امريكا بالعربيحواراتعاجلوائل لطف الله
الكاتبة والمفكرة فاطمة ناعوت تفتح قلبها لكاريزما: عمـر أعظم دروسي في الإنسانية
قـام بالحـوار رئيـس التحـريـر / وائــل لـطـف الله

حكاية أمٍّ مع التوحّد… تتحول إلى رسالة أمل لكل أسرة عربية
• (فاطمة ناعوت) تفتح قلبها لكاريزما:
• عـمــــر لـم يكـــن تحـــديـــاً… بل كان أعظم دروسي في الإنسانية
• (عـمـــر) لم يغيّر حيــاتي فـقـط… بل غيّر طريقتي في رؤية العالم
• الأمومة مع طفل علي طيف التوحّد تعلّمنا أن الحب له لغات أخرى
• التوحّد لم يكن عائقًا في حياتنا… بل كان نافذة لفهم أعمق للإنسان
• تعلمت من عمر أن الاختلاف ليس نقصاً… بل شكل آخر من أشكال الجمال
• الكاتبة والمفكرة والشاعرة (فاطمة ناعوت) تروي رحلة ابنها (عــمـــر) مع التوحّد:
حصري على صفحات جريدة كاريزما.. حوار خاص بمناسبة عيد الأم في الولايات المتحدة 10 مايو. وفي لفتة تقدير لكل أم تصنع من التجربة الإنسانية رسالة ووعيًا وأملًا، تفتح الكاتبة والشاعرة والمهندسة المصرية الدكتورة (فاطمة ناعوت) قلبها في حوار خاص مع جريدة كاريزما، لتشارك القرّاء واحدة من أعمق وأصدق تجاربها الإنسانية:
رحلتها مع ابنها (عمر) على (طيف التوحّد)، تلك الرحلة التي لم تكن مجرد تجربة أمومة مختلفة، بل تحوّلت إلى مساحة معرفة وصبر واكتشاف جديد لمعنى الإنسان، ورسالة يمكن أن تُلهم الأمهات في المجتمع العربي داخل الولايات المتحدة وخارجها على حد سواء.
تمثّل (فاطمة ناعوت) نموذجًا فريدًا للمثقفة العربية التي جمعت بين الهندسة المعمارية والأدب والشعر والرواية والترجمة والصحافة الثقافية والنقد، إذ تخرجت في كلية الهندسة، قسم العمارة بجامعة عين شمس عام 1987، وعملت بالمجال الهندسي عشر سنوات، قبل أن تتجه لاحقًا إلى مشروعها الأدبي والفكري الذي جعلها أحد أبرز الأصوات الشعرية العربية المعاصرة. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والترجمة والنقد الثقافي والفكر، وشاركت في مهرجانات ومؤتمرات أدبية دولية عديدة، كما تُرجمت أعمالها إلى أكثر من عشر لغات، ولها قصائد تُدرّس في المناهج الغربية، وحصلت على المركز الأول في «جائزة الشعر العربي» في هونغ كونغ عام 2006، وجائزة “جبران العالمية” في أستراليا عام 4102، وجائزة أفضل كاتبة مقال عام 4202 من مؤسسة (مفيد فوزي للصحافة)، وغيرها من الجوائز، إلى جانب حضورها الصحفي المؤثر عبر كتاباتها في صحف عربية بارزة مثل “المصري اليوم” وصحيفة كاريزما ومجلة «نصف الدنيا” وغيرها.
لكن خلف هذا الحضور الثقافي الواسع، تكشف (ناعوت) جانبًا إنسانيًا بالغ الخصوصية، هو تجربتها كأم لطفل على «طيف التوحّد»، وهي تجربة لم تتعامل معها بوصفها تحديًا شخصيًا فقط، بل بوصفها مسؤولية معرفية ورسالة توعوية للمجتمع. وعلى امتداد سنوات، شاركت عبر مقالاتها ومنشوراتها على منصاتها الاجتماعية تفاصيل هذه الرحلة بشجاعة وصدق، مؤكدة أن (التوحّد) ليس عائقًا أمام الإنسانية، بل هو طريق مختلف لفهم العالم والتواصل معه، وأن الأمومة في هذه الحالة تتحول إلى رحلة اكتشاف متبادل بين الأم وطفلها.
ويكتسب هذا الحوار أهميته الخاصة بالنسبة للقارئ العربي في الولايات المتحدة، لأنه يأتي في سياق الاحتفاء بعيد الأم، بوصفه مناسبة لا تقتصر على التكريم الرمزي، بل تمتد إلى إبراز نماذج أمومية ملهمة استطاعت تحويل التحديات إلى طاقة معرفة وأمل. ومن خلال تجربتها مع ابنها (عمر)، تقدّم «فاطمة ناعوت» نموذجًا للأم المثقفة التي واجهت الاختلاف بالعلم والحب والصبر، وساهمت في تعزيز الوعي المجتمعي بقضايا أطفال «طيف التوحّد» وحقهم في الفهم والاحتواء والاندماج.
في هذا اللقاء الخاص، تتحدث (فاطمة ناعوت) عن لحظة اكتشاف حالة (عمر)، وعن التحديات اليومية التي واجهتها، ودور الفن والغذاء والتأهيل في رحلته، والدروس التي تعلمتها منه إنسانيًا وإبداعيًا، وكيف أعادت هذه التجربة صياغة رؤيتها للحياة والشعر والناس… لتتحول قصة أمومة خاصة إلى رسالة إنسانية عامة لكل أم تبحث عن معنى أعمق للحب والمسؤولية.
س- متى بدأتِ تلاحظين العلامات الأولى التي أشعرتك بأن عمر طفل مختلف ويحتاج إلى متابعة خاصة؟ وهل كان لديه في تلك الفترة إخوة أو أخوات شاركوه هذه المرحلة المبكرة من الرحلة؟
ج- أذكرُ يوم الانسحاب، والدخول في الشرنقة وتلك اللحظة بكامل تفاصيلها وكأنها حُفرت على جدار العقل. اليوم الذي ستتبدّل فيه حياتُنا تمامًا، حين يدخل «عمر» داخل شرنقة التوّحد ويُحكم حول نفسه خيوطَها.
كنتُ في غرفة المعيشة جالسةً إلى حاسوبي، أعملُ على الإخراج الهندسي لتصميمات «مستشفى النيل»، وزوجي المهندس «نبيل» يبدي ملاحظاته على الرسومات، وكان الطفلان «مازن» و «عمر» يلعبان في غرفتهما، وصوتهما يملأ أرجاء البيت صخبًا وفرحًا وبهجةً.
ودقَّ جرسُ الباب، ودخلت شقيقةُ زوجي المهندسة «كريمة»، وهي بمثابة أمٍّ أخرى لطفليَّ، يعشقانها ويتهللان بزيارتها.
ناديتُ على الطفلين، وأخبرتهما بمجيء «كيكي»، كما يطلقان عليها. وكانت العادةُ أن يتركا ما يشغلهما ويركضان نحوها ويقبّلانها ويأخذان منها الشيكولاتة واللعب. وبالفعل فتح الطفلان باب الغرفة، وركضا نحوها كالعادة، وألقى «مازن» بنفسه في حضنها، أما الصغير «عمر» فقد تراجع فجأةً، ودخل تحت مكتبي الذي كنتُ أجلس إليه، أعمل على حاسوبي. دخل في تجويف المكتب وأمسك ساقيّ بكلتا يديه. ضحكنا ونحن نظنٌّ أنه يلعب معنا Hide & Seek وبدأت أضعُ يدي على عينيّ وأرفعهما فجأةً وأنا أضحك وألاعبه، لكنه رفض الاستجابة للعب، ولم ينظر حتى في عينيّ. وهنا فقدَ «عمر» أول تواصل مجتمعي بينه وبين الناس :التواصل البصري: Eye-Contact ظلت «أبلة كريمة» تنادي عليه، ولا يستجيب! وهذا أمرٌ عجيب للغاية بالنسبة لنا جميعًا. من يومها بدأتُ ألاحظ انسحاب كل مهارات «عمر» وتراجع كل الإنجازات التي حصدها خلال السنوات الثلاث الماضية. كان حول الثالثة من عمره أو يزيد قليلا. اختفى الكلامُ من لسانه، واختفت الابتسامات، وكانت عيناه تهربان من عيون الناس، وبدأ مرحلة الانزواء وفقد الرغبة في مشاركة شقيقه الأكبر جميعَ الألعاب التي كانا يلعبانها معًا. كان يمكثُ بالساعات في مخبئه بفراغ أسفل المكتب رافضًا الخروج، ويصرخ إن حاولنا سحبه إلى الخارج! وكنتُ ألاحظ جميع تلك الانسحابات ولا أفهمُ ماذا يجري! لم نكن قد سمعنا شيئًا عما يُسمّى )التوحد).
ولاحظ الجميعُ أن كلماتِه راحت تقلُّ يوما بعد يوم حتى اختفت تقريبًا. ولاحظنا أن تواصله مع (الآخر) راح يزداد في الخفوت يومًا بعد يوم. وبدأتُ مرحلة الدواران على الأطباء في رحلات مكوكية مع أمي رحمها الله. أطباء أطفال وباطنة ومخ وأعصاب وسمعيات ونفسية وتخاطب. وكان كلُّ طبيب يُسّلمنا إلى آخر. وتضاربتْ أقوالُ الأطباء وتناقضت التشخيصات من طبيب إلى طبيب، ولم يُجمعوا على شيء. فمنهم من يقول إنه التوحد Autism ، ومنهم يقول إنه فرط الحركة، Hyper Activity ومنهم من يقول إن فرط الذكاء لدى الطفل يجعله يتلعثم في الكلام لأن معجم الكلمات الصغير الذي كوّنه أقل مما بداخل رأسه من أفكار كبيرة، ومنهم من أكّد أن (عمر) سليم تمامًا وأنني أعاني من (فرط هلع الأمومة) والقلق الزائد وأنني من يستحقُّ العلاج وليس الصغير (عمر)، وهلم جرّا. وظلّت دوامةُ رحلاتي مع الأطباء وتناقضاتهم وعدم اتفاقهم على رأي تضغط على أعصابي شهورًا طوالا ولا أحد منهم قادرٌ على مساعدتي ولا إنقاذ (عمر) من الهوّة التي كان يسقط فيها يومًا بعد يوم. وكان «عمر» آنذاك قد التحق بمدرسة «سانت فاتيما» مع شقيقه الأكبر في فصل الــ Baby Class. وجاءنا من المدرسة استدعاء لأن (عمر) لا يستجيب للمعلمين. وأُخرج من المدرسة التي رفضت بقاءه فيها مع الأطفال “الأسوياء”، على حدّ قولهم، وأنه يحتاج إلى تعليم خاص مع المتأخرين لغويًّا.
