د. ذمسكينوس الأزرعى

العنف والإستشهاد من وجهة نظر مسيحية

بقلم/ د. ذمسكينوس الأزرعى - أرشمندريت البطريركية المسكونية

السّيّد‭ ‬المسيح‭ ‬يدعونا‭ ‬أن‭ ‬نقبل‭ ‬الآخر‭ ‬وأن‭ ‬نُحبّ‭ ‬الآخر‭ ‬وأن‭ ‬نعيش‭ ‬بسلام‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬السّيّد‭ ‬المسيح‭ ‬يدعونا‭ ‬للمُصالحة‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬وأن‭ ‬نخدم‭ ‬الآخر‭.‬

أتى‭ ‬السّيّد‭ ‬المسيح‭ ‬ليصنع‭ ‬سلاماً‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وأّعطى‭ ‬السيد‭ ‬المسيح‭ ‬لأتباعه‭ ‬السلام‭ ‬إذ‭ ‬قال‭:‬

” ‬سَلاَمًا‭ ‬أَتْرُكُ‭ ‬لَكُمْ‭. ‬سَلاَمِي‭ ‬أُعْطِيكُمْ‭ “‬‭ ‬يو‭ ‬27‭ : ‬14‭ ‬والسّلام‭ ‬الذي‭ ‬يُعطيه‭ ‬الرّبّ‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬السّلام‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬الظّروف‭ ‬السّهلة‭ ‬أو‭ ‬المعيشة‭ ‬الرّحبة‭ ‬بلا‭ ‬متاعب‭ ‬ولا‭ ‬صعوبات،‭ ‬وذلك‭ ‬واضح‭ ‬لأنّ‭ ‬الرّبّ‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يَعِد‭ ‬أتباعه‭ ‬بحياة‭ ‬سهلة‭ ‬بل‭ ‬قال‭:”‬ فِي‭ ‬الْعَالَمِ‭ ‬سَيَكُونُ‭ ‬لَكُمْ‭ ‬ضِيقٌ‭ ‬يو‭ ‬33 : ‬16 ‬

‭ ‬إذاً‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬هذا‭ ‬السّلام‭ ‬الذي‭ ‬يُعطيه‭ ‬الله؟‭ ‬إنه‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستند‭ ‬على‭ ‬أحداث‭ ‬أو‭ ‬ظروف

إنّما‭ ‬يتأسّس‭ ‬على‭ ‬شخص‭ ‬الله‭ ‬نفسه،‭ ‬لذلك‭ ‬يقول‭ ‬الرّسول‭ ‬بولس‭ ‬‭” ‬إِنْ‭ ‬كَانَ‭ ‬اللهُ‭ ‬مَعَنَا،‭ ‬فَمَنْ‭ ‬عَلَيْنَا؟‭”‬رو‭ ‬31 ‭: ‬8‭ ‬ونحن‭ ‬كامسيحين،لا‭ ‬نرد‭ ‬الشرّ‭ ‬بالشرّ،بل‭ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نُسالم‭ ‬جميع‭ ‬البشر‭.‬

‭ ‬إنّ‭ ‬المسيحي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مثل‭ ‬سيّده‭ ‬تماماً‭ ‬يسعى‭ ‬للسّلام‭ ‬ويصنع‭ ‬السّلام‭ ‬ويُقدّم‭ ‬السّلام‭ ‬ويزرع‭ ‬الخير،‭ ‬وإلاّ‭ ‬فلن‭ ‬تكون‭ ‬تبعيّته‭ ‬للمسيح‭ ‬حقيقيّة‭.‬

قابل‭ ‬السّيّد‭ ‬المسيح‭ ‬وهو‭ ‬موجود‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬مُقاومة‭ ‬ليست‭ ‬بالقليلة‭ ‬من‭ ‬الكثيرين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يوافقونه‭ ‬الرأي‭ ‬بخصوص‭ ‬ما‭ ‬أتي‭ ‬ليُقدّمه‭ ‬من‭ ‬تعاليم‭ ‬،‭ ‬لكنّهُم‭ ‬ومع‭ ‬مُقاومتهم‭ ‬ورفضهم‭ ‬له

لم‭ ‬يستطيعوا‭ ‬أن‭ ‬يدفعوه‭ ‬ليحمل‭ ‬أيّ‭ ‬ضغينة‭ ‬تجاههُم،‭ ‬لقد‭ ‬عرف‭ ‬البشر‭ ‬جيداً‭ ‬وعرف‭ ‬فكرهم‭ ‬وقَبِل‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬يُقدّم‭ ‬للكُلّ‭ ‬المعونةً‭ ‬والنُصح‭ ‬،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يصنع‭ ‬للمُحيطين‭ ‬إلاّ‭ ‬خيراً‭. ‬وعلاوه‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يُعلّمنا‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬نقبل‭ ‬الآخر‭ ‬المُختلف‭ ‬عنّا‭ ‬في‭ ‬العقيدة،‭ ‬بل‭ ‬لقد‭ ‬أوصى‭ ‬أتباعه‭ ‬أن‭ ‬يُحبّوا‭ ‬الآخرين‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬هوّة‭ ‬الخلاف‭ ‬بل‭ ‬أوصانا‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬نُحب‭ ‬الأعداء‭‬‭”‬وَأَمَّا‭ ‬أَنَا‭ ‬فَأَقُولُ‭ ‬لَكُمْ‭: ‬أَحِبُّوا‭ ‬أَعْدَاءَكُمْ‭. ‬بَارِكُوا‭ ‬لاَعِنِيكُمْ‭. ‬أَحْسِنُوا‭ ‬إِلَى‭ ‬مُبْغِضِيكُمْ،‭ ‬وَصَلُّوا‭ ‬لأَجْلِ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬يُسِيئُونَ‭ ‬إِلَيْكُمْ‭ ‬وَيَطْرُدُونَكُمْ‭ ” ‬مت‭ ‬.44 ‭: ‬5‭ ‬لقد‭ ‬علّمنا‭ ‬السيد‭ ‬المسيح‭ ‬كيف‭ ‬أنّ‭ ‬المُصالحة‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬إنّما‭ ‬هي‭ ‬تأخذ‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى‭ ‬قبل‭ ‬التّقدُّم‭ ‬للعبادة،‭“‬فإنْ‭ ‬قدّمت‭ ‬قُربانك‭ ‬إلى‭ ‬المذبح‭ ‬وهُناك‭ ‬تذكّرت‭ ‬أنّ‭ ‬لأخيك‭ ‬شيئاً‭ ‬عليك،‭ ‬فاترك‭ ‬هُناك‭ ‬قُربانك‭ ‬على‭ ‬المذبح‭ ‬واذهب‭ ‬أوّلاً‭ ‬اصطلح‭ ‬مع‭ ‬أخيك،‭ ‬وحينئذ‭ ‬تعال‭ ‬وقدّم‭ ‬قُربانك‭”‬‭ (‬مت ‭ ‬23 ‭: ‬5 ‬وما‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يُقدّم‭ ‬الكتاب‭ ‬المُقدّس‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬كهذهِ‭ ‬عن‭ ‬محبّة‭ ‬الآخر‭ ‬والعيش‭ ‬بسلام‭ ‬معه‭ ‬وطلب‭ ‬راحته‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬موقفه‭ ‬هو،‭ ‬ويا‭ ‬حَبَّذا‭ ‬لو‭ ‬يحيا‭ ‬البشر‭ ‬جميعهم‭ ‬هكذا‭! ‬كم‭ ‬كانت‭ ‬حياتنا‭ ‬ستتغيّر‭!‬

أحبائي،يجب‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬دائماً‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬وقتي‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬الحياة‭ ‬الأبدية‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬ننسى‭ ‬أنه‭ ‬لَيْسَ‭ ‬لَنَا‭ ‬هُنَا‭ ‬مَدِينَةٌ‭ ‬بَاقِيَةٌ،‭ ‬لكِنَّنَا‭ ‬نَطْلُبُ‭ ‬الْعَتِيدَةَ‭”‬‭‬ عب ‭ ‬14 ‭: ‬13،وأن‭ ‬العالم‭ ‬مليء‭ ‬بالشر‭ ‬والحياة‭ ‬مليئة‭ ‬حزن‭ ‬وألم‭ ‬وضيق‭ ‬لكن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬دوماً‭ ‬قول‭ ‬الكتاب‭ ‬المقدس‭ ‬‭“‬اَلْحَقَّ‭ ‬الْحَقَّ‭ ‬أَقُولُ‭ ‬لَكُمْ‭ :‬إِنَّكُمْ‭ ‬سَتَبْكُونَ‭ ‬وَتَنُوحُونَ‭ ‬وَالْعَالَمُ‭ ‬يَفْرَحُ‭. ‬أَنْتُمْ‭ ‬سَتَحْزَنُونَ،‭ ‬وَلكِنَّ‭ ‬حُزْنَكُمْ‭ ‬يَتَحَوَّلُ‭ ‬إِلَى‭ ‬فَرَحٍ‭ ‬يو‭ ‬.20 ‭: ‬16 ‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬ضيقات‭ ‬وأحزان‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬تتحول‭ ‬إلي‭ ‬مجد‭ ‬عظيم‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬‭”‬فَإِنِّي‭ ‬أَحْسِبُ‭ ‬أَنَّ‭ ‬آلاَمَ‭ ‬الزَّمَانِ‭ ‬الْحَاضِرِ‭ ‬لاَ‭ ‬تُقَاسُ‭ ‬بِالْمَجْدِ‭ ‬الْعَتِيدِ‭ ‬أَنْ‭ ‬يُسْتَعْلَنَ‭ ‬فِينَا‭”‬‭‬رو‭ 1‬8 ‭: ‬28 ‭:8‭

من‭ ‬أجل‭ ‬هذا‭ ‬جميع‭ ‬قديسين‭ ‬الكنيسة‭ ‬المقدسة‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العصور‭ ‬زهدوا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬واشتهوا‭ ‬الإنطلاق‭ ‬من‭ ‬الجسد‭ ‬لكي‭ ‬يكونوا‭ ‬مع‭ ‬الرب،‭ ‬وقد‭ ‬فعلوا‭ ‬هذا‭ ‬عن‭ ‬محبة‭ ‬كاملة‭ ‬له‭ ‬،إذ‭ ‬كانت‭ ‬حياتهم‭ ‬في‭ ‬الجسد‭ ‬حياة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وليست‭ ‬للعالم‭. ‬

الملكوت‭ ‬والحياة‭ ‬الأبدية‭ ‬مع‭ ‬الله‭ ‬بالنسبة‭ ‬للإنسان‭ ‬المسيحي‭ ‬هي‭ ‬الهدف‭ ‬الأسمى،‭ ‬هي‭ ‬الكنز‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يطلبه،فبداية‭ ‬الإنسان‭ ‬يوم‭ ‬خُلق‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬وسوف‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬نهايته‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬حياته‭ ‬بحسب‭ ‬مشيئة‭ ‬الله‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬أحس‭ ‬الإنسان‭ ‬المؤمن‭ ‬بغربته‭ ‬في‭ ‬العالم

‭”‬العَالَمُ‭ ‬يَمْضِي‭ ‬وَشَهْوَتُهُ،‭ ‬وَأَمَّا‭ ‬الَّذِي‭ ‬يَصْنَعُ‭ ‬مَشِيئَةَ‭ ‬اللهِ‭ ‬فَيَثْبُتُ‭ ‬إِلَى‭ ‬الأَبَدِ ‭ ‬‭‬‭‬1يوحنا‭ 17 ‭: ‬2‭ ‬

أحبائي،إن‭ ‬الإستشهاد‭ ‬المسيحي‭ ‬هو‭ ‬برهان‭ ‬عملي‭ ‬على‭ ‬قول‭ ‬السيد‭ ‬المسيح‭: ‬‭”‬اَلْحَقَّ‭ ‬الْحَقَّ‭ ‬أَقُولُ‭ ‬لَكُمْ‭ :‬إِنْ‭ ‬لَمْ‭ ‬تَقَعْ‭ ‬حَبَّةُ‭ ‬الْحِنْطَةِ‭ ‬فِي‭ ‬الأَرْضِ‭ ‬وَتَمُتْ‭ ‬فَهِيَ‭ ‬تَبْقَى‭ ‬وَحْدَهَا‭. ‬وَلكِنْ‭ ‬إِنْ‭ ‬مَاتَتْ‭ ‬تَأْتِي‭ ‬بِثَمَرٍ‭ ‬كَثِيرٍ‭ ‬يو ‭ ‬.24 : ‬12 ‬

لقد‭ ‬آمن‭ ‬كثيرون‭ ‬بسبب‭ ‬آلام‭ ‬الشهداء‭ ‬،‭ ‬وبما‭ ‬صاحب‭ ‬إستشهادهم‭ ‬من‭ ‬معجزات،‭ ‬وما‭ ‬أظهروه‭ ‬من‭ ‬ثبات‭ ‬واحتمال‭ ‬وصبر‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬إن‭ ‬قلنا‭ ‬أن‭ ‬الإيمان‭ ‬المسيحي‭ ‬انتشر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬بإستشهاد‭ ‬القديسين،‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬انتشر‭ ‬بوعظ‭ ‬المبشرين‭ ‬وتعليمهم‭… ‬فدماء‭ ‬الشهداء‭ ‬روت‭ ‬بذار‭ ‬الإيمان‭ ‬فنما‭ ‬الإيمان‭ ‬وأتى‭ ‬بثمار‭ ‬كثيرة‭ ‬لحساب‭ ‬ملكوت‭ ‬الله‭.‬

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق