أمومة وطفولةاخبار عالميةامريكا بالعربيحواراتعاجلوائل لطف الله
عندما تتحدث المرأة بلغة الفكر والتأثير.. د. إسـراء نـوار في حوار خاص احتفالاً باليوم العالمي للمرأة
قـام بالحـوار رئيـس التحـريـر/ وائــل لـطـف الله - Photography by: Tony Lattimore

رحلة بين الفكر والهوية… إســــراء نــــوار ومســاحــات الحــوار الجديـدة
رؤية عالمية بجذور إنسانية… حكاية إسراء نوار
إسراء نوار ضمن قائمة Arabica Connect وأفضل المؤثرين العرب الأمريكيين لعام 2026
أكاديمية قيادية بجامعة شابمان تحوّل الإرشاد إلى حركة مؤثرة، وتبني جسورًا بين التراث والذكاء الاصطناعي في نموذج معاصر للمرأة العربية في قلب كاليفورنيا.
في زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا وتتبدّل المفاهيم الاجتماعية، تبرز شخصيات استثنائية قادرة على الموازنة بين العقل والقلب، وبين الابتكار والقيم، وبين الانتماء المحلي والرؤية العالمية. من بين هذه النماذج الملهمة تلمع الدكتورة إسراء نوار، والتي تشغل منصب نائب عميد المكتبات لشؤون مبادرات الذكاء الاصطناعي بجامعة شابمان بكاليفورنيا، الحاصلة على ثلاث درجات ماجستير في إدارة الأعمال، والآداب، وعلوم المكتبات والمعلومات .
كما تتابع مسيرتها الأكاديمية من خلال برنامج الدكتوراة في القيادة الاستراتيجية بجامعة Marywood University، بالتعاون مع الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري (AAST)، في تجربة تعليمية عابرة للحدود تجمع بين الرؤية الأمريكية والخبرة الأكاديمية العربية، وتعكس إيمانها بأهمية بناء قيادات قادرة على التفكير المنظومي، واتخاذ القرار في بيئات معقدة، وقيادة التحول المؤسسي في عصر الذكاء الاصطناعي.
هذا الامتداد الأكاديمي لا يمثل مجرد درجة علمية إضافية، بل يعكس التزامًا عميقًا بتطوير نماذج قيادية أخلاقية، واعية، وقادرة على التأثير محليًا وعالميًا.
لم تكن مسيرتها مجرد مسار أكاديمي تقليدي، بل تجربة قيادية متكاملة حوّلت فيها الإرشاد إلى حركة مؤثرة، وربطت بين التراث والحداثة، من مشاركاتها في مؤتمرات TEDx إلى مبادرات الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، مرورًا بمشاريع الأزياء المدعومة بالتقنيات الحديثة، وصولًا إلى صالونها الثقافي ودوائر العافية والحوار بين الأديان، هى زوجة العالم الدكتور هشام العسكري، فهو عالم وباحث متخصص في الاستشعار عن بعد وعلوم نظم الأرض
(Remote Sensing and Earth Systems Science)، ويشغل عدة مناصب علمية وأكاديمية بارزة، من بينها: أستاذ الاستشعار عن بعد وعلوم نظم الأرض بجامعة شابمان بكاليفورنيا، نائب الرئيس التنفيذي لوكالة الفضاء المصرية (Egyptian Space Agency)، وهو منصب قيادي في مجال الفضاء والبحث العلمي.
شارك في أدوار علمية واستشارية في مؤسسات دولية تتعلق بالتغير المناخي والبيئة، منها تقديم خبرته في مؤتمرات ومنتديات علمية كثيرة، الدكتورة إسراء نوار ليست فقط قيادية أكاديمية، بل صوت نسائي واعٍ وجسر حوار بين الثقافات، ومساحة أمان للمرأة، وصانعة مبادرات تترك أثرًا حقيقيًا ومستدامًا في المجتمع. في هذا الحوار الخاص لصحيفة كاريزما، نقترب من رؤيتها ورسالتها وتجربتها كامرأة صنعت تأثيراً يتجاوز حدود المناصب ليصل إلى القلوب.

أولًا: البدايات والرؤية الشخصية:
س- من شواطئ الإسكندرية إلى منصات القيادة في كاليفورنيا، كيف تشكلت ملامح رحلتك؟ وهل كانت الإسكندرية مسقط رأسك ونقطة الانطلاق الأولى في مسيرتك الإنسانية والمهنية؟
ج- هي طبقة داخل الروح.. هناك، بين رائحة البحر الأبيض المتوسط وصوت الموج المتكرر، تشكل وعيي الأول.
تعلمت أن الأفق مفتوح، وأن الإنسان يمكن أن ينتمي لمكان دون أن يُحبس فيه.
نعم، الإسكندرية كانت نقطة الانطلاق الأولى، هناك عشتُ أولى التجارب، أولى الأحلام، وأول إحساس حقيقي بالهوية. ولم يكن ارتباطي بها عاطفيًا فقط، بل عمليًا أيضًا.
كان لي شرف أن أكون جزءًا من إرث ثقافي عظيم من خلال عملي في مكتبة الإسكندرية، وكنت فخورة بأن أساهم ولو بجزء صغير في بناء ذلك الصرح الذي يعيد للعالم صورة مدينة المعرفة. ولأن الإسكندرية تسكنني، كرّمتها لاحقًا من خلال معرض تصوير فوتوغرافي احتفيت فيه بروحها، بوجوهها، ببحرها، وبذاكرتها.
كان ذلك المعرض بالنسبة لي رسالة وفاء، لكن الرحلة لم تتوقف عند البحر، انتقلتُ من الإسكندرية إلى الدوحة، ثم إلى مدن متعددة في الولايات المتحدة، كل انتقال لم يكن فقدانًا للوطن، بل إضافة طبقة جديدة لمعنى “الوطن”. وهنا أصل إلى الفكرة التي لازمتني لسنوات، والتي كتبت عنها في مقالي: الخبرات الجديدة للوطن هي امتياز رائع.
لطالما سألت نفسي: أين هو البيت؟!..
هل هو المكان الذي أنام فيه؟ أم المكان الذي أقف فيه بكامل حضوري؟
مررت بمحطات كثيرة: غرفة مستأجرة في فيرجينيا، شقة صغيرة أنجبت فيها طفلي الأول، مكتب متواضع في واشنطن بدأت منه مسيرتي المهنية، بيت عائلي في كاليفورنيا نصنع فيه ذكرياتنا اليوم.
حضرت مؤتمرات في مدن لم أتخيل يومًا أن أصل إليها.
سكنت أماكن مؤقتة، لكن التجارب التي عشتها فيها كانت دائمة.
اكتشفت أن البيت ليس جغرافيا فقط.. البيت هو التجربة التي تشكلك.
هو لحظة النجاح الأولى.. هو أول سيارة في الإسكندرية.. هو صداقة عميقة.. هو مؤتمر تتحدثين فيه للمرة الأولى كمتحدثة.
هو دموع أم ترى أبناءها يكبرون أمامها.. تعلمت أن أكون “حاضرة تمامًا” حيث أكون. أن أعيش اللحظة بكامل وعيي، بدل أن أكون جسدًا في مكان وعقلي في مكان آخر. أنا لا أرى التنقل فقدانًا، بل أراه امتيازًا، امتياز أن أعيش أكثر من تعريف للوطن.. امتياز أن أكون “غائبة حاضرة” في أكثر من مكان، بدل أن أكون “حاضرة غائبة” في مكان واحد.
الإسكندرية كانت البداية…
لكن الوطن بالنسبة لي أصبح شبكة من التجارب التي صنعتني.
والقيادة التي أمارسها اليوم في كاليفورنيا تحمل في داخلها صوت البحر، وذاكرة المدينة، وكل البيوت التي مررت بها.
س- حين تعودين بذاكرتك إلى الطفولة، كيف تشكّلت ملامحك الأولى؟ وما الدور الذي لعبته القراءة في بناء وعيك وشغفك المبكر؟ حدثينا أيضًا عن أجواء نشأتك العائلية وعدد إخوتك؟
ج – ملامحي الأولى تشكّلت من الفضول والانضباط معًا…
والدي استثمر مبكرًا في تعليمي، وأدخلني مدرسة أمريكية لأنه أراد لي إتقان اللغة بعمق. هذا القرار كان حاسمًا لاحقًا عندما هاجرت إلى الولايات المتحدة؛ اللغة لم تكن حاجزًا، بل كانت جسرًا.
كنت أقرأ كل شيء، كتبًا، مجلات، عناوين، حتى القيم الغذائية على علب الطعام، كنت طفلة “نِردي” قليلًا، أجد متعتي في الفهم والتحليل.
نشأت في أسرة محبة وداعمة، أنا الأكبر بين أربعة إخوة، وكونكِ الأكبر يلعب دورًا في تشكيل الشخصية.
المكان الذي تحتله في الهرم العائلي يصنع لديك حسّ المسؤولية مبكرًا.
تعلمت أن أكون قدوة، أن أتحمّل، أن أوجّه، قيادة والدي داخل الأسرة تركت أثرًا عميقًا فيّ.
لم يكن يعلّمنا بالكلمات فقط، بل بالنموذج. منه تعلّمت أن القيادة التزام، وأن التعليم استثمار طويل المدى. ذلك المزيج من الحب، والدعم، والانضباط، والقراءة المستمرة، هو ما شكّل البنية الأولى لشخصيتي.
س – نود أن نعرف كيف التقيتِ بالدكتور هشام للمرة الأولى، وكيف تطورت العلاقة بينكما حتى الزواج؟ وكم أثمر هذا الارتباط من أبناء؟
ج – قصتنا بدأت بطريقة طريفة جدًا، شقيقته كانت طبيبة العيون الخاصة بي، وقررت ذات يوم أن تلعب دور “المعرّف الرسمي”.
كان هو يُكمل الدكتوراه في جامعة جورج ماسون في فيرجينيا، وكنت أنا أنهي دراستي الجامعية.
تعرّفنا في البداية عبر الإنترنت، بدأنا نتحدث لساعات طويلة، اكتشفنا أننا “نِردان” بدرجة امتياز. وأول سؤال طرحه عليّ لم يكن عن هواياتي أو لوني المفضل… بل كان: “What’s your GPA?” ضحكت، لكنني أجبته بثقة. الحمد لله كنت الأولى على مدرستي، وكنت
الـ Valedictorian… أعتقد أنني اجتزت الاختبار الأول بنجاح.
لكن بعيدًا عن الأرقام، ما جمعنا فعلًا كان الاحترام والطموح المشترك.
العلاقة تطورت إلى شراكة حقيقية، قائمة على الدعم لا المنافسة.
هو ليس فقط عالمًا متميزًا، بل من أطيب وأدعم الأزواج الذين يمكن أن تتمناهم امرأة، وأنا أعتبر نفسي محظوظة به. رزقنا الله بثلاثة أبناء: محمد، 22 عامًا، سيف، 21 عامًا، وهانيا، 15 عامًا. رحلتنا بدأت بسؤال عن الـ GPA، واستمرت بقصة حب وشراكة وحياة كاملة.
س- هل برز من بين أبنائكم من يمتلك موهبة استثنائية أو تميزًا لافتًا في مجال علمي أو فني؟ وكيف تحرصون على اكتشاف هذه الموهبة ورعايتها وتنميتها حتى تبلغ أقصى إمكاناتها؟ وما النصيحة التي توجهونها لكل أسرة مصرية وعربية تسعى لاكتشاف مواهب أبنائها وصقلها بالشكل الصحيح؟
ج- التنوع كان القيمة المركزية في بيتنا، تنوع المواهب، وتنـوع الهويات، وتنـوع التجارب. نحن نؤمن بقوة “التعرّض” Exposure. نفتح أمام أبنائنا عوالم متعددة، رياضية وفنية وأكاديمية، ثم نراقب أين يلمع شغفهم الحقيقي، محمد كان لاعب جمباز لمدة 18 عامًا، وصل إلى مستوى 10 Level، وسجّل رقمًا قياسيًا في مسابقة Mr. Handstand بوقفة يد استمرت خمس دقائق وخمس وأربعين ثانية. هذا ليس إنجاز موهبة فقط، بل إنجاز التزام طويل وصبر.
سيف كان بطل الولايات المتحدة في الغطس للناشئين، واستمر في التدريب بنفس الانضباط لسنوات. وهو أيضًا فنان بطبعه، يحمل حسًا إبداعيًا واضحًا.
هانيا راقصة باليه موهوبة وعازفة بيانو، شاركت في حفل “ليالي زمان” وعزفت مع المايسترو عادل إسكندر لمدة عشر دقائق كاملة. وهي ملتزمة بتدريبها الفني بجدية منذ طفولتها، لكن الأهم من الرياضة أو الفن، هو الهوية، في حديثي
“Muslim Enough? Egyptian Enough? American Enough”
أكدت أننا اكتشفنا أنه لا يوجد تعارض بين أن يكون أبناؤنا مسلمين وأمريكيين ومصريين في الوقت نفسه.. الهوية ليست معادلة صفرية. يمكن للإنسان أن يحمل جذوره وأجنحته معًا.
حرصنا أيضًا أن نعرّض أبناءنا لأشخاص من خلفيات مختلفة، ومن ديانات وثقافات متنوعة. كانوا دائمًا جزءًا من مساحات حوار حقيقية وتجارب بين الأديان. لأن التعايش لا يُدرَّس نظريًا، بل يُعاش يوميًا، نصيحتي لكل أسرة عربية:
عرّضوا أبناءكم لتجارب متنوعة، ولأشخاص مختلفين عنهم في الدين والثقافة والخلفية، لا تحصروهم في دائرة واحدة.
ثم عندما تكتشفون شغفهم، استثمروا فيه بثبات لسنوات طويلة.
الموهبة تحتاج مساحة. والهوية تحتاج ثقة.
س- كيف أثّرت الأمومة في تشكيل رؤيتك القيادية والإنسانية؟
ج – الأمومة كانت التحول الأعمق في حياتي، كإمرأة مهاجرة، مسلمة، وأم تعيش على بُعد آلاف الأميال من عائلتها، كنت أسأل نفسي يوميًا: هل أنا مسلمة بما يكفي؟ هل أنا مصرية بما يكفي؟ هل أنا أمريكية بما يكفي؟
هذه الأسئلة لم تكن صراعًا، بل رحلة وعي. الأمومة أجبرتني أن أواجه هويتي بصدق، لأنني لم أكن أعيشها لنفسي فقط، بل أنقلها لأبنائي. اكتشفت أن لا تناقض بين أن نكون مسلمين وأمريكيين ومصريين في الوقت نفسه، الهوية ليست اختيارًا أحاديًا، بل تكاملًا، الأمومة جعلتني أكثر إنسانية وأقل حكمًا على الآخرين، تعلمت أن القيادة ليست صوتًا عاليًا، بل بيئة آمنة. ليست فرض قناعة، بل تمكين إنسان ليكون هو. كأم، أدركت أن السرد مهم. لهذا كرّست سنوات من حياتي لكسر الصور النمطية، وتغيير السرديات، ثم ما أسميه اليوم “تشويش السرديات” Disrupting Narratives. الأمومة لم تُبطئ مسيرتي. بل عمّقتها. جعلتني أؤمن أن أقوى أشكال القيادة هي تلك التي تبدأ من البيت، ثم تمتد إلى المؤسسة، ثم إلى المجتمع.
س – متى أدركتِ أن دوركِ لم يعد يقتصر على الإطار الأكاديمي، بل تطوّر ليحمل رسالة مجتمعية ذات أثر أوسع وأعمق؟
ج- أدركت ذلك عندما بدأت ألاحظ أن وجودي بحد ذاته يحمل رسالة، لم أكن فقط أكاديمية تعمل في مكتبة جامعية.
كنت امرأة مسلمة، مصرية، محجبة، في موقع قيادي داخل مؤسسة أمريكية، وكنت في كثير من المساحات “الأولى” من نوعي. في البداية، كنت أظن أن عملي هو تطوير برامج، وبناء استراتيجيات، وجمع تمويل، لكن مع الوقت.. بدأت أسمع التعليقات، وألاحظ الصور النمطية، وأرى سوء الفهم حول من تكون المرأة المسلمة، ومن يكون المصري في الخارج.
هنا تحوّل الدور.. لم يعد الأمر إدارة مبادرات أكاديمية فقط، بل تغيير سرديات.
بدأت أعي أنني لا أمثل نفسي وحدي. أصبحت أعمل بوعي على كسر المفاهيم الخاطئة، وتمكين النساء المسلمات والمصريات، وإظهار صورة مختلفة، صورة تجمع بين الإيمان، والاحتراف، والقيادة، والاندماج.. من هنا وُلد شغفي بما أسميه اليوم: Changing Narratives.
ثم تطوّر إلى ما هو أعمق: Disrupting Narratives. أدركت أن المعرفة قوة، لكن السرد هو ما يشكّل الوعي.

ثانيًا :القيادة الأكاديمية والذكاء الاصطناعي:
س – بصفتكِ نائب عميد المكتبات لشؤون مبادرات الذكاء الاصطناعي بجامعة شابمان، كيف توازنين بين التكنولوجيا والقيم الإنسانية؟
ج – أنا لا أرى الذكاء الاصطناعي كبديل عن الإنسان، بل كأداة تكشف من نحن.. التكنولوجيا بطبيعتها محايدة، لكن القيم التي نُدخلها فيها هي التي تحدد اتجاهها. في عملي، أتعامل مع الذكاء الاصطناعي كقوة مضاعِفة يمكن أن تضاعف الإبداع، أو تضاعف التحيّز. لهذا أضع الإنسان في المركز دائمًا.
ونركّز بشكل أساسي على AI Literacy - محو الأمية في الذكاء الاصطناعي. لا نعلّم فقط كيف نستخدم الأداة، بل كيف نفكر حولها. كيف نقيّم المخرجات. كيف نفهم التحيّز. كيف نسأل: من صمّم هذا النظام؟ ولصالح من؟ ومن قد يتم إقصاؤه؟
التوازن يبدأ من ثلاثة مستويات:
أولًا: الحوكمة: لا نستخدم أداة لمجرد أنها متاحة، بل نسأل: ما أثرها؟ ما مخاطرها؟ من قد تُقصي؟
ثانيًا: الثقافة: نعلّم طلابنا وأعضاء هيئة التدريس أن يتعاملوا مع الذكاء الاصطناعي بوعي نقدي، لا بانبهار أعمى.
ثالثًا :الكرامة الإنسانية: أي مبادرة تكنولوجية يجب أن تحترم الخصوصية، والعدالة، وإمكانية الوصول للجميع.
أنا أؤمن أن مستقبل المكتبات ليس في استبدال الإنسان، بل في تمكينه. والتحدي الحقيقي ليس أن نكون متقدمين تقنيًا فقط، بل أن نكون متقدمين أخلاقيًا أيضًا.
س – ما أكبر تحدٍ تواجهينه في نشر ثقافة الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي ومتاح للجميع؟
ج – أكبر تحدٍ هو الافتراض.. الافتراض أن الناس “تعرف”، أنهم يفهمون كيف يعمل الذكاء الاصطناعي. أنهم يميزون بين الحقيقة والتوليد. أنهم يدركون التحيّزات والخوارزميات والخلفيات التقنية. هذا الافتراض خطير. نحن نعيش في لحظة يَستخدم فيها الجميع الأدوات، لكن قلة فقط تفهم السياق. هناك انبهار، وهناك خوف، لكن بينهما مساحة مفقودة اسمها الوعي. التحدي ليس توفير الأداة، الأدوات متاحة.. التحدي هو بناء ثقافة.. ثقافة تسأل قبل أن تستخدم.. تتحقق قبل أن تنشر.. وتفهم أن السرعة لا تعني الدقة. الذكاء الاصطناعي ينتشر بسرعة، لكن الثقافة الأخلاقية لا تنتشر بنفس السرعة.
مهمتي هي أن أبطئ الإيقاع قليلًا، حتى لا يسبق الاستخدامُ الفهمَ.
س- كيف ترين مستقبل المكتبات الورقية في عصر الذكاء الاصطناعي؟ وهل سيتحول دورها من مستودع للمعلومة إلى حاضنة للحوار النقدي والتفكير التحليلي؟ وهل باتت المكتبات مهددة بالاندثار بالفعل؟
ج – المكتبات وُجدت قبل آلاف السنين.. قبل الطباعة.. قبل الإنترنت.
وقبل الذكاء الاصطناعي، هي لم ترتبط يومًا بتنسيق واحد، بل بفكرة واحدة: تنظيم المعرفة وإتاحتها بعدل.
صحيح أن صناعة النشر تتغير، وأن الأشكال الورقية تتراجع أحيانًا لصالح الرقمية، لكن القراءة لم تختفِ. بل أعادت تشكيل نفسها.
كما تطورت المكتبات من ألواح طينية إلى مخطوطات، ومن مخطوطات إلى كتب مطبوعة، ومن كتب مطبوعة إلى قواعد بيانات رقمية، ستتطور اليوم أيضًا.
المكتبات الورقية ليست مهددة بالاندثار، بل مدعوة لإعادة تعريف دورها.
لم تعد مستودعًا للمعلومة فقط، بل أصبحت حاضنة للحوار النقدي، ومختبرًا لمحو الأمية المعلوماتية، ومركزًا لمحو الأمية في الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي يجعل الوصول للمعلومة أسرع، لكن يجعل الحاجة للتحقق أعمق، وما دام هناك بشر يحتاجون إلى التفكير، وإلى مساحة آمنة للنقاش، وإلى بنية تحتية للثقة، ستستمر المكتبات. ربما بأشكال مختلفة.. لكنها ستبقى.
س – كيف تعملين على تمكين الطلاب من تجاوز رهبة التحول التكنولوجي المتسارع، وتحويل هذا القلق إلى طاقة إيجابية تدفعهم نحو الابتكار والتكيّف؟ وفي ظل هذا التسارع الرقمي، كيف يمكن للمؤسسات الإعلامية مواكبة المشهد الجديد والاستفادة منه بذكاء؟ وهل تتوقعين أن تعتمد صحيفة مثل Charisma Newspaper مستقبلًا بشكل كامل على منصاتها الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، دون الحاجة إلى النسخة الورقية؟
ج – أولًا، مع الطلاب: الخوف من التكنولوجيا طبيعي. لكنني أذكّرهم دائمًا أن كل جيل ظن أن أداته الجديدة “مخيفة”.
ما نفعله هو تحويل الذكاء الاصطناعي من شيء غامض إلى شيء مفهوم، نُدخله إلى قاعة الدرس.. نناقشه علنًا.. نجرّبه معًا.. نعلّمهم أن يسألوا: كيف يعمل؟ أين يخطئ؟ كيف أستخدمه دون أن أفقد صوتي؟ عندما يتحول الغموض إلى فهم، يتحوّل القلق إلى قوة.
نركّز على مهارات ثلاث:
التفكير النقدي، التحقق، والإبداع البشري الذي لا يمكن نسخه.
الذكاء الاصطناعي قد يكتب، لكنه لا يملك تجربة إنسانية.
أما بالنسبة للإعلام، فالمعادلة واضحة: السرعة لم تعد ميزة تنافسية. الجودة هي الميزة.. المؤسسات الإعلامية التي ستنجو هي التي تبني هوية تحريرية قوية، وتستخدم التكنولوجيا لتوسيع الوصول، لا لتخفيف المعايير، المنصات الرقمية ووسائل التواصل ضرورية، لكن الاعتماد الكامل عليها دون استراتيجية يعني الخضوع لخوارزميات لا تملكها.
بالنسبة لصحيفة مثل Charisma، لا أعتقد أن السؤال هو: ورقي أم رقمي؟ السؤال هو: ما القيمة التي نقدمها؟
النسخة الورقية يمكن أن تصبح منتجًا معمّقًا، تحليليًا، قابلًا للحفظ.
والمنصات الرقمية يمكن أن تكون مساحة حوار حيّ وتفاعل مباشر.
المستقبل ليس إلغاء أحد الشكلين، بل دمجهما بذكاء. كما في المكتبات، القضية ليست الوسيط.. القضية هي الثقة.
س- في ظل التحول الرقمي المتسارع وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، كيف تغيّر نموذج مكتبتكم الجامعية؟ وهل ما زلتم توفرون الكتب الورقية إلى جانب المصادر الإلكترونية؟ وهل أثّر هذا التحول على هيكل الكوادر داخل المكتبة، من حيث الاستغناء عن بعض الموظفين لصالح الحلول التقنية؟
ج- عندما سألنا طلابنا: كيف تتخيلون “مكتبة المستقبل”؟
لم يقولوا شاشات أكبر. ولا أجهزة أكثر. ولا تصميمًا يشبه
Apple Store أو Microsoft Store، قالوا: نريد مكاتب خشبية، نريد دفء المكتبات القديمة.. نريد الإحساس بالتركيز والهدوء.. هذا كان درسًا مهمًا، التحول الرقمي لا يعني أن نحول المكتبة إلى صالة عرض تكنولوجية. بل أن نحافظ على روحها، ونضيف إليها أدوات العصر. نعم، نوفر المصادر الإلكترونية وأدوات الذكاء الاصطناعي.
لكننا في الوقت نفسه نحافظ على الكتب الورقية، ومساحات القراءة العميقة، والشعور بالانتماء.
المكتبة ليست منافسًا لشركات التكنولوجيا، هي بديل إنساني لها.
نموذجنا اليوم هجين ومرن. لدينا بنية رقمية متقدمة، وقواعد بيانات، وأدوات تحليل، وبرامج AI literacy.
وفي الوقت نفسه، نصمم المساحات لتدعم التفكير النقدي والحوار، لا فقط الاستهلاك السريع للمعلومة.
أما بخصوص الكوادر، فنحن لا نستبدل البشر بالتقنية.. نطوّر أدوارهم، التكنولوجيا تتولى المهام الروتينية، لكن التفكير، والإرشاد، وبناء الثقة، تبقى مهام بشرية.