لم تكن آنذاك فكرة «الدمج» منتشرة في أوائل تسعينيات القرن الماضي. ومن ضمن رحلاتنا كانت لنا جولات موسعة مع أطباء «السمعيات» لعلّنا نقفُ على سبب عدم إنصاته للمعلمين ولنا، ولكن القياسات جاءت ممتازة .(عمر) يسمعُ جيدًا لكنه لا يريد أن يسمع أحدًا ولا أن يتكلم مع أحد .دخل (عمر) صندوق التوحد الزجاجي، يراقبُ العالم الخارجي من داخل صندوقه ولا يعبأ بذلك العالم ولا يهتم بأحد. وبدأنا رحلة «جلسات التخاطب» اليومية المرهقة والمكلّفة جدًّا على زوجين صغيرين في مقتبل حياتهما.
ورغم التكاليف والتعب، لم تفدِ الجلساتُُ شيئًا «عمر» يرفضُ الكلام وينفر من العالم. ينظرُ إلى مرآة كفّه ويرسم ويصمت ولا ينظر إلى عيوننا! ضحينا بمستقبلنا الأكاديمي المرموق في مصر، وسافرنا إلى (المملكة السعودية) بعدما سمعنا أنهم متقدمون في علاج «طيف التوحد» .ولكن سفريتنا باءت بالفشل كذلك. وعلى مدى سنواتٍ طوال، رحتُ أقرأ عن (طيف التوحد)، عساي أنجح فيما أخفق فيه الطب! قرأت بنهمٍ وإصرار ورجاء سنواتٍ طوالا، لم أقرأ فيها حرفًا سوى في كتب التوحد وأحدث الأبحاث الغربية التي توصلوا إليها وطرق العلاج بالتأهيل النفسي Psychotherapyولا فائدة! بكيتُ وانهرتُ وحاولتُ التخلص من حياتي وسقطتُّ في هوّة اليأس. ولا أنسى مشهد أمي وهي تبكي أمام طبيبة نفسية شهيرة ترجوها أن تنقذ حفيدها “عمر” من التوحد، إلى درجة أنها انحنت وقبّلت يدَها! وكان هذا المشهدُ قاسيًّا للغاية على قلبي وضاغطًا على أعصابي وحافرًا لنفسه مكانًا أبديًّا في ذاكرتي لا أنساه ما حييت. وبعد سنوات من الشقاء المُرّ، ويوم وفاة أمي، ألقيتُ بنفسي في لجّة (اليأس) ودخلتُ في مرحلة اكتئاب صعبة. وظل مشهد أمي وهي تنحني لتقبّل يد الطبيبة د. «زينب بشري»، حتى تنقذ (عمر) من (طيف التوحد)، شوكةً حادّة موجعة في قلبي لا تبرحه. ظهر هذا الوجعُ في مقال نشرتُه في (جريدة الوطن) في ذكرى وفاة أمي في سبتمبر 2102 بعنوان: “أمّي التي كسرها عمرُ، اختلط فيه حزني على رحيل أمي مع حزني على مرض ابني «عمر» بالتوّحد، حين كنتُ أظنُّ أن «التوحد» مرضً! وهذا ما سأكتشفُ خطأه مع الأيام. التوحّد ليس مرضًا، بل «اختلافٌ جميل” عن سائر البشر.
س -ما أصعب لحظة واجهتكِ في تلك المرحلة الأولى من الاكتشاف؟
ج -أقسى لحظة حين قيل لي بالحرف: (التوحد لا علاج له .هايعيش كده طول عمره). ولكنني لم أيأس رغم فقر التقدم الطبي آنذاك في مجال التوحد. لكنني أيقنتُ أن الطريق طويل، وأن التقدم لن يكون سريعًا. كان عليّ أن أتعلم «الصبر» بمعناه الحقيقي.
س -إلى أي مدى ساعدكِ وعيك الثقافي واطلاعك العلمي في فهم الحالة والتعامل معها مبكرًا؟
ج -ربما فتح لي أبواب الفهم والإدراك، لكنه لم يكن كافيًا وحده. المعرفة ترشد، لكن الأمومة هي التي تقود.
س- كيف أعادت تجربة عمر تعريف مفهوم الأمومة لديكِ؟
ج- الأمومة جعلت تجربة ابني فعل إنصات. لم تعد الأمومة رعاية فقط، بل محاولة فهم لما لا يُقال. أصبحتُ أكثر وعيًا بلغة «الصمت»، إن كان للصمت لغة.
س -ما أبرز التحديات اليومية مع ابن على (طيف التوحد)؟
ج -التواصل، وخلق توازن يومي يمنح طفلي الشعور بالأمان، وسط تفاصيل لا حصر لها تحتاج صبرًا مستمرًا. التحدي الأكبر في حياتي هو (كيف أجعل ابني سعيدًا)، حتى ولو داخل هذه الشرنقة محكمة الغلق. يقولون إن «جنة من غير ناس ما تنداس»، بمعنى أن السعادة مستحيلة مع الوحدة. فما بالك بالتوحد؟ ابني يعيش وحيدًا مهما كان الزحام من حوله، لا أصدقاء، لا شقيقة، لا زوجه، لا زملاء عمل الخ …فكيف أجعله سعيدًا في وحدته المفرطة تلك؟ محاولة إسعاده كانت ومازالت، وسوف تظل أكبر تحدٍّ في حياتي. أما التحدي الذي لا أملكُ له حالا والسؤال الذي لا أجدُ له إجابة، هو: ماذا سيفعل ابني حين أرحلُ من العالم؟!!
س- كيف تعاملتِ مع نظرة المجتمع إلى ابنك المتوحد؟
ج -بهدوء وفهم. لأنني أدركت أن الجهل هو المشكلة، لا الناس. لم أخجل من ابني أبدًا، بالعكس، كنتُ ومازلتُ وسوف أظلُّ فخورة به، لأنني أدركُ تمامًا أن (عمر) وأقرانه على (طيف التوحد)، أعلى كعبًا منّا نحن سائر البشر. لأن المتوحدين موهوبون وراقون ولطيفون ومتحضرون، والأهم أنهم متحررون من أدران البشر مثل: الطمع والكبر والظلم والقسوة والأنانية والظلم والأثرة وغيرها من أمراض البشرية .لكنني حين أدخل رفقة (عمر) إلى مجتمع ما، لابد أن أنوّه همسًا أنه على (طيف التوحد)، حتى لا يغضب أحدٌ إن تجاهل ابني النظرَ إليه وهو يصافحه، أو لم يرد الابتسامة بمثلها كما نفعل عادة . أنوّه عن وضع ابني مراعاةً لمشاعر الناس، وفقط.
س- هل وجدتِ دعمًا كافيًا من المؤسسات التعليمية أو الطبية خلال رحلتك معه؟
ج -في السنوات الأولى لاكتشاف (طيف التوحد) عند ابني، الدعم كان محدودًا للغاية. بسبب فقر المعلومات عن «طيف التوحد» آنذاك، ولأنني وحيدة لا أشقاء لي ولا أصدقاء. الداعم الأوحد في السنوات الأولى من رحلة علاج (عمر) كان أمي (سهير) رحمها الله. وبعد رحيلها لم أجد إلى جواري أحدًا يساندني، فصارت الرحلةُ شديدة العسر والوعورة والقسوة، بل والاستحالة. ولكن منذ أربع سنوات، قبل وأثناء خروج (عمر) من الشرنقة وحتى اليوم، صار الدعم فوق التصور من الأصدقاء والأطباء الذين وقفوا إلى جواري لمساعدة ابني ومساندتي في هذه الرحلة الشاقة. ولو أحببتُ أن أسرد لك أسماء الأصدقاء الذين ساندوني في رحلتي ربما أحتاج إلى مائة صفحة. والله كان وسيظلُّ في مقدمة الجميع.
س -ما اللحظة التي شعرتِ فيها أنكِ تفهمين ابنك المتوحد؟
ج- حين اقتربتُ من عالمه، وتعلّمتُ أن أُنصت إلى لغة الصمت التي لا يعرف عمر سواها، بدلًا من أن أُصرّ على سحبه إلى عالمي الصاخب الثرثار .لم تكن لحظةً واحدةً خاطفة، بل سلسلة من انكساراتي وهزائمي أمام صلابته النبيلة. كنتُ أظنّ أن الفهم يعني أن يتكلم، أن يشرح، أن يُجيب ثم اكتشفتُ أن الفهم الحقيقي هو أن أهدأ أنا، أن أُبطئ إيقاعي، أن أرى العالم بعينيه لا بعينيّ. في تلك اللحظة التي كففتُ فيها عن مطالبته بأن يكون مثلنا، بدأ هو يفتح لي باب عالمه، بلا كلمات، لكن بصدقٍ كامل. عندها فقط شعرتُ أنني لا أفهمه فحسب بل أتعلم منه كيف يُعاد اختراع المعنى من جديد.
س -تحدثتِ في أكثر من مناسبة عن تأثير بعض الأنماط الغذائية على أطفال طيف التوحّد… كيف انعكس ذلك على تجربة عمر تحديدًا؟
ج- لم يكن الغذاء حلًا سحريًا منفردًا، بل كان ضلعًا مهمًا في منظومة متكاملة حاولتُ أن أبنيها لنجلي عمر اشتغلنا على a balanced dietary protocol أو بروتوكول غذائي صارم خالٍ من الجلوتين (Gluten-Free) والكازين (Casein-Free) والسكريات المكررة (Sugar-Free)، لأن كثيرًا من الأطفال على «طيف التوحد» يعانون من اضطرابات في الهضم وامتصاص الفيتامينات. لم أتعامل مع الأمر كـ موضة غذائية، بل كضرورة حياة نتيجة وعي أعمق لما يُعرف بـ Gut–Brain Axis، تلك العلاقة المعقدة بين الأمعاء والدماغ، وما يرتبط بها من ظواهر مثل Leaky Gut Syndrome (زيادة نفاذية الأمعاء). ولأن التجربة لا تُبنى على الظن، استعنتُ بصديقي، الكيميائي الحيوي المصري الكندي «رامز سعد»، لإجراء تحليل دقيق لخلايا الشعر للوقوف على يمكن أن نسميه Mineral Profiling أو البصمة المعدنية لجسم «عمر»، لنفهم خريطة المعادن (Trace Elements) ونسب السموم الثقيلة (Heavy Metals). هذا التحليل كشف لنا اختلالات لم تكن مرئية، وساعدنا على توجيه النظام الغذائي والمكملات (Nutritional Supplements) بشكل أكثر دقة. بطبيعة الحال، واجهتنا انتقائية الطعام الحادة (Food Selectivity) الشائعة لدى الأطفال المتوحدين، فكان إدخال هذا النظام تحديًا يوميًا شديد الصعوبة، يتطلب صبرًا ومرونة وابتكارًا وصرامة، بل وقسوة أحيانًا. لكننا لم نركن إلى الغذاء وحده؛ بل تضافرت معه عناصر أخرى: السباحة التي أعادت ترتيب العلاقة بين الجسد والفراغ، الفروسية التي فتحت باب التواصل غير اللفظي، والموسيقى التي تسللت إلى وجدانه حين عجزت الكلمات. هكذا، لم يكن الغذاء علاجًا بقدر ما كان محاولة لإزالة بعض الضباب من الطريق، لعلّ الضوء يصل أوضح إلى داخله أو لعلنا نحن نصير أقدر على رؤيته.
س- جميعنا لاحظنا الموهبة الفنية الفائقة لدى (عمر)، كيف ساعده الرسم في رحلة التوحد؟
ج- الرسم… لم يكن الرسم عند (عمر) مجرد موهبة، بل كان لغته الأولى، نافذته إلى العالم حين أوصدت الكلماتُ أبوابها. قبل أن يتعلّم أن يُسمّي الأشياء، كان يرسمها؛ وقبل أن يقدر على التعبير عمّا يشعر به، كان يسكبه لونًا وخطًا وظلًا. الرسم لم يكن ترفًا جماليًا، بل كان وسيلته لتنظيم الفوضى الداخلية، ومحاولة لفهم عالم يبدو له صاخبًا ومربكًا .في لحظات انقطاعه عنا، كان يعود إلينا عبر الورق. خطوطه لم تكن عشوائية كما قد تبدو، بل كانت تحمل منطقه الخاص، إيقاعه الداخلي، ذلك الإيقاع الذي لا يُرى لكنه يُحسّ. ومع الوقت، صار الرسم جسرًا للتواصل، شكلًا من أشكال Nonverbal Communication، بل ونوعًا من Art Therapy الذي يحدث بشكل عفوي دون جلسات مُنظمة .الأهم أن الرسم منحه إحساسًا بالسيطرة على عالمه؛ ففي حين يعجز عن ضبط ما يدور حوله، يستطيع على الورق أن يُعيد ترتيب الأشياء، أن يخلق توازنًا بصريًا يوازي اختلال الواقع. وربما، في كل لوحة، كان يخطّ طريقًا صغيرًا للخروج من عزلته، أو على الأقل يفتح لنا نحن نافذة نطلّ منها عليه. هكذا لم يساعده الرسم فقط بل أنقذه بطريقته الخاصة، وأنقذنا معه، إذ علّمنا أن الفهم لا يمرّ دائمًا عبر الكلمات، وأن الجمال قد يكون أصدق أشكال النجاة.
س -كيف تصفين شخصية (عمر)؟
ج- إنسان رقيق، صادق، وعميق بطريقته الخاصة .(عمر)، هو المعماريُّ البارع الذي نجح، وهو في العاشرة من عمره، في بناء مدينته الفاضلة التي لا نفط فيها ولا ذهب ولا أسلحة ولا مغانم ولا مطامع. علّمَ مخلوقاته درس المحبة الرائقة للحياة وللآخر. هل تصدّق أيها القارئ العزيز أن ذلك الصغير (عمر) قد علّمنا، أنا وأباه، كثيرًا جدًّا من قيم الجمال والتحضّر في الحياة؟! علّمنا (العدل)، و(السلام)، و(الإيثار)، و(الفردانية)، (واحترام حق الآخر)، والنظام والجمال وعشرات القيم التي تحتاج كلُّ منها إلى مقال مستقل. أما الكلمة على لسان «عمر»، تلك التي تأخرت كثيرًا ولم تجيء كاملةً بعد، فهي الحُلم الذي أنتظر، وهي «ريم» التي لم تأتِ بعد، ولكنها حتمًا سوف تأتي في القريب يومًا ما. ربما لو تكلم «عمر» لجاء الحُلم، وانتهت القصيدة.
س -ماذا تعلمتِ من (عمر)؟
ج -سأحكي لك حكاية صغيرة تظهر لك شيئًا من دروس (عمر) لي ولغيري. في أحد الأيام كنّا جالسين مع مجموعة من الأصدقاء على أحد المقاهي على البحر في الإسكندرية. مرَّ سائلون من المتسولين، وكان (عمر) في كل مرة يفتحُ محفظته بشكل (آليّ ميكانيكي)، شأن المتوحدين، ويُخرج ورقة من فئة العشرة جنيهات يمنحها للسائل قائلا: (اتفضّل!)، دون أن ينظر في عينيه. فالمتوحدون لا ينظرون في عيون الناس. ثم مرّت بنا فتاةٌ مليحة عمرها حول الخامسة عشر. مدّت يدها لـ»عمر» ليعطيها شيئًا. فنظر إليها «عمر» برهةً، ثم أطرق برأسه. ولم يفتح محفظتَه كالمعتاد لكي يعطيها العشرة جنيهات. بل امتدت يدُه نحو الفازة الصغيرة الموضوعة في منتصف الطاولة أمامنا، وانتزع زهرة بيضاء، وأعطاها للصَّبيّة. نظرت إليه الصبيةُ مشدوهةً، ثم نظرت إلى الزهرة في يدها، وظلّت تنقلُ عينيها من الزهرة إلى عيني (عمر)، وهي غير مصدقة ما حدث! لكن (عمر) لم ينظر إلى عينيها بل أطرق غارقًا في صمته المعتاد. ومضت الصبيةُ إلى حال سبيلها دون كلمة.
ربما هذه أولُ زهرة تُقدَّم لها في حياتها. ولكن الأكيد أن شيئًَا ما دار بذهن (عمر) جعله يستصعبُ أن يمنحَ الفتاةَ الجميلةَ حفنةَ مال! هذا لا يليق. فالجميلاتُ تليقُ بهنّ الزهورُ الجميلة، وليس الأوراق النقدية! ألم أقل لكم إنه «مرضُ الجمال»؟!
س -ما أكثر الصفات التي تفاجئك فيه باستمرار؟
ج -تفاجئني فيه دائمًا نقاؤه الإنساني العميق، وقدرته الاستثنائية على التقاط التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها كثيرون، ثم تحويلها إلى مواقف ومعانٍ كبيرة تكشف حساسيته العالية ووعيه الحقيقي بما يدور حوله. هذه القدرة لا تعكس فقط دقة ملاحظة، بل تعكس صفاء رؤية وشخصية ترى الجوهر قبل المظاهر.
س -ما اللحظة التي شعرتِ فيها بالفخر الشديد به كأم؟
ج- شعرتُ بالفخر به في كل خطوة صغيرة كان يخطوها بثقة وإصرار، لأنني كنت أرى في كل تقدّم حتي وإن بدا بسيطًا انتصارًا حقيقيًا يُبنى عليه مستقبله وشخصيته. بالنسبة لي، لم تكن الإنجازات الكبيرة وحدها مصدر الفخر، بل كانت التفاصيل اليومية الصغيرة التي تكشف نموّه الداخلي ونضجه الإنساني.
س- كيف ترين تطوره عبر السنوات؟
ج- أراه رحلة متدرجة لكنها عميقة وصادقة، رحلة تشكّلت عبر سنوات من التجارب الصغيرة التي صنعت فرقًا كبيرًا في شخصيته. كنت ألاحظ مع كل مرحلة كيف يزداد وعيه وثقته بنفسه، وكأن الزمن كان ينحت ملامحه الإنسانية بهدوء وثبات.
س -ما أحلامكِ له في المستقبل؟
ج- أحلم له أن يبقى مطمئنًا كما هو الآن، لأن الطمأنينة نعمة نادرة وأساس لكل نجاح حقيقي. أريده أن يعيش حياة يشعر فيها بالأمان الداخلي والرضا، وأن يظل قلبه ثابتًا وواثقًا مهما تغيّرت الظروف من حوله، وأرجو أن يرسل الله له قلباً رحيماً يرعاه بدلا مني بعد رحيلي عن العالم.
تركه وحيدا دوني أمر مرعب بالنسبة لي لأنني وسيلته الوحيدة للتواصل مع هذا العالم الصعب.
س- كيف أثّرت تجربة الأمومة لطفل علي طيف التوحّد على صوتك الشعري؟
ج- جعلته أكثر صدقًا وهدوءًا بالفعل، لأن تجربة الأمومة لطفل على طيف التوحّد أعادت ترتيب علاقتي بالكلمات نفسها. لم تعد القصيدة بالنسبة لي مجرد تعبير جمالي، بل أصبحت مساحة إنصات عميق لما لا يُقال، ومحاولة لفهم العالم من زاوية أكثر شفافية ورحمة ووعيًا بالتفاصيل الإنسانية الدقيقة.
س- هل دخل عمر نصوصك الأدبية بصورة مباشرة أم ظل حاضرًا في العمق الإنساني للنص؟
ج- عمر حاضر في نصوصي حضورًا حقيقيًا، سواء بشكل مباشر في بعض المشاهد والتجارب، أو بشكل غير مباشر في العمق الإنساني للنصوص .لقد أصبح جزءًا من صوتي الكتابي نفسه، ومن الطريقة التي أرى بها الإنسان والحياة والتفاصيل التي تستحق أن تُكتب.
س- هل جعلتك هذه التجربة أكثر حساسية تجاه قضايا الاختلاف الإنساني؟
ج -نعم، جعلتني هذه التجربة أكثر حساسية ووعيًا بقضايا الاختلاف الإنساني، وأكثر إدراكًا لقيمة التنوع في تشكيل التجربة البشرية .فقد تعلّمت أن الاختلاف ليس عائقًا، بل منظورًا إضافيًا يساعدنا على رؤية العالم بصورة أوسع وأكثر إنصافًا للآخرين.
س -ما الذي تعلّمتِه من عمر أكثر مما تعلّم منك؟
ج -تعلّمت منه الصبر العميق والقبول الحقيقي للإنسان كما هو، وهما من أثمن الدروس التي يمكن أن تمنحها تجربة الأمومة .فقد جعلني أرى النمو الإنساني بمعايير أكثر رحابة، وأفهم أن لكل إنسان طريقته الخاصة في التقدّم والتعبير والحضور في العالم.
س- هل يمكن القول إن التوحّد فتح لكِ بابًا جديدًا لفهم العالم؟
ج- بالتأكيد، فقد فتح لي التوحّد بابًا واسعًا لفهم الإنسان بصورة أعمق وأكثر رحابة. جعلني أرى العالم من زوايا مختلفة لم أكن ألتفت إليها من قبل، وأدرك أن طرق الإدراك والتواصل والشعور ليست واحدة، بل متعددة ومتنوعة بقدر تنوّع التجارب الإنسانية نفسها.
س- ما الرسالة التي تودين توجيهها لكل أم تكتشف أن طفلها علي طيف التوحّد؟
ج- رسالتي لكل أم تكتشف أن طفلها على طيف التوحّد:
لا تخافي. الطريق قد يكون مختلفًا عمّا توقعتِه، لكنه ليس طريقًا مظلمًا، بل طريق مليء بالاكتشاف والنمو والمعنى. ثقي بأن طفلك يحمل عالمًا خاصًا يستحق أن يُفهم لا أن يُقارن، وأن الحبّ والصبر والمعرفة قادرة على فتح آفاق لم تكوني تتخيّلينها. أنتِ لستِ وحدك، ومع كل خطوة ستكتشفين قوة جديدة داخلك قبل أن تكتشفيها في طفلك.
س- ما أكثر المفاهيم الخاطئة التي ترغبين في تصحيحها حول التوحّد في مجتمعاتنا العربية؟
ج -أن التوحّد ليس عجزًا كما يعتقد كثيرون، بل هو اختلاف إنساني في طريقة الفهم والتواصل والإحساس بالعالم، وقد يكون مصحوبًا بقدرات مميزة تحتاج فقط إلى الوعي والاحتواء.
س- كيف يمكن للإعلام أن يلعب دورًا حقيقيًا في دعم الوعي بهذه القضية؟
ج -يمكن للإعلام أن يؤدي دورًا حقيقيًا عبر تقديم صورة صادقة وإنسانية عن أطفال طيف التوحّد، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وإبراز النماذج الملهمة، بما يرسّخ ثقافة الوعي والاحترام والاندماج داخل المجتمع.
س- ما الخطوة الأولى التي يجب أن تبدأ بها الأسرة بعد التشخيص؟
ج- الخطوة الأولى هي الفهم؛ لأن الوعي الحقيقي بطبيعة التوحّد يمكّن الأسرة من تجاوز الخوف والارتباك، والانطلاق بثقة نحو دعم الطفل وبناء مسارٍ إيجابي لمستقبله.
س- كيف يساهم كلٌّ من التأهيل، والفهم، والحب في تشكيل تجربة طفل طيف التوحّد؟ وهل يمكن اعتبار أحدها أكثر تأثيرًا من الآخر، أم أن نجاح الرحلة يعتمد على تكاملها جميعًا؟
ج -لا يمكن فصل التأهيل عن الفهم أو الحب؛ فنجاح رحلة طفل طيف التوحّد يقوم على تكامل هذه العناصر الثلاثة معًا. التأهيل يبني القدرات، والفهم يصحّح المسار، والحب يمنح القوة والاستمرار… ومن هذا التكامل تولد التجربة الأكثر نضجًا وإنسانية في حياة الطفل وأسرته.
س -بعد هذه الرحلة الطويلة مع عمر، ما الرسالة التي تشعرين اليوم أنكِ مطالبة بتوصيلها إلى العالم عن أطفال طيف التوحّد بوصفك أمًا وكاتبةً وصوتًا ثقافيًا مؤثراً؟
ج -أنهم بشر كاملون بطرق مختلفة، رسالتي إلى العالم أن أطفال طيف التوحّد ليسوا ناقصين، بل مختلفون ومتكاملون بطريقتهم الخاصة؛ هم بشرٌ كاملو الإنسانية، يحتاجون إلى الوعي والقبول والاحتواء، لا إلى الأحكام المسبقة. وعندما نمنحهم الفرصة الحقيقية، يكشفون عن طاقاتٍ إنسانية مدهشة تثري المجتمع كله.
س -لو عاد بكِ الزمن إلى لحظة اكتشاف حالة عمر لأول مرة، ما النصيحة التي كنتِ تتمنين أن تسمعيها آنذاك؟
ج- اهدئي الرحلة ستتضح… كنتُ أتمنّى أن أسمع:
اهدئي، فالرحلة وإن بدت غامضة في بدايتها، ستتّضح ملامحها مع الوقت، وستكتشفين خلالها قوةً في داخلكِ ومعنى جديدًا للحياة لم تكوني تتوقعينه.
س -بعد كل هذه الرحلة مع عمر، هل يمكن القول إن الأمومة لطفل علي طيف التوحّد لم تغيّر حياتك فقط… بل أعادت تعريف معنى الإنسان في داخلك؟
ج -نعم، بالكامل. لم تغيّر هذه التجربة تفاصيل حياتي فقط، بل أعادت تشكيل رؤيتي للإنسان ومعنى القوة والاختلاف والقبول. جعلتني أقترب أكثر من جوهر الإنسان بعيدًا عن المقاييس الجاهزة والتوقعات التقليدية، وأفهم أن القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على الاحتواء والإصغاء والمحبة غير المشروطة. كانت رحلة أعادت تعريف الإنسان داخلي قبل أن تعيد تعريف الأمومة نفسها.
س -كيف ترين دور جريدة كاريزما اليوم في دعم الوعي الثقافي والإنساني بقضايا الجاليات العربية، وفي نقل التجارب الملهمة مثل تجربة أطفال طيف التوحّد، سواء في مصر أو في الولايات المتحدة؟
ج -أرى أن جريدة كاريزما تمثل اليوم منبراً مهماً ومسؤولًا لنقل التجارب الإنسانية الملهمة وصناعة الوعي الثقافي داخل الجاليات العربية، سواء في مصر أو في الولايات المتحدة.
فهي لا تكتفي بنقل الخبر، بل تفتح مساحة حقيقية للحوار حول قضايا الإنسان والهوية والاختلاف والتحديات التي تواجه الأسر العربية في المهجر، ومن بينها تجربة أطفال طيف التوحّد، بما يعزز الفهم ويكسر الصور النمطية ويمنح هذه القصص حضورها المستحق في المجال العام.
في نهاية هذا الحوار الإنساني العميق، تبدو تجربة الدكتورة فاطمة ناعوت مع ابنها عمر أكثر من مجرد رحلة أمومة خاصة، بل رسالة وعيٍ وأمل لكل أسرة مصرية وعربية تتعرّف إلى عالم أطفال طيف التوحّد من زاوية جديدة ترى في الاختلاف طاقة إنسانية لا نقصًا، وفي الحب لغةً قادرة على إعادة تعريف معنى التواصل والحياة.
وبين الشعر والأمومة والمعرفة، تتحول هذه التجربة إلى شهادة حيّة على أن الفهم والتأهيل والاحتواء يمكن أن يصنعوا مستقبلًا أكثر عدلاً وطمأنينةً لهؤلاء الأطفال وأسرهم.
ومن هنا تؤكد جريدة كاريزما رسالتها كأحد أصوات الجالية المصرية والعربية في الولايات المتحدة، عبر نقل النماذج الإنسانية الملهمة التي تصنع الوعي وتفتح نوافذ الأمل، إيمانًا بأن تسليط الضوء على هذه التجارب الصادقة يُعد خطوة أساسية نحو مجتمع عربي أكثر فهمًا للاختلاف، وأكثر إيمانًا بقيمة الإنسان أينما كان.








