ج- لم يكن الغذاء حلًا سحريًا منفردًا، بل كان ضلعًا مهمًا في منظومة متكاملة حاولتُ أن أبنيها لنجلي عمر اشتغلنا على a balanced dietary protocol أو بروتوكول غذائي صارم خالٍ من الجلوتين (Gluten-Free) والكازين (Casein-Free) والسكريات المكررة (Sugar-Free)، لأن كثيرًا من الأطفال على «طيف التوحد» يعانون من اضطرابات في الهضم وامتصاص الفيتامينات. لم أتعامل مع الأمر كـ موضة غذائية، بل كضرورة حياة نتيجة وعي أعمق لما يُعرف بـ Gut–Brain Axis، تلك العلاقة المعقدة بين الأمعاء والدماغ، وما يرتبط بها من ظواهر مثل Leaky Gut Syndrome (زيادة نفاذية الأمعاء). ولأن التجربة لا تُبنى على الظن، استعنتُ بصديقي، الكيميائي الحيوي المصري الكندي «رامز سعد»، لإجراء تحليل دقيق لخلايا الشعر للوقوف على يمكن أن نسميه Mineral Profiling أو البصمة المعدنية لجسم «عمر»، لنفهم خريطة المعادن (Trace Elements) ونسب السموم الثقيلة (Heavy Metals). هذا التحليل كشف لنا اختلالات لم تكن مرئية، وساعدنا على توجيه النظام الغذائي والمكملات (Nutritional Supplements) بشكل أكثر دقة. بطبيعة الحال، واجهتنا انتقائية الطعام الحادة (Food Selectivity) الشائعة لدى الأطفال المتوحدين، فكان إدخال هذا النظام تحديًا يوميًا شديد الصعوبة، يتطلب صبرًا ومرونة وابتكارًا وصرامة، بل وقسوة أحيانًا. لكننا لم نركن إلى الغذاء وحده؛ بل تضافرت معه عناصر أخرى: السباحة التي أعادت ترتيب العلاقة بين الجسد والفراغ، الفروسية التي فتحت باب التواصل غير اللفظي، والموسيقى التي تسللت إلى وجدانه حين عجزت الكلمات. هكذا، لم يكن الغذاء علاجًا بقدر ما كان محاولة لإزالة بعض الضباب من الطريق، لعلّ الضوء يصل أوضح إلى داخله أو لعلنا نحن نصير أقدر على رؤيته.