ما تغيّر ليس عدد الموظفين، بل نوع المهارات، أصبحنا نحتاج إلى خبراء في البيانات، وفي الأخلاقيات الرقمية، وفي دعم البحث المتقدم.
مكتبة المستقبل ليست أكثر رقمية.. بل أكثر إنسانية.
س – من وجهة نظركم، ما الذي ينبغي على روّاد المكتبات والطلبة القيام به لتطوير مهاراتهم والاستفادة القصوى من خدمات المكتبات الحديثة، بما يواكب التحولات الرقمية وتسارع تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
ج – أولًا: غيّروا نظرتكم للمكتبة. المكتبة لم تعد مكانًا تذهب إليه فقط عندما تحتاج كتابًا. هي شريك استراتيجي في مسيرتكم الأكاديمية والمهنية.
ثانيًا: استثمروا في AI Literacy. لا تكتفوا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. تعلّموا كيف تعمل، كيف تخطئ، كيف تتحيز، وكيف تستخدمونها دون أن تفقدوا صوتكم. اسألوا دائمًا: هل هذه المعلومة دقيقة؟ ما مصدرها؟ ما الذي لم يُذكر؟
ثالثًا: طوّروا مهارات التفكير النقدي والبحث العميق. في عصر السرعة، القيمة الحقيقية أصبحت في القدرة على التحليل، لا فقط الوصول.
رابعًا: ابنوا علاقة مع أمناء المكتبات. تواصلوا معهم. اطلبوا إرشادًا.
استفيدوا من ورش العمل، ومن قواعد البيانات، ومن المساحات الحوارية.
وأخيرًا: حافظوا على التوازن. استخدموا التكنولوجيا، لكن لا تسمحوا لها أن تستخدمكم.
المستقبل لا ينتمي لمن يعرف الأداة فقط، بل لمن يعرف كيف يفكر.

ثالثًا :التنوع والاندماج والحوار بين الأديان:
س- قدتِ مبادرات متنوعة ومختلفة وجمعتِ تمويلًا ضخمًا لمشروعات بين الأديان، ما الدافع الداخلي وراء هذا التوجه؟
ج – بصراحة، الدافع لم يكن تنظيريًا… كان واقعيًا جدًا.
عندما كنت أول امرأة مسلمة محجبة تعمل على مبادرات بين الأديان في بعض المساحات، بدأت أواجه أسئلة مباشرة وأحيانًا جارحة.
“كيف تعملين مع غير المسلمين؟”، “ألا تشعرين بعدم الارتياح؟”
“لماذا هذا الاتجاه؟” ووصل الأمر أحيانًا إلى رسائل كراهية.
في البداية كان ذلك صادمًا، لكنني أدركت أن وراء هذه الأسئلة سوء فهم عميق، لا عداء حقيقي دائمًا.
وهنا أصبح الدافع واضحًا: إذا كنت أنا، بكل ثقتي وتعليمي وتجربتي، أُساء قراءتي… فكم من امرأة أخرى تُساء قراءتها في صمت؟
لم أرد أن أكون ردّة فعل. أردت أن أكون نموذجًا مختلفًا، اخترت أن أعمل في المساحات التي يظن البعض أنني “لا أنتمي” إليها، لأثبت أن الانتماء لا يُختزل في صورة نمطية. الدافع كان بسيطًا:
أن أحوّل سوء الفهم إلى حوار.. والخوف إلى معرفة.. والكراهية إلى فرصة لكسر السردية.. أحيانًا أفضل طريقة للرد ليست الدفاع، بل الاستمرار بثبات.
س – كيف يمكن للحوار بين الأديان أن يصبح أداة لبناء الثقة المجتمعية وليس فقط نشاطًا رمزيًا ظاهرياً؟
ج- عندما يتحول مجتمع الحوار بين الأديان إلى دائرة أصدقاء… عندها يصبح حقيقيًا.
أنا لدي أصدقاء من مجتمع الحوار بين الأديان منذ أكثر من عشرين عامًا، لسنا فقط زملاء في مبادرة. نحن أصدقاء في الحياة، أعرف متى يصوم أصدقائي المسيحيون، وأحتفل معهم بعيد الميلاد والفصح. أشارك أصدقائي اليهود فرحتهم في حانوكا والفصح اليهودي.
أهنئ أصدقائي الهندوس في ديوالي، وأشارك أصدقائي البوذيين في مناسباتهم الروحية، وأتعلم من أصدقائي السيخ عن قيم الخدمة والتواضع.
هذا ليس “نشاطًا”. هذا علاقة. الحوار يصبح أداة لبناء الثقة عندما يخرج من القاعة إلى الحياة اليومية.
عندما لا يكون الهدف إصدار بيان، بل مشاركة إنسانية حقيقية.
الثقة تُبنى عندما نعرف تفاصيل بعضنا البعض.
عندما نحضر لبعضنا.. عندما نكون موجودين في الفرح والحزن.
الحوار الرمزي ينتهي بانتهاء الحدث.. أما الحوار الحقيقي، فيستمر عشرين عامًا.. وأكثر.
س – ما أكثر تجربة بين الأديان تركت أثرًا عميقًا فيكِ شخصيًا؟
ج- من أكثر اللحظات التي أثّرت فيّ بعمق، كانت عندما كنت أُنسّق معرضًا يحكي قصة الشعب اليهودي. بعد الافتتاح، اقترب مني أحد الحضور وقال: “امرأة مسلمة ترتدي الحجاب، تُنسّق معرضًا عن اليهود، وتعمل في جامعة مسيحية… هذه لحظة قوية.” توقفت عند كلماته. في تلك اللحظة، تذكرت أمي… تذكرت كيف ربّتني على احترام الإنسان قبل التصنيف، وعلى أن الاختلاف لا يُلغي الكرامة.
وتذكرت تعاليمي الإسلامية الحقيقية، التي تقوم على المحبة، والقبول، والتعارف.. أدركت أن ما أفعله لم يكن مجرد معرض.
كان تجسيدًا لقيم تربيتُ عليها منذ طفولتي، تلك اللحظة أكدت لي أن التعايش ليس شعارًا.. هو ممارسة يومية.. وأن الهوية القوية لا تخاف من الاقتراب من الآخر. كانت لحظة صمت داخلي عميق… وشعور بأنني في المكان الصحيح، أقوم بالعمل الصحيح.
س – في ظل الاستقطاب المجتمعي عالميًا والإختلاف بين الثقافات، كيف نحافظ على لغة الاحترام المشترك؟
ج – أول خطوة هي أن نتعلّم الاستماع.. في مرحلة ما، قررت أن آخذ دورة متخصصة في مهارة الاستماع ليس لأنني لا أسمع، بل لأنني أردت أن أتعلم كيف أستمع بعمق، اكتشفت أن أغلبنا لا يستمع ليفهم،
بل ليستعد للرد.
في عالم مستقطَب، الاستماع يصبح فعل شجاعة. أن تمنح الآخر مساحة كاملة ليعبّر، دون أن تقاطعه، ودون أن تصنّفه فورًا.
لغة الاحترام لا تُبنى بالاتفاق، بل بالإنصات. وعندما يشعر الإنسان أنه مسموع، ينخفض مستوى التوتر، ويصبح الحوار ممكنًا.
الاحترام المشترك ليس مجاملة اجتماعية، بل مهارة نتدرّب عليها بوعي.
س- كيف توازنين بين الانتماء لهويتكِ الثقافية والدينية الخاصة وبين العمل في بيئة متعددة الخلفيات والجنسيات والديانات؟
ج – أنا لا أرى صراعًا حقيقيًا بين هويتي وعملي في بيئة متعددة. الإسلام بخلاف ما يعتقده كثيرون، دين متوافق مع الحداثة، وقابل للتكيّف، وفي جوهره يقوم على العدالة، والرحمة، والتعارف.
المشكلة ليست في الدين، بل أحيانًا في الصور النمطية عنه. وكوني مصرية، ونشأتي في الشرق الأوسط، كان في حد ذاته امتيازًا ثقافيًا. المنطقة بطبيعتها متعددة: مسلمين ومسيحيين، ثقافات ولهجات وخلفيات متنوعة. كبرتُ وأنا أتعامل مع هذا التنوع كأمر طبيعي، لا استثناء. هذا التعرض المبكر للاختلاف جعلني أكثر مرونة.
عندما انتقلت إلى بيئة أمريكية متعددة الخلفيات، لم أشعر أنني أدخل عالمًا غريبًا، بل عالمًا أوسع. أنا لا أُخفف هويتي لأندمج، ولا أُضخمها لأثبت نفسي. أعيشها بثقة وهدوء، وعندما تكون هويتك واضحة لك، لا تشعر بالحاجة للدفاع عنها طوال الوقت. تصبح قادرًا على العمل مع الجميع دون توتر داخلي، التوازن بالنسبة لي ليس تنازلًا بل وعي بأن القيم الأساسية.. النزاهة، الكرامة، الاحترام قيم إنسانية مشتركة.
وعندما نتحرك من هذه المساحة، نكتشف أن المسافة بيننا وبين الآخر أقصر مما نتصور.
س- هل تعتقدين أن الجامعات أو المدارس اليوم تقوم بدورها الكامل في تعزيز ثقافة التعددية؟ أم أن هناك فجوة ما زالت بحاجة إلى معالجة وخصوصاً فى الدول العربية؟
ج- أعتقد أن الجواب ليس أبيض أو أسود. هناك جهد حقيقي يُبذل.
والتغيير موجود، أنا أسافر كثيرًا إلى الشرق الأوسط وأعمل على مشاريع تعليمية هناك، وعدتُ مؤخرًا من قطر. ما أراه بوضوح هو حجم الاستثمار الضخم في التعليم، والبنية التحتية، والبرامج الدولية، والشراكات العالمية. هذا ليس شكليًا، بل استراتيجيًا. لكن التعددية ليست قرارًا إداريًا فقط. هي ثقافة تتكوّن بمرور الوقت. يمكنك أن تبني مبانٍ حديثة خلال سنوات، لكن بناء عقلية منفتحة يحتاج أجيالًا. نعم، هناك فجوات. لكن هناك أيضًا حركة حقيقية نحو التغيير. نحن بحاجة إلى الصبر، وإلى الثقة، وإلى الإيمان بأن المجتمعات قادرة على التطور. أنا أرى التحول قد لا يكون سريعًا كما يتمنى البعض، لكنه حقيقي. والتعددية لا تُفرض. هي تنمو عندما يُتاح للناس أن يتعارفوا بأمان وثقة.
س- ما الدور الذي يمكن أن تلعبه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تعزيز الحوار بين الثقافات بدلًا من تعميق الانقسام؟
ج- الذكاء الاصطناعي، في جوهره، من المفترض أن يكون مُعادِلًا Equalizer. إذا استُخدم بوعي، يمكنه أن يفتح الوصول إلى المعرفة، ويكسر حواجز اللغة، ويمنح فرصًا لمن لم تكن لديهم المنصات سابقًا.
الترجمة الفورية، الوصول المفتوح، الأدوات التعليمية المجانية، كل هذا يمكن أن يقرّب المسافات بين الثقافات. لكن الأهم من ذلك، الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمنحنا وقتًا. إذا تولّى المهام الروتينية، وخفّف الأعباء الإدارية، فهو يعطينا مساحة لنكون أكثر إنسانية. وقتًا للاستماع، وقتًا للحوار، وقتًا لفهم الآخر، المشكلة ليست في التكنولوجيا بل في كيفية تصميمها واستخدامها، إذا غذّيناها بالتحيّز، ستضاعفه. وإذا غذّيناها بالقيم الإنسانية، يمكن أن تدعمها.
أنا أؤمن أن دورنا ليس فقط استخدام الذكاء الاصطناعي، بل توجيهه.
عندها يمكن أن يتحول من أداة استقطاب، إلى جسر.
س – برأيكِ، هل أصبح مفهوم “التنوع” أحيانًا شعارًا مؤسسيًا أكثر منه ممارسة حقيقية؟ وكيف نفرّق بين الاثنين؟ وكيف يمكن للأجيال الجديدة أن تتعلم إدارة الاختلاف دون أن تفقد هويتها؟
ج – سأكون صريحة. رغم أنني عملت لسنوات في مجال DEI، وكنت مستشارة وخبيرة فيه، وحصلت على جوائز عديدة بسببه… كنت في كثير من الأحيان ناقدة للطريقة التي يُمارس بها. أحببت الجوهر، لكنني لم أحب دائمًا التنفيذ. نعم، “التنوع” أحيانًا يتحول إلى شعار مؤسسي. كلمات جميلة في موقع إلكتروني، وصورة على بروشور، لكن دون تغيير حقيقي في البنية. كيف نفرّق؟
التنوع الحقيقي يُقاس بالسلوك، لا بالشعارات. من يجلس على طاولة القرار؟ من يُستمع إليه؟ من يُمنح الفرصة؟ ومن يُحمى عندما يختلف؟ إذا لم تتغير الثقافة الداخلية، فالكلمة تصبح زينة.
أنا أؤمن أن التنوع يجب أن يكون عضويًا ، نابعًا من قناعة أخلاقية، لا ضغط سياسي.
أما بالنسبة للأجيال الجديدة، فالسر ليس في أن يذوبوا ليُقبلوا، ولا أن ينغلقوا ليحافظوا على هويتهم. السر في النضج.
أن تعرف من أنت بوضوح، وفي الوقت نفسه تتعلم كيف تستمع للآخر دون تهديد. الهوية القوية لا تخاف من الحوار.. والاختلاف لا يعني فقدان الذات. إذا تعلمنا أن ندير الاختلاف بكرامة، نحوّل التنوع من شعار، إلى ممارسة يومية.
س- هل كان الحجاب يومًا عائقًا في طريقكِ المهني داخل المجتمع الأمريكي، أم شكّل جزءًا من قوتكِ وهويتكِ القيادية؟ وكيف تعاملتِ الثقافات المختلفة مع حضوركِ كامرأة مسلمة محجبة في مواقع المسؤولية؟
ج- الحجاب كان دائمًا Conversation Starter. نعم، هو مرئي. ونعم، يثير الأسئلة. لكنني لم أره عائقًا بقدر ما رأيته فرصة. نعيش في بلد مثل الولايات المتحدة يُفترض فيه أن المعيار هو الكفاءة caliber.
وأنا دائمًا استثمرت في هذا الجانب: تعليمي، تدريبي، تطويري المهني، حضوري المؤسسي. بدأت عملي من مواقع بسيطة جدًا. عملت في أماكن قد لا يراها أحد. من “البدروم” إلى أن أصبحت من أعلى القيادات في مؤسستي.
ليس بسبب الحجاب، ولا رغم الحجاب، بل بسبب العمل الجاد. كنت أؤمن أن أفضل رد على أي افتراض هو الاحتراف. بعض الناس قد يراك أولًا كصورة. لكن عندما تعمل بجد، يبدأون في رؤيتك كقيمة.
الثقافات المختلفة تعاملت معي بطرق مختلفة. كانت هناك فضوليات، وأسئلة، وأحيانًا سوء فهم. لكنني لم أسمح للحظة واحدة أن أتعامل بعقلية دفاعية.
الحجاب لم يُضعف حضوري القيادي بل أعطاني وضوحًا، أنا أدخل أي غرفة وأنا أعرف من أكون. وهذا بحد ذاته قوة.
س- في بيئة عمل متعددة الثقافات، كيف تنعكس ممارساتك خلال شهر رمضان المبارك على إيقاع العمل اليومي؟ وكيف يستقبل زملاؤك هذا الاختلاف في الروتين، كالصيام والامتناع عن القهوة أو المشاركة في وجبات الغداء، وهل ترين في ذلك فرصة لتعزيز الفهم المتبادل والحوار الثقافي؟
ج- لن أكون مثالية في الإجابة. نعم… رائحة القهوة في المكتب صباحًا تبتسم لي. وأحيانًا أبتسم لها. لكنني ممتنة جدًا أن أعمل في مؤسسة تُرسل تهاني رسمية برمضان، وزملاء يكتبون لي “رمضان مبارك”، ويأتون إلى مكتبي بلطف ويسألون إن كنت أفضّل ألا يأكلوا أمامي. هذا الاحترام الإنساني يختصر الكثير. رمضان بالنسبة لي ليس فقط امتناعًا عن الطعام، هو انضباط.. هو وعي.. هو إعادة ترتيب للأولويات..
أحيانًا أعدّل جدولي قليلًا، خصوصًا في الاجتماعات المبكرة جدًا، لكنني لا أوقف عملي، ولا أختزل أدائي.
أبقى نشيطة، أمارس مهامي كاملة، وأحافظ على صحتي. وأتعامل معه أيضًا من زاوية صحية كنوع من الـ intermittent fasting المنضبط، لكن ببعد روحي أعمق. الأجمل أن رمضان يصبح مساحة حوار. بطاقات تهنئة. أسئلة صادقة. فضول محترم. ولا أضع قيودًا حولي.
لا أطلب من الناس أن يتغيروا من أجلي، بل أشاركهم تجربتي.
في النهاية، رمضان في بيئة متعددة الثقافات لا يعزلني. بل يفتح بابًا للفهم. وعندما يتحول الصيام إلى جسر حوار، يصبح الاختلاف قوة لا عبئًا.

رابعًا :تمكين المرأة وصالون إسراء نوار:
س- كيف وُلدت فكرة “صالون إسراء نوار”، ولماذا اخترتِ قناة قبطية لعرضه؟ وبصفتكِ امرأة مسلمة تقدم محتوى على منصة مسيحية، هل واجهتِ أي تحديات أو حساسيات خاصة، أم كانت التجربة نموذجًا لحوار مهني عابر للانتماءات؟
ج – فكرة “صالون إسراء نوار” وُلدت من إحساس بالمسؤولية. كنت أرى نماذج مصرية أمريكية مبهرة لا تُسلّط عليها الأضواء.
نحن في المهجر لسنا قالبًا واحدًا. لسنا فقط أطباء ومهندسين. لدينا فنانون، رياضيون، مبتكرون، وأمهات يصنعن تأثيرًا حقيقيًا بصمت.
عندما جاءتني فرصة تقديم البرنامج على قناة قبطية أمريكية، لم أتردد.
امرأة مسلمة محجبة تقدم محتوى على منصة مسيحية هذا في حد ذاته رسالة. لم أره تناقضًا. رأيته تجسيدًا عمليًا لما أؤمن به: أن الحوار المهني يمكن أن يتجاوز الانتماءات. هل كانت هناك أسئلة؟ نعم. هل وُجد فضول؟ بالتأكيد. لكن التجربة أثبتت أن الاحتراف والاحترام يختصران المسافات.
س- ما الرسالة الأساسية التي تحرصين على إيصالها للمرأة وللمشاهد عبر الصالون والبودكاست؟
ج - رسالتي واضحة: قصتك تستحق أن تُروى. أريد للمرأة أن ترى نفسها خارج الصور النمطية. أن تدرك أن النجاح ليس مسارًا واحدًا، وأن الهوية ليست عبئًا بل مصدر قوة، في الصالون والبودكاست، أركّز على كسر السرديات الجاهزة، وإعادة تعريف مفهوم التأثير.
س – ما القضايا التي تشعرين أن النساء في المهجر يحتجن إلى مناقشتها بجرأة أكبر؟
ج – الهوية المزدوجة، الشعور بعدم الانتماء الكامل هنا أو هناك، الطلاق، الصحة النفسية، ضغط التوقعات العائلية، التوازن بين الطموح والأمومة، وكذلك موضوع النجاح خارج القوالب التقليدية، الكثير من النساء يعشن نجاحًا ظاهريًا، لكن يحملن صمتًا داخليًا لا يُناقش.
س- كيف تسهم دوائر الحوار النسائي في تقليل العزلة وتعزيز الصحة النفسية؟
ج- العزلة ليست دائمًا غياب الناس، بل غياب الفهم. يمكن أن تكوني محاطة بعائلة وأصدقاء، ومع ذلك تشعرين بوحدة عميقة جدًا، في المهجر تحديدًا، هناك نوع خاص من الوحدة. وحدة الهوية. وحدة القرار، وحدة الأم التي لا تملك شبكة دعم قريبة، عندما تجلس النساء في دائرة آمنة ويتحدثن بصدق، تدرك كل واحدة أنها ليست “الحالة الوحيدة”. أن مشاعرها طبيعية، أن شكوكها إنسانية. المشاركة تُخفف العبء. والكلمة تُحرّر. لكن هناك جانب آخر مهم: التصالح مع الوحدة.
أؤمن أن الإنسان يجب أن يتعلم أن يحب الجلوس مع نفسه، أن يكون مرتاحًا في صمته. أن لا يخاف من أفكاره. دوائر الحوار تساعدنا أن نفهم أننا لسنا وحدنا، لكن النضج الحقيقي يأتي عندما نستطيع أن نكون وحدنا دون أن نشعر بالفراغ. الحوار النسائي ليس رفاهية اجتماعية، بل مساحة علاجية غير رسمية. ومع الوقت، يتحول من تقليل عزلة… إلى بناء قوة داخلية.
س – بعد انطلاق الموسم الأول من – صالون اسراء نوار – بنجاح وتألق، هل رصدتِ تحولات ملموسة في حياة المشاهدات نتيجة انخراطهن في البرنامج ومتابعته ؟ وما أبرز التغييرات التي لمستِها على المستوى الشخصي أو المهني أو الفكري.. ما الإضافة؟ وما تقدمين للمشاهد فى الموسم الثانى؟
ج – نعم، وبصدق أقول إن التحولات لم تكن فقط عند المشاهدات… بل عندي أيضًا، وصلتني رسائل من نساء بدأن مشاريعهن بعد مشاهدة الحلقات. أخريات تحدثن لأول مرة عن قضايا شخصية كانت صامتة لسنوات، بعضهن أعاد تعريف مسارهن المهني أو الشخصي، لكن قبل أي شيء، أريد أن أقول كلمة امتنان.. هذا المشروع لم يكن فرديًا.
أشكر السيدة/ هايدي سعد وكل من آمن بالفكرة وساهم في إخراجها إلى النور.
هذه المشاريع لا تُبنى بشخص واحد، بل بفريق مؤمن بالرؤية.
وأعتقد أن التاريخ سيكتب أسماء كل من ساهم في فتح هذه المساحة للحوار، وأقولها بابتسامة كما تقول لي صديقتي المقرّبة دائمًا :“جمهورك القبطي في ازدياد صاروخي”! وهذا صحيح بطريقة جميلة ومضحكة في الوقت نفسه. لأنني عندما أزور كنائس في لوس أنجلوس أو أورانج كاونتي، أشعر أحيانًا أنني بين وجوه مألوفة.
يأتي إليّ أشخاص ويقولون: “نحن نتابعك.. شاهدنا الحلقة الفلانية”.
هذا الشعور دافئ جدًا. لأنه يؤكد أن الرسالة وصلت خارج أي إطار ضيق. أما الموسم الثاني، فانتقلنا إلى صيغة البودكاست. أكثر عمقًا، وأكثر قربًا من الجيل الجديد. نركّز على Gen Z، وعلى الجيل الثاني من المهاجرين. نتحدث عن الهوية الرقمية، القلق، الطموح، وضغط التوقعات في عصر سريع جدًا، الموسم الأول كسر الصورة النمطية.
الموسم الثاني يحاول أن يفهم المستقبل.. والأجمل أن الحوار مستمر.

خامسًا: العافية والـيـوجــا كأداة تمكين:
س – إدماجكِ لليوجا واليقظة الذهنية في العمل المجتمعي خطوة غير تقليدية، كيف بدأت هذه الفكرة؟ وما تأثيرها؟
ج – بدأت الفكرة من الإرهاق.. كنت أمًا مشغولة، عاملة، مهاجرة، أقود مبادرات، وأسافر، وأحاول أن أكون حاضرة في كل الأدوار وفي لحظة ما أدركت أنني أعتني بالجميع… إلا نفسي.
اليوجا دخلت حياتي أولًا كمساحة شخصية ليست رياضة فقط، بل انضباط داخلي، تنفس، صمت، عودة إلى الجسد، ثم فهمت شيئًا مهمًا: لا يمكن أن نتحدث عن تمكين المرأة أو القيادة أو الحوار المجتمعي دون أن نتحدث عن self-care.
بدأت أدمج اليقظة الذهنية في دوائر الحوار، في اللقاءات، في بعض الفعاليات. تمارين بسيطة. لحظات تنفس. تذكير بأن الجسد والعقل ليسا منفصلين. الأثر كان واضحًا. عندما تهدأ المرأة داخليًا، يصبح صوتها أوضح. تصبح قراراتها أكثر توازنًا.
س – لماذا تعتقدين أن بعض النساء يشعرن بالاستبعاد من مساحات العافية التقليدية؟
ج- كثير من مساحات العافية صُممت بصورة نمطية. صورة جسد معين. ثقافة معينة. ملابس معينة. إيقاع معين. وبعض النساء خاصة من خلفيات مهاجرة أو دينية لا يشعرن أنهن ممثَّلات في تلك المساحات. وأحيانًا أسأل نفسي وأسأل غيري: هل هذا كله في أذهاننا؟
أحيانًا نعم. نحن نُضخّم الحاجز قبل أن نختبره. لهذا أقول دائمًا:
اذهبي وابدئي فقط. لا تنتظري أن تكوني “الصورة المثالية”. لا تنتظري أن يتغير المكان بالكامل من أجلك. ابدئي. ادخلي. تنفّسي. خذي المساحة، المشكلة غالبًا ليست في اليوجا نفسها، بل في “تغليفها”.
أنا مؤمنة أن العافية ليست رفاهية، وليست مرتبطة بشكل أو طبقة اجتماعية. هي حق إنساني. وعندما نقدم اليقظة الذهنية بطريقة شاملة، تحترم الخلفيات الثقافية، وتكسر الصورة النمطية، تصبح مساحة مفتوحة للجميع، العافية لا يجب أن تكون ناديًا مغلقًا، بل مساحة تنتمي إليها كل امرأة، بأي هوية، وبأي قصة. وأحيانًا أول خطوة هي أن نُقنع أنفسنا أننا نستحق الدخول.

سادساً: القيادة المجتمعية والعلاقات الدولية:
س – بصفتكِ رئيسة للمنظمة المصرية الأمريكية وعضوًا في منظمات دولية، كيف تربطين المحلي بالعالمي؟
ج – عندما كنت رئيسة للمنظمة المصرية الأمريكية في أورانج كاونتي عامي 2021 و2022، وعضوًا في قيادتها منذ 2015، كنت أؤمن أن دورنا لا يجب أن يكون احتفاليًا فقط… بل استراتيجيًا. لهذا كرّست سنوات لدعم الفنون داخل الجالية. Stand-up comedy. الموسيقى، مساحات إبداعية غير تقليدية، قد يبدو هذا بعيدًا عن العمل المجتمعي الكلاسيكي، لكن بالنسبة لي، الفن لغة عابرة للحدود، الأجيال الشابة لا تتفاعل دائمًا مع الخطاب الرسمي. لكنها تتفاعل مع الفن، مع الموسيقى، مع الضحك. عندما نجحنا في تقديم صورة مصر من خلال الفن، حدث شيء جميل: الجميع أحب مصر أكثر. وأستطيع أن أقول بفخر إن مئات الأشخاص الذين أعرفهم زاروا مصر أو قرروا زيارتها بعد أن تعرفوا عليها من خلال فعالياتنا وقصصنا. نحن جميعًا سفراء. في كل حديث. في كل دعوة. في كل قصة نرويها عن وطننا. الربط بين المحلي والعالمي لا يتم عبر السياسة فقط، بل عبر الثقافة.
س- ما مسؤولية الجالية المصرية والعربية في أمريكا تجاه قضايا الحوار الثقافي؟
ج – مسؤوليتنا كبيرة… لكنها ليست عبئًا. نحن نعيش في مساحة بين عالمين، وهذه ليست حالة ضعف، بل امتياز حقيقي. لا أرى الأمر كضغط أننا “نمثل” مصر طوال الوقت. لكن الحقيقة أننا نفعل سواء قصدنا أم لا. عندما أقول إنني من مصر، أرى الدهشة في عيون الكثيرين. اسم مصر وحده يحمل تاريخًا، حضارة، عمقًا. الناس منبهرة. فخورون بلقاء شخص “من مصر”. هذا في حد ذاته امتياز. نحن لا نحمل بلدًا صغيرًا في الذاكرة العالمية. نحمل حضارة عمرها آلاف السنين. لذلك مسؤوليتنا ليست أن نكون مثاليين، بل أن نكون صادقين. أن نُظهر أفضل ما في ثقافتنا، وأن نتعلم أفضل ما في المجتمع الذي نعيش فيه. إذا لم نكسر الصور النمطية بأنفسنا، فستبقى كما هي، لكنني لا أتعامل مع ذلك كعبء ثقيل، أتعامل معه كفرصة. فرصة أن أكون سفيرة بحضوري، بسلوكي، بأخلاقي، الحوار ليس رفاهية، بل ضرورة في زمن سريع الاستقطاب.
والانتماء لمصر… شرف قبل أن يكون مسؤولية.
س- كيف تبنين جسورًا بين الأجيال المختلفة داخل المجتمع الواحد؟
أنا مهووسة بفكرة الأجيال.. أحب أن أفهم كيف يفكر من في العشرينات، كما أستمتع بالجلوس مع من في السبعين والتسعين.
دائرة أصدقائي تمتد من أوائل العشرينات إلى من عاشوا كل تحولات القرن الماضي. وأعتبر هذا امتيازًا حقيقيًا… وأشعر أنني محظوظة بذلك. الجسر بين الأجيال لا يُبنى بالمحاضرات، بل بالعلاقات.
أستضيف لقاءات في منزلي باستمرار. شباب، كبار، مسلمين، مسيحيين، يهود، من ثقافات مختلفة. وفي كل مرة أسمع الضيوف يقولون بدهشة: “كم هي متنوعة دائرتك!” هذا التنوع العمري والثقافي ليس صدفة، بل اختيار واعٍ. الأجيال الجديدة لا تريد خطابات طويلة، تريد صدقًا ومساحة للتعبير. وعندما نستثمر في الفن، وفي مساحات إبداعية غير تقليدية، نجد الشباب يأتون. يشعرون أن لهم مكانًا. نمنحهم جذورًا مصرية قوية، لكن نمنحهم أيضًا حرية تشكيل هويتهم بطريقتهم. وفي النهاية، إذا شعر الشاب أنه مسموع، وشعر الكبير أنه مُقدَّر، فقد بُني الجسر. وعندما يحب أبناؤنا مصر بطريقتهم الخاصة، لا بطريقتنا نحن، نكون قد نجحنا حقًا.

سابعًا: فن السرد وصناعة التأثير:
س – تُعرفين كـ “صانعة أفكار” وراوية قصص، كيف تختارين القصص التي تستحق أن تُروى؟
أنا نوع مختلف من التأثير لا أبحث عن القصة “الأعلى صوتًا”، بل عن القصة الأعمق أثرًا، أؤمن أن كل قصة تستحق أن تُروى… لكن السؤال هو: من أي زاوية؟ الزاوية هي كل شيء.
يمكن أن نحكي نفس القصة بطريقة تثير الشفقة، أو بطريقة تثير القوة. أختار القصص التي تكسر صورة نمطية. القصص التي توسّع تعريف النجاح. القصص التي تجعل شخصًا ما يشعر أنه مرئي.
التأثير بالنسبة لي ليس ضجيجًا.. بل تغيير زاوية الرؤية.
س- ما دور القصة في تحريك العمل الإنساني والصحي على مستوى القاعدة الشعبية؟
ج – القصة تحرّك ما لا تحركه الأرقام. يمكنك أن تعرض إحصائية عن مرض، لكن عندما تسمع قصة أم فقدت طفلها، يتغيّر شيء داخلك.
لهذا تعاونت مع مبادرات إنسانية مثل “أهل مصر”، ومع مستشفى أبو الريش، ومع مؤسسات محلية غير ربحية، ومع منظمات بين الأديان، ومؤسسات مرتبطة بالشؤون العالمية وحتى فعاليات مرتبطة بالأمم المتحدة. القصة تحوّل القضية من مفهوم عام إلى تجربة إنسانية. وعندما يشعر الناس بالاتصال العاطفي، يتحركون.
س- كيف يمكن للإعلام المجتمعي أن يسلط الضوء على المبادرات الهادفة الهادئة ذات التأثير العميق؟
ج – الإعلام المجتمعي يجب أن يبحث عن العمق، لا فقط العناوين الكبيرة. هناك مبادرات تعمل بصمت، لا تملك ميزانيات ضخمة، لكن أثرها حقيقي. الدور هنا ليس فقط التغطية، بل السرد الذكي. أن نُظهر الإنسان خلف المبادرة. أن نفسّر السياق. أن نربط المحلي بالعالمي. والأهم.. أن يكون السرد حقيقيًا، الجيل الجديد لا يحب الكليشيهات لا يتفاعل مع الخطاب المصطنع أو اللغة المعلّبة.
يريد شيئًا عضويًا، صادقًا، غير مصقول زيادة عن اللزوم.
يريد قصة Holistic ترى الصورة كاملة، ترى التعقيد، ترى الضعف والقوة معًا.. الإعلام اليوم أمام خيارين: إما أن يكون مكبر صوت للضجيج، أو منصة للمعنى. وأنا أؤمن أن المستقبل للإعلام الذي يختار أن يكون خامًا، حقيقيًا، إنسانيًا.

ثامنًا : الجــوائــــز والـتـقــديـــر:
س – تم اختيارك ضمن أكثر الشخصيات تأثيرًا في أورنج كاونتي، ماذا يعني لكِ هذا التقدير؟
أنا ممتنة… بصدق. حصلت على جوائز كثيرة ومنح وتكريمات، وأعتبرها نعمًا من الله. لكنني لا أعرّف نفسي بأي لقب، ولا بأي قائمة.
أنا فقط إسراء نوار… ماشية في ملكوت الله. هناك مقولة أحبها وأعيش بها، لمايا أنجيلو:
“I›ve learned that people will forget what you said, people will forget what you did, but people will never forget how you made them feel.”
تعلمت أن الناس قد تنسى ما قلتِ، وقد تنسى ما فعلتِ، لكنها لن تنسى أبدًا كيف جعلتِها تشعر. الدنيا فانية.. الألقاب تزول.. المناصب تتغير.. لكن الإحساس الذي تتركينه في قلب إنسان.. يبقى، وهذا هو التأثير الحقيقي.
س – كيف تتعاملين مع النجاح دون أن يتحول إلى ضغط أو توقعات مرهقة أو غرور؟
بالتذكّر… وبالعودة إلى نفسي. أذكّر نفسي دائمًا أن كل شيء مؤقت.
النجاح مرحلة. والمنصب مرحلة. وأنا جزء صغير من قصة أكبر بكثير مني. لن أدّعي المثالية. نعم، أحيانًا أشعر بالضغط، وأحيانًا بثقل التوقعات، لكن لديّ مساحتي الخاصة، الاستوديو الخاص باليوجا هو ملاذي، هناك أخلع كل الألقاب، لا نائبة عميد.. لا مقدمة برنامج.. لا شخصية مؤثرة.. فقط إنسانة تتنفس.. اليوجا تعلّمني التواضع، وتعيدني إلى الاتزان.
كل حركة تذكّرني أن السلام الداخلي أهم من أي إنجاز.
أؤمن أن Inner peace is the new wealth. السلام الداخلي هو الثروة الحقيقية. زوجي هشام، وصديقتي المقربة منى، يعيدانني دائمًا إلى الجوهر. نتحدث عن ما وراء الألقاب، وعن الحياة بمعناها الأوسع.
أقرأ للرومي كثيرًا، وأردد الحديث الشريف:
“اعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا.”
النجاح جميل، لكن السلام الداخلي والتواضع هما ما يبقى.
وفي النهاية، إذا جعلتُ إنسانًا يشعر بالقيمة، فهذا يكفيني.

تاسعًا: رسائل للمستقبل:
س- كيف ترين مستقبل المرأة في مواقع القيادة خلال السنوات العشر القادمة؟ وما الرسالة التي تودين توجيهها للمرأة المصرية والعربية أو المهاجرة التي تسعى لصناعة أثر في بيئة متعددة الثقافات؟
مستقبل المرأة في القيادة ليس قضية شرق أوسطية فقط، هو نقاش عالمي..من الولايات المتحدة إلى أوروبا، ومن مصر إلى قطر والسعودية،
الحديث عن تمكين المرأة أصبح جزءًا من السياسات والاستراتيجيات الوطنية.
أنا أتابع عن قرب ما يحدث في المنطقة. في مصر، نرى ارتفاع نسب تمثيل المرأة في الحكومة والبرلمان، ودورًا متناميًا للمجلس القومي للمرأة.
في السعودية، شهدنا تحولات جذرية خلال سنوات قليلة.
وفي قطر، حجم الاستثمار المخصص للتعليم، وتمكين المرأة، وبناء القيادات الشابة… مذهل بكل المقاييس، هناك رؤية، وهناك تمويل حقيقي، وهناك تركيز استراتيجي. هل الطريق انتهى؟ بالطبع لا لكن الاتجاه واضح.
أنا متفائلة جدًا.. المرأة اليوم لم تعد تطلب مقعدًا على الطاولة فقط، بل تشارك في تصميم الطاولة نفسها. السنوات العشر القادمة ستشهد قيادات نسائية أكثر تنوعًا، أكثر وعيًا عالميًا، وأكثر توازنًا بين القوة والإنسانية. وأعتقد أن الجيل الجديد من النساء خاصة من عاشن تجارب عابرة للثقافات سيقدن بنموذج مختلف. أكثر شمولًا. وأكثر ثقة.
س – ما النصيحة التي تقدمينها للشابات العربيات الساعيات للتأثير المجتمعي في المهجر وخصوصاً المسلمات منهم والقبطيات الطامحات إلى مناصب قيادية؟
أولًا :اعرفن من أنتن.. الهوية الواضحة تحميكن.
ثانيًا :استثمرن في أنفسكن بلا توقف.. التعليم، التدريب، التطوير المهني هذه أدوات قوة حقيقية.
ثالثًا :لا تعشن بعقلية الدفاع. لا تتحركن فقط لرد الصور النمطية.
ابنين مساركن الخاص، سواء كنتِ مسلمة أو قبطية، المعيار الحقيقي هو الكفاءة، والأخلاق، والاتساق. لكن دعيني أضيف شيئًا مهمًا جدًا:
العناية بالنفس ليست رفاهية.
Self-care ضرورة.. دائرتكِ لا يجب أن تكون كبيرة. الحياة ليست اختبار شعبية. الجودة أهم من العدد. اختاري دائرة صغيرة، آمنة، صادقة. اهتمي بصحتكِ، مارسي الرياضة حتى لو كان الأمر مجرد مشي يومي، اشربي الماء بانتظام، قومي بالفحوصات الدورية، لا تؤجلي الماموجرام، لا تؤجلي الكشف السنوي، الوقاية قوة، أؤمن بالطب الوقائي، وبالنهج الشمولي والتكاملي.
العقل والجسد ليسا منفصلين. لا يمكنكِ أن تقودي مجتمعًا وأنتِ منهكة. النجاح الحقيقي ليس فقط في المنصب، بل في قدرتكِ على الاستمرار… بصحة وسلام داخلي.
س- كيف تنظرين إلى دور الإعلام والصحافة في تثقيف المجتمعات ودفع مسارات الوعي والتطوير؟ وفي هذا السياق، كيف تنظرين لتجربة صحيفة مثل صحيفة «كاريزما» كمنبر إعلامي انطلق قبل تسع سنوات، جامعًا بين الإصدار الورقي والموقع الإخباري الرقمي، وموجّهًا خطابه إلى المهاجر المصري والعربي في الولايات المتحدة؟
ج – الإعلام اليوم إما أن يصنع وعيًا، أو يصنع انقسامًا. لم يعد دوره مجرد نقل الخبر، بل تفسيره، ووضعه في سياقه، وتحفيز التفكير النقدي لدى القارئ.
في زمن السرعة والذكاء الاصطناعي والخوارزميات، أصبح التحدي الأكبر هو المصداقية. ليس من يسبق أولًا، بل من يشرح بعمق، ومن يحترم عقل المتلقي. الإعلام الحقيقي لا يلهث وراء الإثارة، بل يوازن بين المسؤولية والحرية، وبين الجرأة والدقة.
بالنسبة لي، الإعلام مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهنة. لأنه يؤثر في تشكيل الرأي العام، وفي طريقة فهمنا لأنفسنا وللعالم من حولنا. خاصة بالنسبة لجاليات مهاجرة تعيش بين ثقافتين، وتبحث عن صوت يعبر عنها بصدق.
صحيفة مثل «كاريزما» لها دور مهم لأنها تخاطب شريحة محددة المهاجر المصري والعربي في الولايات المتحدة. هذا الجمهور يحتاج منصة تفهم هويته المركبة، وتسلط الضوء على نجاحاته وتحدياته دون تهويل أو اختزال.
الجمع بين النسخة الورقية والمنصة الرقمية يعكس فهمًا للمرحلة الانتقالية التي نعيشها.
الورقي يمنح عمقًا وتأملًا ومساحة للقراءة الهادئة، والرقمي يمنح سرعة وانتشارًا وتفاعلًا أوسع.
إذا استطاعت المنصة أن تظل صادقة، غير مندفعة وراء العناوين المثيرة، وقريبة من نبض المجتمع، فستكون جزءًا من صناعة الوعي، لا مجرد ناقل للأخبار.
وأعتقد أن أهم ما يميز أي منصة إعلامية هو قدرتها على بناء الثقة. الثقة لا تُشترى، بل تُبنى عبر الاستمرارية، واحترام القارئ، وتقديم محتوى يضيف قيمة حقيقية.
في النهاية، الإعلام الذي يبقى هو الإعلام الذي يخدم الإنسان، لا الذي يستغل مشاعره.
س – لو طُلب منكِ تلخيص رسالتك في جملة واحدة، ماذا تقولين؟
“عِش بوعي، واكسر السرديات، وابنِ جسورًا بين الهويات، واترك أثرًا إنسانيًا يُشعر الآخرين بقيمتهم… أثرًا يتجاوز العناوين”.
في كاريزما، لا نستضيف مجرد شخصية أكاديمية، بل نستضيف رؤية.. نتوجه بخالص الشكر والتقدير للدكتورة إسراء نوار على هذا الحوار الملهم الذي جسّد معنى القيادة الإنسانية في زمن الذكاء الاصطناعي، لقد أثرتِ صفحاتنا بفكرٍ عميق، ورؤية عالمية بجذور إنسانية، وتجربة قيادية تصنع الفرق. حضورك لم يكن مجرد مشاركة صحفية، بل إضافة نوعية تعكس نموذج المرأة المصرية العربية التي تجمع بين الهوية والابتكار، وبين العقل والقلب.
كل الامتنان لرحلة فكرية أضاءت لقرّاء كاريزما مساحات جديدة من الوعي والتأثير.






