلام‭ ‬اليوم‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬وعيًا،‭ ‬أو‭ ‬يصنع‭ ‬انقسامًا‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬دوره‭ ‬مجرد‭ ‬نقل‭ ‬الخبر،‭ ‬بل‭ ‬تفسيره،‭ ‬ووضعه‭ ‬في‭ ‬سياقه،‭ ‬وتحفيز‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬لدى‭ ‬القارئ‭.‬

في‭ ‬زمن‭ ‬السرعة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والخوارزميات،‭ ‬أصبح‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬المصداقية‭. ‬ليس‭ ‬من‭ ‬يسبق‭ ‬أولًا،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬يشرح‭ ‬بعمق،‭ ‬ومن‭ ‬يحترم‭ ‬عقل‭ ‬المتلقي‭. ‬الإعلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يلهث‭ ‬وراء‭ ‬الإثارة،‭ ‬بل‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬المسؤولية‭ ‬والحرية،‭ ‬وبين‭ ‬الجرأة‭ ‬والدقة‭.‬

بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬الإعلام‭ ‬مسؤولية‭ ‬أخلاقية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مهنة‭. ‬لأنه‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬وفي‭ ‬طريقة‭ ‬فهمنا‭ ‬لأنفسنا‭ ‬وللعالم‭ ‬من‭ ‬حولنا‭. ‬خاصة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لجاليات‭ ‬مهاجرة‭ ‬تعيش‭ ‬بين‭ ‬ثقافتين،‭ ‬وتبحث‭ ‬عن‭ ‬صوت‭ ‬يعبر‭ ‬عنها‭ ‬بصدق‭.‬

صحيفة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬كاريزما‮»‬‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬مهم‭ ‬لأنها‭ ‬تخاطب‭ ‬شريحة‭ ‬محددة‭ ‬المهاجر‭ ‬المصري‭ ‬والعربي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬هذا‭ ‬الجمهور‭ ‬يحتاج‭ ‬منصة‭ ‬تفهم‭ ‬هويته‭ ‬المركبة،‭ ‬وتسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬نجاحاته‭ ‬وتحدياته‭ ‬دون‭ ‬تهويل‭ ‬أو‭ ‬اختزال‭.‬

الجمع‭ ‬بين‭ ‬النسخة‭ ‬الورقية‭ ‬والمنصة‭ ‬الرقمية‭ ‬يعكس‭ ‬فهمًا‭ ‬للمرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭.‬

الورقي‭ ‬يمنح‭ ‬عمقًا‭ ‬وتأملًا‭ ‬ومساحة‭ ‬للقراءة‭ ‬الهادئة،‭ ‬والرقمي‭ ‬يمنح‭ ‬سرعة‭ ‬وانتشارًا‭ ‬وتفاعلًا‭ ‬أوسع‭.‬

إذا‭ ‬استطاعت‭ ‬المنصة‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬صادقة،‭ ‬غير‭ ‬مندفعة‭ ‬وراء‭ ‬العناوين‭ ‬المثيرة،‭ ‬وقريبة‭ ‬من‭ ‬نبض‭ ‬المجتمع،‭ ‬فستكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬الوعي،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬ناقل‭ ‬للأخبار‭.‬

وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬أي‭ ‬منصة‭ ‬إعلامية‭ ‬هو‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭. ‬الثقة‭ ‬لا‭ ‬تُشترى،‭ ‬بل‭ ‬تُبنى‭ ‬عبر‭ ‬الاستمرارية،‭ ‬واحترام‭ ‬القارئ،‭ ‬وتقديم‭ ‬محتوى‭ ‬يضيف‭ ‬قيمة‭ ‬حقيقية‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬الإعلام‭ ‬الذي‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬الإعلام‭ ‬الذي‭ ‬يخدم‭ ‬الإنسان،‭ ‬لا‭ ‬الذي‭ ‬يستغل‭ ‬مشاعره‭.‬

س‭ – ‬لو‭ ‬طُلب‭ ‬منكِ‭ ‬تلخيص‭ ‬رسالتك‭ ‬في‭ ‬جملة‭ ‬واحدة،‭ ‬ماذا‭ ‬تقولين؟

“عِش‭ ‬بوعي،‭ ‬واكسر‭ ‬السرديات،‭ ‬وابنِ‭ ‬جسورًا‭ ‬بين‭ ‬الهويات،‭ ‬واترك‭ ‬أثرًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬يُشعر‭ ‬الآخرين‭ ‬بقيمتهم‮…‬‭ ‬أثرًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬العناوين”.

في‭ ‬كاريزما،‭ ‬لا‭ ‬نستضيف‭ ‬مجرد‭ ‬شخصية‭ ‬أكاديمية،‭ ‬بل‭ ‬نستضيف‭ ‬رؤية‭.. ‬نتوجه‭ ‬بخالص‭ ‬الشكر‭ ‬والتقدير‭ ‬للدكتورة‭ ‬إسراء‭ ‬نوار‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬الملهم‭ ‬الذي‭ ‬جسّد‭ ‬معنى‭ ‬القيادة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬لقد‭ ‬أثرتِ‭ ‬صفحاتنا‭ ‬بفكرٍ‭ ‬عميق،‭ ‬ورؤية‭ ‬عالمية‭ ‬بجذور‭ ‬إنسانية،‭ ‬وتجربة‭ ‬قيادية‭ ‬تصنع‭ ‬الفرق‭. ‬حضورك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬مشاركة‭ ‬صحفية،‭ ‬بل‭ ‬إضافة‭ ‬نوعية‭ ‬تعكس‭ ‬نموذج‭ ‬المرأة‭ ‬المصرية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الهوية‭ ‬والابتكار،‭ ‬وبين‭ ‬العقل‭ ‬والقلب‭.‬

كل‭ ‬الامتنان‭ ‬لرحلة‭ ‬فكرية‭ ‬أضاءت‭ ‬لقرّاء‭ ‬كاريزما‭ ‬مساحات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬والتأثير‭.‬

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى