حوارات

الباحث والمفكر المصرى هانى نسيره فى حوار خاص لكاريزما

التحول الدينى" أفضل من تعبير" الإرتـداد والـردة " الـديـنى فهو تعبير مـدنى يحرر الظاهرة من التشـنج الدينى وتعصباته

– التساؤلات غير التقليدية تنشط حركة التحول للإلحاد والتحرر من المقدس ومعاداته بدرجـاتهـا المختـلفـة

– الزمن العربى، بمجاليه العام والخاص، لم يتجاوز ابن رشد بعد ولكن ربما تجاوزه الزمن الغربى

– برنارد لويس مبهر ومشكلته اشتباكه السياسي وقربه من صانع القـرار الامريكـى

– لا للتقديس المطلق ولا للتدنيس المطبق على قـراءة التـاريــخ

– غياب المشروع الثقافى الحاضن لفكرة تجديد وتنويـر الدينى إنسـانيـاً

حاورة: روبير الفارس

هاني‭ ‬نسيرة‭ ‬مفكر‭ ‬مصري‭ ‬وباحث‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬الاسلامية‭ ‬والفكر‭ ‬العربي‭ ‬القديم‭ ‬والحديث،‭ ‬ينصب‭ ‬اهتمامه‭ ‬على‭ ‬الظاهرتين‭ ‬الفكرية‭ ‬و‭ ‬الدينية،‭ ‬له‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬كتابا‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬فكرية‭ ‬وايدولوجية‭ ‬مختلفة،‭ ‬مهتم‭ ‬بشكل‭ ‬رئيس‭ ‬بالتيارات‭ ‬الفكرية‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬واهتم‭ ‬بشكل‭ ‬مركز‭ ‬على‭ ‬أيديوولوجيا‭ ‬وخطابات‭ ‬الجماعات‭ ‬المتطرفة،‭ ‬وكذلك‭ ‬مسألتي‭ ‬التحول‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والتحول‭ ‬الفكري‭.‬

من‭ ‬أهم‭ ‬كتبه‭: ‬المتحولون‭ ‬دينيا‭ ‬ومذهبيا‭: ‬دراسة‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬تغيير‭ ‬الديانة‭ ‬والمذهب‭ ‬وكتاب‭ ‬‭‬‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬والقضبان‭: ‬نحو‭ ‬أنسنة‭ ‬للفكر‭ ‬العربي‭”‬‭ ‬سنة‭ ‬2003‭ ‬و‭ ‬‭”‬‭ ‬الليبرالية‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭”‬‭ ‬دمشق‭ ‬سنة‭ ‬2004‭ ‬و‭”‬‭ ‬أزمة‭ ‬النهضة‭ ‬العربية‭ ‬وحرب‭ ‬الأفكار‭: ‬مفاهيم‭ ‬وقضايا‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭ ‬‭ ‬والحنين‭ ‬للسماء‭: ‬ظاهرة‭ ‬التحول‭ ‬الفكري‭ ‬نحو‭ ‬التوجه‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭”‬‭ ‬مطبوع‭ ‬ببيروت‭ ‬سنة‭ ‬2010‭ ‬و‭ : ‬متاهة‭ ‬الحاكمية‭: ‬أخطاء‭ ‬الجهاديين‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬ابن‭ ‬تيمية‭”‬‭ ‬و‭”‬‭ ‬سرداب‭ ‬الدم‭: ‬نصوص‭ ‬داعش‭ ‬دراسة‭ ‬نقدية‭ ‬وتحليلية ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الكتب،‭ ‬وتعد‭ ‬كتبه‭ ‬مرجعا‭ ‬رئيسا‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬العرب‭ ‬والأجانب‭.‬

وهو‭ ‬ينشر‭ ‬مقالاته‭ ‬ودراساته‭ ‬بشكل‭ ‬دوري‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الصحف‭ ‬العربية‭ ‬وترجمت‭ ‬بعض‭ ‬اعماله‭ ‬ودراساته‭ ‬للانجليزية‭ ‬والفرنسية‭ ‬والألمانية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬نقترب‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬فكر‭ ‬هاني‭ ‬نسيرة‭ ‬حوار‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الشائكة‭ ‬والساخنة.‭ ‬

أولا‭: ‬كنت‭ ‬اول‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬بشكل‭ ‬محكم‭ ‬عن‭ ‬الارتـــداد‭ ‬فى‭ ‬التاريـــخ،‭ ‬مـــاذا‭ ‬عـــن‭ ‬الارتداد‭ ‬فى‭ ‬الوقت‭ ‬الحالى،‭ ‬وهل‭ ‬إرتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬الملحدين‭ ‬له‭ ‬مايـبــرره؟

في‭ ‬دراستي‭ ‬المنشورة‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬اثرت‭ ‬تعبير‭ ‬‭”‬‭ ‬التحول‭ ‬الديني‭”‬‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬تعبير‭ ‬مدني‭ ‬يحرر‭ ‬الظاهرة‭ ‬من‭ ‬التشنج‭ ‬الديني‭ ‬وتعصباته،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬تعبير‭ ‬الارتداد‭ ‬والردة‭ ‬الديني،‭ ‬الذي‭ ‬تسرب‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬كذلك‭ ‬لبعض‭ ‬الأيديولوجيات‭… ‬وأرى‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬معدلات‭ ‬التحول‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬الارتداد‭ ‬كما‭ ‬تسميه‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الراهن،‭ ‬تعود‭ ‬لأننا‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الديني‭ ‬والإنساني‭ ‬الذي‭ ‬تمكن‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬الوطنية،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬صار‭ ‬رافدا‭ ‬أصيلا‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬القديم‭ ‬للاستقطاب‭ ‬والصراع‭ ‬السياسي‭ ‬العالمي‭ ‬والاقليمي‭ ‬بل‭ ‬والوطني‭ ‬كذلك‭..‬فحضور‭ ‬الديني‭ ‬وصداماته‭ ‬المتطرفة‭ ‬انتجت‭ ‬قناعات‭ ‬مضادة‭ ‬له‭ ‬كما‭ ‬انتجت‭ ‬تحولات‭ ‬له‭ ‬وعنه‭ ‬لأسباب‭ ‬معينة‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬نصوص‭ ‬الدين‭ ‬نفسه‭ ‬ولكن‭ ‬ممارساته‭ ‬وخطابه‭ ‬المتعين‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬المتحول‭.‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نضيف‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬الإنسان‭ ‬المعاصر‭ ‬والحديث‭ ‬في‭ ‬الظرف‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحديث‭ ‬رغم‭ ‬تحققه‭ ‬وتحلقه‭ ‬الانساني‭ ‬الحر‭ ‬معلوماتيا‭ ‬وتواصليا‭ ‬تخلقت‭ ‬وتصاعدت‭ ‬معها‭ ‬أزمة‭ ‬روحية‭ ‬وبحث‭ ‬عن‭ ‬الخلاص‭ ‬بطريقة‭ ‬نيتشوية‭ ‬تقتل‭ ‬الإله‭ ‬احيانا‭ ‬وتسعى‭ ‬للإلحاد‭ ‬أو‭ ‬تبحث‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬خلاص‭ ‬آخر‭ ‬دنيوي‭ ‬أو‭ ‬غيبي‭ ‬أو‭ ‬تجربة‭ ‬غرائبية‭ ‬تحوله‭ ‬من‭ ‬دين‭ ‬إلى‭ ‬دين‭ ‬ومن‭ ‬جماعة‭ ‬إلى‭ ‬جماعة،‭ ‬ومن‭ ‬سماوي‭ ‬إلى‭ ‬سماوي‭ ‬أو‭ ‬أرضي‭ ‬والعكس‭..‬ونشطت‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬الروح‭ ‬المعاصر‭ ‬كل‭ ‬الأديان‭ ‬في‭ ‬تبشيراتها‭ ‬بشكل‭ ‬مؤسسي‭ ‬او‭ ‬فردي‭ ‬رسالي‭ ‬حتى‭ ‬اديان‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬رسالية‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬شأن‭ ‬الهندوسية‭ ‬او‭ ‬البوذية‭ ‬او‭ ‬حركات‭ ‬وعد‭ ‬واعدة‭ ‬داخل‭ ‬الأديان‭ ‬نفسها‭ ‬تحمل‭ ‬الخلاص‭ ‬وتعد‭ ‬به‭ ‬لمن‭ ‬تستطيع‭…‬بينما‭ ‬تقبع‭ ‬الأديان‭ ‬نفسها‭ ‬أو‭ ‬غالبها‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬داخلها‭ ‬بين‭ ‬القديم‭ ‬والجديد‭ ‬والصواب‭ ‬والبدعي‭ ‬المرفوض‭ ‬منها‭ ‬وتعانق‭ ‬سلطة‭ ‬هنا‭ ‬وتعادي‭ ‬اخرى‭ ‬هناك‭ …‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬الازمات‭ ‬تتخلق‭ ‬دائما‭ ‬حركة‭ ‬الارواح‭..‬والحنين‭ ‬الى‭ ‬السماء‭ ‬كما‭ ‬سميته‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬لي‭ ‬او‭ ‬نوستالجيا‭ ‬الخلاص‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬ترغيبا‭ ‬احيانا‭ ‬وترهيبا‭ ‬احيانا‭ ‬اخرى‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬السريعة‭ ‬والمتسارعة‭ ‬للأسئلة‭ ‬وكشف‭ ‬الديني‭ ‬للديني‭ ‬او‭ ‬كشف‭ ‬التجربة‭ ‬له‭ ‬تنشط‭ ‬التساؤلات‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬التساؤلات‭ ‬غير‭ ‬التقليدية‭ ‬تنشط‭ ‬حركة‭ ‬التحول‭ ‬للإلحاد‭ ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬المقدس‭ ‬ومعاداته‭ ‬بدرجاتها‭ ‬المختلفة‭.

هل‭ ‬تري‭ ‬اننا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬فعلا‭ ‬لابـن‭ ‬رشد‭ ‬كمفكر‭ ‬مستنير‭ ‬ام‭ ‬ان‭ ‬الزمن‭ ‬قد‭ ‬تجاوزه‭ ‬بالفعل؟ ‬

تظل‭ ‬الحاجة‭ ‬قائمة‭ ‬للمصالحة‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والعقل‭ ‬او‭ ‬الحكمة‭ ‬والشريعة،‭  ‬لأنه‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬العقل‭ ‬انكار‭ ‬او‭ ‬تكفير‭ ‬أو‭ ‬كفر‭ ‬احدهما‭ ‬بالآخر،‭ ‬وهنا‭ ‬يحضر‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬رمزا‭ ‬وطرحا‭ ‬وان‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬الاصلاح‭ ‬الديني‭ ‬شرقا‭ ‬وغربا،‭ ‬فالدين‭ ‬حاضر‭ ‬والغيب‭ ‬شهود‭ ‬والصدام‭ ‬الكلي‭ ‬معه‭ ‬واعلان‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬القضاء‭ ‬عليه‭ ‬عدمية‭ ‬تراثية،‭ ‬فإذا‭ ‬خلت‭ ‬الارض‭ ‬من‭ ‬الأديان‭ ‬الحالية‭ ‬ستصنع‭ ‬أديانا‭ ‬جديدة‭ ‬مختلفة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬مستحيل‭ ‬عقلا‭ ‬وتاريخا‭.. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬التفاعل‭ ‬العقلاني‭ ‬والأصلاحي‭ ‬والانساني‭ ‬ومحاولة‭ ‬الصلح‭ ‬والدمج‭ ‬الطبيعي‭ ‬بين‭ ‬الانساني‭ ‬واللاهوتي‭ ‬والبشري‭ ‬التاريخي‭ ‬والمطلق‭ ‬وهو‭ ‬ممكن‭ ‬وكثير‭ ‬ومكرور‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬وليس‭ ‬عند‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬وحده‭.‬

ورأيي‭ ‬ان‭ ‬الزمن‭ ‬العربي،‭ ‬بمجاليه‭ ‬العام‭ ‬والخاص،‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬بعد‭ ‬ولكن‭ ‬ربما‭ ‬تجاوزه‭ ‬الزمن‭ ‬الغربي‭ ‬بمعنى‭ ‬مجاله‭ ‬العام‭ ‬فقط‭ ‬وليس‭ ‬المجال‭ ‬الخاص‭ ‬كما‭ ‬تعبر‭ ‬عنه‭ ‬بعض‭ ‬المجموعات‭ ‬المتطرفة‭ ‬او‭ ‬الافراد‭.‬

كيف‭ ‬تقرأ‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬ولماذا‭ ‬قلت‭ ‬انه‭ ‬مبهر‭ ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬السائد‭ ‬هو‭ ‬مهاجمته؟‭ ‬

من‭ ‬العدالة‭ ‬انصاف‭ ‬الخصم‭ ‬والمختلف‭ ‬ايا‭ ‬كان فهما‭ ‬اختلفنا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬انكار‭ ‬او‭ ‬جحد‭ ‬فضل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المستشرقين‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬آرائهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬مثل‭ ‬جولد‭ ‬تسيهر‭ ‬او‭ ‬لويس‭ ‬ماسينيون،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬ينكر‭ ‬فتح‭ ‬هؤلاء‭ ‬لمساحات‭ ‬كانت‭ ‬منغلقة‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭.. ‬وعلى‭ ‬نفس‭ ‬الشاكلة‭ ‬يأتي‭ ‬الراحل‭ ‬الأستاذ‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ ‬فهو‭ ‬عالم‭ ‬محقق‭ ‬استكمل‭ ‬أدواته‭ ‬المعرفية‭ ‬وكان‭ ‬اطلاعه‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬الشرقي‭ ‬واسعا بلغاته‭ ‬المختلفة،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬واضحا‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬مراجعه،‭ ‬واراه‭ ‬كان‭ ‬حلقة‭ ‬مستمرة‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬المستشرقين‭ ‬العظام،‭ ‬ولكن‭ ‬اشتباكه‭ ‬بالسياسي‭ ‬وقربه‭ ‬من‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭ ‬الأمريكي‭ ‬والغربي‭ ‬أو‭ ‬تأسيسه‭ ‬التاريخي‭ ‬لفكرة‭ ‬صدام‭ ‬الحضارات‭ ‬قبل‭ ‬هانتيجتون‭..‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬باحثا‭ ‬لا‭ ‬تعوزه‭ ‬الحجة‭ ‬والدليل‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬أقل‭ ‬جسارة‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المسائل‭ ‬ولكنه‭ ‬بكتبه‭ ‬الكثيرة‭ ‬وابحاثه‭ ‬المتميزة‭ ‬كان‭ ‬اكثر‭ ‬رصانة‭ ‬وحمل‭ ‬عبء‭ ‬شهرته‭ ‬وانتشار‭ ‬اعماله‭ ‬وتأثيره‭ ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عمله‭ ‬الممتد‭ ‬كان‭ ‬الباحث‭ ‬والمحقق‭ ‬الموسوعي‭ ‬الذي‭ ‬استكمل‭ ‬أدواته‭ ‬وكانت‭ ‬كتاباته‭ ‬اضافة‭ ‬حتى‭ ‬للمختلفين‭ ‬معه‭ ‬ولا‭ ‬أنكر‭ ‬أنه‭ ‬اصابني‭ ‬بالدهشة‭ ‬والانبهار‭ ‬مرات‭ ‬عديدة‭…‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬التسييس‭ ‬او‭ ‬سجال‭ ‬المركزية‭ ‬الغربية‭ ‬او‭ ‬النقد‭ ‬الامبريالي‭ ‬او‭ ‬ما‭ ‬شابه‭ ‬فهنا‭ ‬اتكلم‭ ‬عن‭ ‬باحث‭ ‬لم‭ ‬يقف‭ ‬بحثه‭ ‬عند‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سياسة‭ ‬والخلاف‭ ‬السياسي‭ ‬مفهوم‭ ‬بحكم‭ ‬الهوية‭ ‬والتاريخ‭ ‬والواقع‭. ‬

كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تطبيق‭ ‬مقولتك‭ ‬لا‭ ‬للتقديس‭ ‬المطلق‭ ‬ولا‭ ‬للتدنيس‭ ‬المطبق‭ ‬علي‭ ‬قراءة‭ ‬التاريخ؟‭ ‬

نعم‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬قراءة‭ ‬التاريخ‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬سياقاته،‭ ‬فما‭ ‬اعتبره‭ ‬الرومان‭ ‬او‭ ‬المسلمون‭ ‬فتوحا‭ ‬رآه‭ ‬خصومهم‭ ‬غزوات،‭ ‬فالذات‭ ‬في‭ ‬رؤيتها‭ ‬للتاريخ‭ ‬غير‭ ‬الآخر،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬مقاومة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬كان‭ ‬خروجا‭ ‬أو‭ ‬إرهابا‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬أخرى،‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬صنعت‭ ‬السياقات‭ ‬مواقفها‭ ‬وأدبياتها‭ ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الأدبيات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬دون‭ ‬فصلها‭ ‬عنه‭ ‬فيظلم‭ ‬صاحبها‭ ‬وتظلم‭ ‬الحقيقة‭ ‬معه‭ ‬كذلك‭.. ‬

وقد‭ ‬قلت‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬تحديد‭” ‬لا‭ ‬للتقديس‭ ‬المطلق‭ ‬ولا‭ ‬للتدنيس‭ ‬المطبق‭”‬‭ ‬في‭ ‬تعليقي‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬البعض‭ ‬لأمثال‭ ‬صلاح‭ ‬الدين‭ ‬الأيوبي،‭ ‬الذي‭ ‬اختزله‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬الاسماعيلية‭ ‬الفاطمية‭ ‬التي‭ ‬قضى‭ ‬على‭ ‬دولتها‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نخرها‭ ‬الفساد‭ ‬ووقع‭ ‬بها‭ ‬الضعف،‭ ‬أو‭ ‬اختزله‭ ‬في‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬شيخ‭ ‬الإشراق‭ ‬أبو‭ ‬النجيب‭ ‬السهروردي‭ ‬المقتول‭ ‬على‭ ‬يديه‭ ‬سنة‭ ‬563‭ ‬هجرية‭ ‬والحملة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬رآه‭ ‬الفلسفة‭ ‬الباطنية،‭ ‬وللأخير‭ ‬السهروردي‭ ‬موقف‭ ‬وتفسير‭ ‬خاص‭ ‬هو‭ ‬تأثيره‭ ‬الشديد‭ ‬على‭ ‬نجل‭ ‬صلاح‭ ‬الدين‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬ابتلاعه‭ ‬صوفيا‭ ‬واشراقيا‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬الفاطمية‭ ‬او‭ ‬التشيع‭ ‬او‭ ‬الباطنية‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬التمكين‭ ‬والاستقرار‭ ‬لدولة‭ ‬تصارع‭ ‬غازيا‭ ‬خارجيا‭ ‬قويا‭ ‬ممثلا‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الصليبية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاختزال‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الحوادث‭ ‬يتجاهل‭ ‬السياق‭ ‬التاريخي‭ ‬لصلاح‭ ‬الدين‭ ‬وما‭ ‬عرف‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬تسامح‭ ‬مع‭ ‬المختلف،‭ ‬مثل‭ ‬موسى‭ ‬ابن‭ ‬ميمون‭ ‬اليهودي‭ ‬الذي‭ ‬استضافه‭ ‬وأمنه‭ ‬أو‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬الصليبية‭ ‬وجنحه‭ ‬للصلح‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬وأخلاقه‭ ‬مع‭ ‬أعدائه‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬وثقه‭ ‬المؤرخون‭ ‬الغربيون‭ ‬أنفسهم‭ ‬وموقفه‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬أقباط‭ ‬مصر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬متزنا‭ ‬ومتسامحا‭ ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬ساويرس‭ ‬بن‭ ‬المقفع‭..‬فأنا‭ ‬هنا‭ ‬ضد‭ ‬التقديس‭ ‬المطلق‭ ‬لأنه‭ ‬اختزالي‭ ‬أو‭ ‬التدنيس‭ ‬المطلق‭ ‬لأنه‭ ‬اختزالي‭ ‬أيضا‭.‬

كيف‭ ‬تري‭ ‬المطلبات‭ ‬بتجديد‭ ‬الخطاب‭ ‬الدينى‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬المشكلة‭ ‬فى‭ ‬تجديده؟

هو‭ ‬حاجة‭ ‬قديمة‭ ‬ومستمرة‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬ابن‭ ‬رشد،‭ ‬ولكن‭ ‬اشتهر‭ ‬كمطلب‭ ‬بعد‭ ‬طلب‭ ‬الدولة‭ ‬والعالم‭ ‬عليه‭ ‬بعد‭ ‬تصاعد‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتطرف‭ ‬اقليميا‭ ‬وعالميا،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬الامر‭ ‬ليس‭ ‬قرارا‭ ‬ولا‭ ‬منوطا‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬التقليدية‭ ‬فقط،‭ ‬وهي‭ ‬مؤسسات‭ ‬عتيقة‭ ‬بطبيعتها‭ ‬ووظيفتها‭ ‬وهويتها‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مهمة‭ ‬الحفظ‭ ‬قبل‭ ‬التجديد‭ ‬والاصوات‭ ‬المجددة‭ ‬فيها‭ ‬فرادى‭ ‬او‭ ‬افراد‭ ‬منعزلون‭ ‬عنها‭ ‬وان‭ ‬كانوا‭ ‬منها‭.. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬قرار‭ ‬دولة‭ ‬بتجديد‭ ‬الخطاب‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ .. ‬وأرى‭ ‬ان‭ ‬المشكلة‭ ‬كبيرة‭ ‬وعميقة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدعوى‭ ‬والمطلب‭ ‬أهمها‭ ‬غياب‭ ‬المشروع‭ ‬الثقافي‭ ‬الحاضن‭ ‬لفكرة‭ ‬تجديد‭ ‬وتنوير‭ ‬الديني‭ ‬انسانيا،‭ ‬وهو‭ ‬مشروع‭ ‬كبير‭ ‬يشجع‭ ‬الحريات‭ ‬والحوار‭ ‬والنقد‭ ‬المزدوج‭ ‬للذات‭ ‬والآخر

ويستخدم‭ ‬الاعلام‭ ‬بشكل‭ ‬تنويري‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬وينفتح‭ ‬على‭ ‬اللغات‭ ‬والعالم‭ .. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مشاكله‭ ‬أنه‭ ‬صار‭ ‬مطية‭ ‬لبعض‭ ‬المهووسين‭ ‬بالشهرة‭ ‬ممن‭ ‬يستنفرون‭ ‬الديني‭ ‬اكثر‭ ‬مما‭ ‬يصلحونه‭…‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬استراتيجيات‭ ‬واضحة‭ ‬للتمكين‭ ‬لهذه‭ ‬الدعوة‭- ‬المطلب‭ ‬او‭ ‬تحقيقها‭ … ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬كثير‭.. ‬فأغلب‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬كرنفالات‭ ‬ومؤتمرات‭ ‬شللية‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الجديد‭ ‬والجدية‭ ‬في‭ ‬احيان‭ ‬كثيرة‭ ‬الا‭ ‬فيما‭ ‬ندر‭. ‬

ماهو‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬تعمل‭ ‬عليه‭ ‬حاليا؟‭ ‬

شخصيا‭ ‬لدى‭ ‬مشروع‭ ‬كتاب‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬والامة‭ ‬في‭ ‬تصورات‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬وأنا‭ ‬مرتبط‭ ‬به‭ ‬مع‭ ‬إحدى‭ ‬المؤسسات‭ ‬العربية‭ ‬الفكرية،‭ ‬ولكن‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬أنا‭ ‬مهتم‭ ‬حاليا‭ ‬بعمل‭ ‬كتاب‭ ‬عن‭ ‬الخطاب‭ ‬الفكري‭ ‬العربي‭ ‬الراهن‭ ‬وتحولاته‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورات‭ ‬وفي‭ ‬سياقات‭ ‬التواصلية‭… ‬كيف‭ ‬تموضعت‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬الكبرى‭ ‬عربيا،‭ ‬فومية‭ ‬ويسارية‭ ‬وليبرالية،‭ ‬وكيف‭ ‬انحرف‭ ‬بعضها‭ ‬وكيف‭ ‬اندثر‭ ‬او‭ ‬تصاعد‭ ‬وكيف‭ ‬تراجع‭ ‬أو‭ ‬تلون‭ … ‬وفرضيتي‭ ‬ان‭ ‬الخطاب‭ ‬المعاصر‭ ‬اختلف‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬معروفا‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬2011‭.. ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬وضع‭ ‬خارطة‭ ‬له‭…‬توضح‭ ‬تضاريسه‭ ‬ومنعطفاته‭. ‬ومعاركه‭ ‬الجديدة‭ ‬وممثليه‭.. ‬واسعى‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬مواصلة‭ ‬وبداية‭ ‬جديدة‭ ‬لما‭ ‬بدا‭ ‬الجابري‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭…‬

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى