اخبار عالميةامريكا بالعربيحواراتعاجلوائل لطف الله

من الصدفة إلى الريادة.. القصة الكاملة لأول تليفزيون عربي في أمريكا AATV

قـام بالحـوار رئيـس التحـريـر وائــل لـطـف الله

✅ الإعلامي وحيد بقطر.. الرجل الذي جعل الشاشة الأمريكية تتحدث بالعربية وحوار حصري لكاريزما.

✅ حكاية 25 عامًا من عمر التليفزيون العربي الأمريكي.. علامة تجارية صنعت حضوراً دولياً.

✅ أول تليفزيون عربي مستقل يملكة شخص.. مؤسسة إعلامية متكاملة يقودها فريق إعداد وتقديم وإدارة على  أعلى مستوى من الاحترافية.

✅ وثيقة نادرة من أرشيف «وول ستريت جورنال»: وحيد بقطر قاد أضخم احتفال تاريخي للسلام الذي جمع الرئيس السادات بقادة العالم.

✅ عرضنا الحقيقة فدفعنا الثمن.. كواليس أخطر معارك التليفزيون العربي الأمريكي.

✅ الخوارزميات هي الرقابة الجديدة.. والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الإعلام.

في‭ ‬زمنٍ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فيه‭ ‬منصات‭ ‬رقمية،‭ ‬ولا‭ ‬وسائل‭ ‬تواصل‭ ‬اجتماعي،‭ ‬ولا‭ ‬بث‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬رجل‭ ‬آمن‭ ‬بأن‭ ‬الإعلام‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬شاشة،‭ ‬بل‭ ‬رسالة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬البشر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفرقهم‭ ‬السياسة‭ ‬أو‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬الجغرافيا‭. ‬ومن‭ ‬قلب‭ ‬ولاية‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬وُلدت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أجرأ‭ ‬وأقوى‭ ‬التجارب‭ ‬الإعلامية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الإعلامي‭ ‬الرائد‭ ‬وحيد‭ ‬بقطر،‭ ‬الذي‭ ‬أسس‭ ‬أول‭ ‬تجربة‭ ‬للتليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬واضعًا‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬لإعلام‭ ‬عربي‭ ‬يخاطب‭ ‬الجاليات‭ ‬ويحافظ‭ ‬على‭ ‬هويتها‭ ‬الثقافية‭ ‬والإنسانية‭ ‬سنة ‭ ‬1980. ‬

لكن‭ ‬قصة‭ ‬وحيد‭ ‬بقطر‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬داخل‭ ‬استوديو‭ ‬تلفزيوني،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬داخل‭ ‬منزلٍ‭ ‬استثنائي‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬الصحافة‭ ‬والفن،‭ ‬وبين‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين‭ ‬واليهود،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬جسّد‭ ‬روح‭ ‬مصر‭ ‬المتسامحة‭.‬

نشأ‭ ‬وسط‭ ‬أسرة‭ ‬متعددة‭ ‬الثقافات‭ ‬والأديان،‭ ‬وتربّى‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬الحوار‭ ‬والتعايش،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬والده‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الصحفيين‭ ‬والكتّاب‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬المصرية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬يتنفس‭ ‬الإعلام‭ ‬منذ‭ ‬طفولته،‭ ‬ويكبر‭ ‬مؤمنًا‭ ‬بأن‭ ‬الكلمة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جسرًا‭ ‬للتقارب‭ ‬لا‭ ‬وسيلة‭ ‬للانقسام‭.‬

رحلته‭ ‬العلمية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أقل‭ ‬تميزًا؛‭ ‬فقد‭ ‬درس‭ ‬الهندسة‭ ‬المعمارية‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الفنون‭ ‬الجميلة‭ ‬بجامعة‭ ‬الإسكندرية،‭ ‬ثم‭ ‬واصل‭ ‬تطوير‭ ‬نفسه‭ ‬بدورات‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ويحصل‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬الماجستير‭ ‬في‭ ‬Communication Production‭ ‬ من‭ ‬جامعة ‭ ‬Loyola Marymount University‬ومع‭ ‬إتقانه‭ ‬خمس‭ ‬لغات،‭ ‬امتلك‭ ‬أدوات‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬ثقافات‭ ‬متعددة،‭ ‬وصاغ‭ ‬رؤية‭ ‬إعلامية‭ ‬سبقت‭ ‬عصرها،‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الحس‭ ‬الفني،‭ ‬والدقة‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬والانفتاح‭ ‬الإنساني‭.‬

وعلى‭ ‬مدار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬عامًا،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬AATV‭ ‬مجرد‭ ‬شاشة‭ ‬تبث‭ ‬البرامج،‭ ‬بل‭ ‬منصة‭ ‬وثّقت‭ ‬تاريخ‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬واستضافت‭ ‬كبار‭ ‬الرؤساء‭ ‬والقادة‭ ‬والفنانين‭ ‬والمثقفين،والسياسيين،‭ ‬وصفوة‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وقدّمت‭ ‬نموذجًا‭ ‬إعلاميًا‭ ‬مستقلًا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬الإمكانات‭ ‬محدودة،‭ ‬لكن‭ ‬الأحلام‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬الحصري‭ ‬مع‭ ‬جريدة‭ ‬كاريزما،‭ ‬يفتح‭ ‬الإعلامي‭ ‬وحيد‭ ‬بقطر‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬صفحات‭ ‬من‭ ‬رحلته‭ ‬الاستثنائية؛‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬النشأة‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬فكره،‭ ‬إلى‭ ‬كواليس‭ ‬تأسيس‭ ‬أول‭ ‬تليفزيون‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬AATV،‭ ‬مروراً‭ ‬بقصص‭ ‬النجاح‭ ‬والتحديات،‭ ‬وعلاقاته‭ ‬مع‭ ‬رؤساء‭ ‬وملوك‭ ‬وفنانين،‭ ‬ورؤيته‭ ‬للإعلام‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬ورسالة‭ ‬يوجّهها‭ ‬إلى‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الإعلاميين‭.‬

إنها‭ ‬شهادة‭ ‬حية‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬صنعت‭ ‬تاريخ‭ ‬الإعلام‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المهجر،‭ ‬ورحلة‭ ‬رجل‭ ‬سبق‭ ‬عصره،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تجربته‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُروى‭ ‬للأجيال‭.‬

 

س‭ :‬حدثنا‭ ‬عن‭ ‬رحلتك‭ ‬منذ‭ ‬بدايتها‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والإسكندرية،‭ ‬مرورًا‭ ‬بفرنسا،‭ ‬ثم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وكيف‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬المراحل‭ ‬المختلفة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إتقانك‭ ‬لخمس‭ ‬لغات،‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬شخصيتك‭ ‬وتشكيل‭ ‬مسيرتك‭ ‬المهنية‭ ‬الإعلامية؟

ج‭ :‬ولدت‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الإسكندرية،‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬تمثل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬وجداني‭ ‬وهويتي،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الإسكندرية‭ ‬يومًا‭ ‬مجرد‭ ‬مدينة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬نموذجًا‭ ‬عالميًا‭ ‬للتعايش‭ ‬والتنوع‭ ‬الثقافي؛‭ ‬إذ‭ ‬احتضنت‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬جاليات‭ ‬يونانية‭ ‬وأرمنية‭ ‬وفرنسية‭ ‬وإيطالية،‭ ‬لتصنع‭ ‬مزيجًا‭ ‬حضاريًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬مدينة‭ ‬كوزموبوليتانية‭ ‬فريدة،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحتفظ‭ ‬بسحرها‭ ‬ومكانتها‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬لها‭ ‬مثيلًا‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬فهي‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مكان‭ ‬نشأت‭ ‬فيه،‭ ‬بل‭ ‬مدرسة‭ ‬صنعت‭ ‬شخصيتي‭ ‬وغرست‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬حب‭ ‬المعرفة‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الثقافات‭ ‬المختلفة‭. ‬ولي‭ ‬أخ‭ ‬واحد‭ ‬يصغرني‭ ‬بعدة‭ ‬سنوات‭ ‬شقيقي‭ ‬وجيه‭.‬

عشت‭ ‬بين‭ ‬الإسكندرية‭ ‬والقاهرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منحني‭ ‬فرصة‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬بيئتين‭ ‬مختلفتين؛‭ ‬إحداهما‭ ‬تحمل‭ ‬عبق‭ ‬التاريخ‭ ‬والثقافات‭ ‬المتعددة،‭ ‬والأخرى‭ ‬تمثل‭ ‬قلب‭ ‬الحركة‭ ‬والإعلام‭ ‬والفنون‭ ‬في‭ ‬مصر‭.‬

منذ‭ ‬سنوات‭ ‬الدراسة،‭ ‬كنت‭ ‬مؤمنًا‭ ‬بأن‭ ‬النجاح‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بالموهبة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬علم‭ ‬مستمر‭ ‬ورغبة‭ ‬دائمة‭ ‬في‭ ‬التطور‭. ‬لذلك‭ ‬التحقت‭ ‬بكلية‭ ‬الفنون‭ ‬الجميلة‭ ‬بجامعة‭ ‬الإسكندرية‭ ‬لدراسة‭ ‬الهندسة‭ ‬المعمارية،‭ ‬وهو‭ ‬تخصص‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الدقة‭ ‬الهندسية‭ ‬والخيال‭ ‬الفني‭ ‬والإبداع‭. ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬لم‭ ‬تمنحني‭ ‬شهادة‭ ‬جامعية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬علمتني‭ ‬كيف‭ ‬أفكر‭ ‬بطريقة‭ ‬منظمة،‭ ‬وكيف‭ ‬أحول‭ ‬الأفكار‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬واقعية،‭ ‬وكيف‭ ‬أوازن‭ ‬بين‭ ‬الجمال‭ ‬والوظيفة،‭ ‬وهي‭ ‬مبادئ‭ ‬رافقتني‭ ‬لاحقًا‭ ‬في‭ ‬عملي‭ ‬الإعلامي‭.‬

لكنني‭ ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬التعلم‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬حدودًا،‭ ‬فبعد‭ ‬التخرج‭ ‬اتجهت‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬لاستكمال‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدورات‭ ‬المتخصصة،‭ ‬وهناك‭ ‬انفتحت‭ ‬أمامي‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والثقافة‭ ‬والإدارة‭ ‬والفنون‭. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬مهمة؛‭ ‬فقد‭ ‬تعلمت‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬ليس‭ ‬حاجزًا،‭ ‬بل‭ ‬فرصة‭ ‬لاكتساب‭ ‬خبرات‭ ‬جديدة‭ ‬والنظر‭ ‬إلى‭ ‬الأمور‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬مختلفة‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬المرحلة‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬بالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬حيث‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬الماجستير‭ ‬في‭ ‬Communication Production‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬Loyola Marymount University.‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬البيئة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬لم‭ ‬أتعلم‭ ‬فقط‭ ‬أحدث‭ ‬مفاهيم‭ ‬الإنتاج‭ ‬الإعلامي‭ ‬والاتصال،‭ ‬بل‭ ‬تعلمت‭ ‬أيضًا‭ ‬كيف‭ ‬يعمل‭ ‬الإعلام‭ ‬الاحترافي،‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬للإعلام‭ ‬أن‭ ‬يبني‭ ‬جسورًا‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬ويصنع‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭.‬

ومن‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬مسيرتي،‭ ‬إتقاني‭ ‬خمس‭ ‬لغات‭: ‬العربية،‭ ‬والإنجليزية،‭ ‬والفرنسية،‭ ‬والإيطالية،‭ ‬والإسبانية‭ .‬لم‭ ‬تكن‭ ‬اللغات‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للتواصل،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬مفاتيح‭ ‬للدخول‭ ‬إلى‭ ‬ثقافات‭ ‬مختلفة،‭ ‬وفهم‭ ‬طرق‭ ‬تفكير‭ ‬الشعوب،‭ ‬وبناء‭ ‬علاقات‭ ‬مهنية‭ ‬وإنسانية‭ ‬واسعة‭ ‬مع‭ ‬شخصيات‭ ‬ومؤسسات‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

وعندما‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬رحلتي‭ ‬اليوم،‭ ‬أجد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬محطة‭ ‬كانت‭ ‬تكمل‭ ‬الأخرى؛‭ ‬فالإسكندرية‭ ‬منحتني‭ ‬الجذور،‭ ‬ودراسة‭ ‬الهندسة‭ ‬علمتني‭ ‬الانضباط‭ ‬والإبداع،‭ ‬وفرنسا‭ ‬وسعت‭ ‬مداركي،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬صقلت‭ ‬خبرتي‭ ‬الإعلامية،‭ ‬بينما‭ ‬فتحت‭ ‬اللغات‭ ‬الخمس‭ ‬أمامي‭ ‬أبواب‭ ‬العالم‭.‬

لذلك‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬محطة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حصيلة‭ ‬تجارب‭ ‬متراكمة،‭ ‬وثقافات‭ ‬متنوعة،‭ ‬وإيمان‭ ‬دائم‭ ‬بأن‭ ‬الإنسان‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬طالب‭ ‬علم‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭. ‬وربما‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬المتنوعة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ساعدتني‭ ‬لاحقًا‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬تجربة‭ ‬تأسيس‭ ‬أول‭ ‬تلفزيون‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬AATV،‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الجاليات‭ ‬والثقافات،‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬برؤية‭ ‬عالمية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أفقد‭ ‬هويتي‭ ‬وجذوري‭ ‬المصرية‭.‬

 

س‭:‬ نشأت‭ ‬في‭ ‬أسرة‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الفن‭ ‬والصحافة‭ ‬وتعدد‭ ‬الأديان‭ ‬والثقافات…‭ ‬كيف‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬المناخ‭ ‬الفريد‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬شخصيتك؟

ج‭ :‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬شخصيتي‭ ‬لم‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬أو‭ ‬جامعة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تشكلت‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭. ‬فقد‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬استثنائية‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الصحافة‭ ‬والفن،‭ ‬وبين‭ ‬التنوع‭ ‬الديني‭ ‬والثقافي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منحني‭ ‬منذ‭ ‬طفولتي‭ ‬نظرة‭ ‬مختلفة‭ ‬للحياة‭ ‬والإنسان‭.‬

في‭ ‬القاهرة،‭ ‬كان‭ ‬والدي‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الصحفيين‭ ‬والكتّاب‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وهو‭ ‬جبرائيل‭ ‬بقطر،‭ ‬كان‭ ‬صحفي‭ ‬وناقدًا‭ ‬فنيًا‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬دار‭ ‬الهلال،‭ ‬كما‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ (‬Le Journal d›Égypte‭) ‬الصادرة‭ ‬باللغة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وألّف‭ ‬عدة‭ ‬كتب،‭ ‬من‭ ‬بينها‭:‬

كتاب‭ ‬عن‭ ‬الفنان‭ ‬محمود‭ ‬سعيد‭ – ‬وكتاب‭ ‬عن‭ ‬النحات‭ ‬محمود‭ ‬مختار‭ ‬بالاشتراك‭ ‬مع‭ ‬بدر‭ ‬الدين‭ ‬أبو‭ ‬غازي،‭ ‬كما‭ ‬ألّف‭ ‬كتابًا‭ ‬عن‭ ‬أوجه‭ ‬التشابه‭ ‬التاريخية‭ ‬بين‭ ‬المكسيك‭ ‬ومصر،‭ ‬منذ‭ ‬العصور‭ ‬القديمة‭ ‬وحتى‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬

وكتب‭ ‬أيضًا‭ ‬كتابًا‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬‭ ‬من‭ ‬النيل‭ ‬إلى‭ ‬نهر‭ ‬الميكونغ‭ ‬‮»‬‭ ‬عن‭ ‬كمبوديا،‭ ‬وكان‭ ‬يجيد‭ ‬العمل‭ ‬الصحفي‭ ‬والمراسلة‭ ‬بعدة‭ ‬لغات،‭ ‬هي‭:‬ الإسبانية،‭ ‬والفرنسية،‭ ‬والبرتغالية،‭ ‬والعربية‭. ‬وكتب‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬صحفية‭ ‬عريقة‭ ‬مثل‭ ‬دار‭ ‬الهلال‭ ‬والمصور‭ ‬والكواكب‭ ‬وحواء‭ ‬وسمير‭ ‬وميكي‭ ‬وسوبرمان،‭ ‬كما‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمه‭ ‬بمجلة‭ ‬‮«‬إيماج‮»‬‭. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الصحافة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬مجرد‭ ‬مهنة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬الكلمة‭ ‬وهي‭ ‬تُصنع،‭ ‬وأعيش‭ ‬أجواء‭ ‬التحرير،‭ ‬وألتقي‭ ‬بكبار‭ ‬الأدباء‭ ‬والفنانين‭ ‬والمثقفين،‭ ‬ومن‭ ‬بينهم‭ ‬الفنان‭ ‬صلاح‭ ‬طاهر‭ ‬والنحات‭ ‬محمود‭ ‬مختار،‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬الثقافة‭ ‬المصرية‭. ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬غرست‭ ‬داخلي‭ ‬حب‭ ‬المعرفة،‭ ‬وأيقظت‭ ‬شغفي‭ ‬بالإعلام‭ ‬والفن‭ ‬منذ‭ ‬سنواتي‭ ‬الأولى‭.‬

أما‭ ‬الإسكندرية،‭ ‬فقد‭ ‬منحتني‭ ‬بعدًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭. ‬هناك‭ ‬عشت‭ ‬وسط‭ ‬عائلة‭ ‬جسدت‭ ‬معنى‭ ‬التعايش‭ ‬الحقيقي؛‭ ‬ثلاث‭ ‬خالات،‭ ‬لكل‭ ‬واحدة‭ ‬منهن‭ ‬حياة‭ ‬مختلفة،‭ ‬إحداهن‭ ‬متزوجة‭ ‬من‭ ‬مسلم،‭ ‬والثانية‭ ‬من‭ ‬مسيحي‭ ‬أرثوذكسي،‭ ‬والثالثة‭ ‬من‭ ‬يهودي‭. ‬ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬الديانات،‭ ‬لم‭ ‬أشهد‭ ‬يومًا‭ ‬خلافًا‭ ‬بسبب‭ ‬العقيدة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬المحبة‭ ‬والاحترام‭ ‬وروابط‭ ‬الأسرة‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬اختلاف‭. ‬كنا‭ ‬نحتفل‭ ‬بالمناسبات‭ ‬المختلفة‭ ‬كعائلة‭ ‬واحدة،‭ ‬فتعلمت‭ ‬مبكرًا‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬تُعرّفه‭ ‬ديانته،‭ ‬بل‭ ‬أخلاقه‭ ‬وقيمه‭.‬

ومن‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬أثرًا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العائلة‭ ‬الحاخام‭ ‬الأكبر‭ ‬لليهود‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬حاييم‭ ‬نحوم‭ ‬أفندي،‭ ‬خال‭ ‬زوج‭ ‬إحدى‭ ‬خالاتي،‭ ‬وهو‭ ‬شخصية‭ ‬تاريخية‭ ‬عُرف‭ ‬بدعوته‭ ‬إلى‭ ‬التعايش‭ ‬والحوار‭. ‬وكان‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الشعوب‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬معًا‭ ‬في‭ ‬سلام‭ ‬داخل‭ ‬أوطانها،‭ ‬وأن‭ ‬الصراعات‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬مستقبلًا‭ ‬أفضل‭.‬

عندما‭ ‬أنظر‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬مسيرتي‭ ‬الإعلامية،‭ ‬أدرك‭ ‬أن‭ ‬جذورها‭ ‬بدأت‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬البيئة‭ ‬الفريدة‭. ‬فقد‭ ‬تعلمت‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬ليس‭ ‬سببًا‭ ‬للانقسام،‭ ‬بل‭ ‬مصدرًا‭ ‬للثراء،‭ ‬وأن‭ ‬الإعلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جسرًا‭ ‬للتواصل‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬لا‭ ‬أداة‭ ‬لتوسيع‭ ‬الفجوات‭ ‬بينهم‭. ‬لذلك‭ ‬حملت‭ ‬هذه‭ ‬القناعة‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬خطوة،‭ ‬وظل‭ ‬إيماني‭ ‬ثابتًا‭ ‬بأن‭ ‬الإنسان‭ ‬يُحترم‭ ‬لإنسانيته‭ ‬وأخلاقه،‭ ‬وأن‭ ‬الحوار‭ ‬والتعايش‭ ‬هما‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تُبنى‭ ‬عليه‭ ‬المجتمعات‭ ‬القوية‭ ‬والمستقرة‭.‬

 

س‭ :‬كيف‭ ‬عكست‭ ‬شخصية‭ ‬حاييم‭ ‬نحوم‭ ‬أفندي،‭ ‬خال‭ ‬زوج‭ ‬خالتك،‭ ‬طبيعة‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬اليهودي‭ ‬والمسيحي‭ ‬والمسلم‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬وطنية‭ ‬واحدة؟

ج‭ :‬عندما‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬نشأت‭ ‬فيه،‭ ‬أجد‭ ‬أن‭ ‬سيرة‭ ‬الحاخام‭ ‬الأكبر‭ ‬حاييم‭ ‬نحوم‭ ‬أفندي،‭ ‬خال‭ ‬زوج‭ ‬خالتي،‭ ‬تمثل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أصدق‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬روح‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬مصر‭ ‬آنذاك‭ ‬نموذجًا‭ ‬فريدًا‭ ‬للتعايش،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الديانة‭ ‬حاجزًا‭ ‬أمام‭ ‬العلم‭ ‬أو‭ ‬الثقافة‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬الوطن،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬معيار‭ ‬التقدير‭ ‬هو‭ ‬الكفاءة‭ ‬والعطاء‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬حاييم‭ ‬نحوم‭ ‬أفندي‭ ‬مجرد‭ ‬الحاخام‭ ‬الأكبر‭ ‬للطائفة‭ ‬اليهودية‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬علماء‭ ‬عصره،‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬المعرفة‭ ‬الواسعة‭ ‬في‭ ‬اللغات‭ ‬والقانون‭ ‬والتاريخ‭ ‬والدراسات‭ ‬الشرقية‭. ‬وبفضل‭ ‬مكانته‭ ‬العلمية‭ ‬والفكرية،‭ ‬حظي‭ ‬باحترام‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬فتولى‭ ‬منصب‭ ‬الحاخام‭ ‬الأكبر‭ ‬منذ‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ثم‭ ‬اختير‭ ‬عضوًا‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬المصري،‭ ‬كما‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الأعضاء‭ ‬المؤسسين‭ ‬لمجمع‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬بالقاهرة،‭ ‬في‭ ‬سابقة‭ ‬تؤكد‭ ‬مدى‭ ‬تقدير‭ ‬مصر‭ ‬للعلم‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الانتماء‭ ‬الديني‭.‬

وكانت‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭ ‬تحمل‭ ‬رسالة‭ ‬عميقة؛‭ ‬فوجود‭ ‬رجل‭ ‬دين‭ ‬يهودي‭ ‬داخل‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬ومجمع‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمرًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬آنذاك،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬انعكاسًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬لمجتمع‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تتسع‭ ‬للجميع،‭ ‬وأن‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين‭ ‬واليهود‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الوطن‭ ‬وإثراء‭ ‬ثقافته،‭ ‬فكان‭ ‬حاييم‭ ‬ناحوم‭ ‬عضواً‭ ‬في‭ ‬مجمع‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬طه‭ ‬حسين‭.‬

ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬عطاؤه‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬العام،‭ ‬بل‭ ‬ترك‭ ‬إرثًا‭ ‬علميًا‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬معالمه‭ ‬جمع‭ ‬وترجمة‭ ‬الفرمانات‭ ‬العثمانية‭ ‬الصادرة‭ ‬إلى‭ ‬حكام‭ ‬مصر‭ ‬منذ‭ ‬دخول‭ ‬العثمانيين‭ ‬عام‭ ‬1517‭ ‬وحتى‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وهو‭ ‬عمل‭ ‬أصبح‭ ‬مرجعًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬للباحثين‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المصري‭ ‬والعثماني‭.‬

عُرض‭ ‬على‭ ‬حاييم‭ ‬ناحوم‭ ‬تولي‭ ‬رئاسة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬لكنه‭ ‬رفض‭ ‬ذلك‭ ‬رفضاً‭ ‬قاطعاً‭ ‬بسبب‭ ‬سلوك‭ ‬الصهاينة‭ ‬كأعداء‭ ‬واستيلائهم‭ ‬على‭ ‬أراضي‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

وظل‭ ‬حاييم‭ ‬نحوم‭ ‬أفندي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬حتى‭ ‬رحيله‭ ‬عام‭ ‬1960،‭ ‬حيث‭ ‬دُفن‭ ‬في‭ ‬مقابر‭ ‬اليهود‭ ‬بالبساتين‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬بعد‭ ‬حياة‭ ‬حافلة‭ ‬جسدت‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬كانت‭ ‬فيها‭ ‬مصر‭ ‬تحتضن‭ ‬أبناءها‭ ‬جميعًا،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬دياناتهم،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬من‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬والانتماء‭ ‬الوطني،‭ ‬وهي‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬أثرًا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬شخصيتي‭ ‬ونظرتي‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬والوطن‭.‬

 

س‭:‬ البدايات‭ ‬دائمًا‭ ‬تحمل‭ ‬قصة‭ ‬استثنائية‮…‬‭ ‬كيف‭ ‬وُلدت‭ ‬فكرة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬عامًا؟‭ ‬وهل‭ ‬كانت‭ ‬حلمًا‭ ‬وخطة‭ ‬رسمتها‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الصدفة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬قادتك‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬الإعلامية‭ ‬الرائدة؟

ج‭:‬ إذا‭ ‬أردت‭ ‬الحقيقة،‭ ‬فالإجابة‭ ‬ببساطة‭ ‬هي‭: ‬جاءت‭ ‬بالصدفة‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فكرة‭ ‬تأسيس‭ ‬تليفزيون‭ ‬عربي‭ ‬ضمن‭ ‬خططي،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬أجلس‭ ‬يومًا‭ ‬لأرسم‭ ‬مشروعًا‭ ‬إعلاميًا‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭. ‬أحيانًا‭ ‬الحياة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تختار‭ ‬لك‭ ‬الطريق‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تختاره‭ ‬أنت،‭ ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬معي‭.‬

نشأت‭ ‬في‭ ‬عائلة‭ ‬استثنائية‭ ‬بكل‭ ‬معنى‭ ‬الكلمة؛‭ ‬ضمت‭ ‬أفرادًا‭ ‬من‭ ‬الديانات‭ ‬اليهودية‭ ‬والمسيحية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬كما‭ ‬أوضحتُ‭ ‬سابقًا،‭ ‬ولذلك‭ ‬عشت‭ ‬منذ‭ ‬طفولتي‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية‭ ‬نادرة،‭ ‬هذه‭ ‬النشأة‭ ‬صنعت‭ ‬قناعتي‭ ‬بالحياة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬قناعتي‭ ‬بالإعلام‭. ‬أدركت‭ ‬مبكرًا‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تصنيف،‭ ‬وأن‭ ‬الحوار‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الصراع،‭ ‬وأن‭ ‬المعرفة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬هدم‭ ‬الحواجز‭ ‬التي‭ ‬تبنيها‭ ‬الأحكام‭ ‬المسبقة‭.‬

وعندما‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬فوجئت‭ ‬بأن‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬جزرٍ‭ ‬متفرقة،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬الصوت‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكي‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬غائبًا‭. ‬عندها‭ ‬تحولت‭ ‬تلك‭ ‬الصدفة‭ ‬إلى‭ ‬رسالة،‭ ‬وشعرت‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬حقيقية‭ ‬إلى‭ ‬منبر‭ ‬إعلامي‭ ‬يجمع‭ ‬ولا‭ ‬يفرق،‭ ‬ويعكس‭ ‬صورة‭ ‬العربي‭ ‬الحقيقية،‭ ‬ويُعرّف‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭ ‬بثقافتنا،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬أبناء‭ ‬الجالية‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬وُلد‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مشروعًا‭ ‬تجاريًا،‭ ‬بل‭ ‬مشروعًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬وثقافيًا،‭ ‬هدفه‭ ‬بناء‭ ‬جسور‭ ‬للحوار‭ ‬والتفاهم‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬والثقافات‭. ‬لذلك‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬الصدفة‭ ‬قد‭ ‬تفتح‭ ‬الباب،‭ ‬لكن‭ ‬الإيمان‭ ‬بالفكرة،‭ ‬والعمل‭ ‬من‭ ‬أجلها،‭ ‬والإصرار‭ ‬على‭ ‬نجاحها،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يحولها‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬رائدة‭ ‬تستمر‭ ‬لعقود‭.‬

 

س‭ :‬كيف‭ ‬بدأت‭ ‬رحلة‭ ‬تأسيس‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي؟‭ ‬وما‭ ‬أولى‭ ‬الخطوات‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬انطلاقه؟‭ ‬وما‭ ‬كانت‭ ‬أدواتك؟

ج‭ :‬أحيانًا‭ ‬تبدأ‭ ‬أكبر‭ ‬المشاريع‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬بسيط،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬ملاحظة‭ ‬عابرة،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬صدفة‭ ‬تغير‭ ‬مسار‭ ‬الحياة‭. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬فكرة‭ ‬تأسيس‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي؛‭ ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬مشروعًا‭ ‬خططت‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬وإنما‭ ‬ولدت‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬إنسانية‭ ‬ومهنية‭ ‬قادتني‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬إعلامية‭ ‬مختلفة‭. ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬درست‭ ‬الإنتاج‭ ‬السينمائي‭ ‬والتليفزيوني ‭(‬Film Production‭)‬، ‬وخضت‭ ‬تجربة‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الأفلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬المستقلة،‭ ‬وكان‭ ‬حلم‭ ‬هوليوود‭ ‬حاضرًا‭ ‬مثل‭ ‬أي‭ ‬شاب‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬لكنني‭ ‬اصطدمت‭ ‬مبكرًا‭ ‬بحقيقة‭ ‬أن‭ ‬دخول‭ ‬هذه‭ ‬الصناعة‭ ‬العملاقة‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬السهل،‭ ‬خاصة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمهاجر‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬منافسة‭ ‬شرسة‭ ‬وتعقيدات‭ ‬مهنية‭ ‬كبيرة‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬كنت‭ ‬أراقب‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ولاحظت‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬جالية‭ ‬تعيش‭ ‬داخل‭ ‬دائرتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬وكل‭ ‬مجموعة‭ ‬تنغلق‭ ‬على‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الاختلافات‭ ‬الدينية‭ ‬والثقافية‭ ‬كانت‭ ‬أحيانًا‭ ‬تصنع‭ ‬حواجز‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تصنع‭ ‬جسورًا‭. ‬

عندها‭ ‬طرحت‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬سؤالًا‭ ‬بسيطًا‭ ‬لكنه‭ ‬غيّر‭ ‬مسار‭ ‬حياتي‭:‬ لماذا‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬وسيلة‭ ‬إعلام‭ ‬تجمع‭ ‬العرب‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تفرقهم؟ من‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬الرحلة‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الفكرة‭ ‬مجرد‭ ‬إنشاء‭ ‬برنامج‭ ‬أو‭ ‬محطة‭ ‬تلفزيونية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬محاولة‭ ‬لصناعة‭ ‬مساحة‭ ‬إعلامية‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يتحدث‭ ‬العربية‭ ‬بأنه‭ ‬في‭ ‬بيته،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬جنسيته‭ ‬أو‭ ‬دينه‭ ‬أو‭ ‬خلفيته‭ ‬الثقافية‭. ‬كنت‭ ‬مؤمنًا‭ ‬بأن‭ ‬اللغة‭ ‬والثقافة‭ ‬والتراث‭ ‬المشترك‭ ‬عناصر‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توحيد‭ ‬الناس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬خلاف‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬ديني‭.‬

وكان‭ ‬اختيار‭ ‬اسم‭ ‬“التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬AATV”‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬خطوة‭ ‬جريئة،‭ ‬لأن‭ ‬الاسم‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬رسالة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬علامة‭ ‬تجارية‭. ‬أردته‭ ‬مظلة‭ ‬تجمع‭ ‬الجميع،‭ ‬لا‭ ‬منصة‭ ‬تمثل‭ ‬فئة‭ ‬دون‭ ‬أخرى،‭ ‬ورسالة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الهوية‭ ‬الثقافية‭ ‬المشتركة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الانقسامات‭.‬

واعتمدنا‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬على‭ ‬الفن‭ ‬والثقافة‭ ‬باعتبارهما‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬يفهمها‭ ‬الجميع،‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬ذاكرة‭ ‬مشتركة‭ ‬لكل‭ ‬أبناء‭ ‬المنطقة،‭ ‬مهما‭ ‬اختلفت‭ ‬جنسياتهم‭ ‬أو‭ ‬معتقداتهم‭. ‬لذلك‭ ‬كنا‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬حفلاتنا‭ ‬وبرامجنا‭ ‬وفعالياتنا‭ ‬حضورًا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬يهود‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬عربية،‭ ‬كانوا‭ ‬يشاركون‭ ‬الجميع‭ ‬حبهم‭ ‬للفن‭ ‬والتراث‭ ‬واللغة‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الإعلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬الاختلاف،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬القواسم‭ ‬المشتركة‭. ‬وأن‭ ‬الثقافة‭ ‬والفن‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينجحا‭ ‬فيما‭ ‬تعجز‭ ‬عنه‭ ‬السياسة‭ ‬أحيانًا،‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬الرسالة‭ ‬موجهة‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬أولًا،‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬انتماء‭ ‬آخر‭.‬

 

س‭:‬ اختيار‭ ‬اسم‭ ‬“التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬AATV”‭ ‬كان‭ ‬خطوة‭ ‬جريئة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭.. ‬ألم‭ ‬تخشَ‭ ‬أن‭ ‬يثير‭ ‬حساسية‭ ‬أو‭ ‬رفضًا‭ ‬بين‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية‭ ‬بمختلف‭ ‬انتماءاتها؟

ج‭:‬ في‭ ‬بداية‭ ‬المشوار،‭ ‬تسبب‭ ‬لي‭ ‬استخدام‭ ‬مصطلح‭ ‬“العربى”‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬مع‭ ‬أطراف‭ ‬مختلفة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭. ‬اكتشفت‭ ‬سريعًا‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬الهوية‭ ‬كانت‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬مما‭ ‬كنت‭ ‬أتوقع‭. ‬فبعض‭ ‬المسيحيين‭ ‬اللبنانيين‭ ‬كانوا‭ ‬يعتبرون‭ ‬أنفسهم‭ ‬فينيقيين‭ ‬وليسوا‭ ‬عربًا،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الأقباط‭ ‬والمصريين‭ ‬كانوا‭ ‬يؤكدون‭ ‬أنهم‭ ‬مصريون‭ ‬أولًا‭ ‬ويرفضون‭ ‬وصفهم‭ ‬بالعرب‭.‬

ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬لبنان‭ ‬ومصر،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬أيضًا‭. ‬فقد‭ ‬التقيت‭ ‬بتونسيين‭ ‬ومغاربة‭ ‬كانوا‭ ‬يعرّفون‭ ‬أنفسهم‭ ‬بأنهم‭ ‬أمازيغ،‭ ‬وكان‭ ‬بعضهم‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬وصفه‭ ‬بالعربي‭ ‬لا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬هويته،‭ ‬بل‭ ‬ويعتبره‭ ‬أمرًا‭ ‬غير‭ ‬مقبول،‭ ‬أما‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬فاجأني،‭ ‬فكان‭ ‬موقف‭ ‬بعض‭ ‬السعوديين‭ ‬والمسلمين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مصطلح‭ ‬“العرب”‭ ‬قد‭ ‬يضعف‭ ‬مفهوم‭ ‬“الأمة‭ ‬الإسلامية”‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تقسيمها‭. ‬عندها‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬مسألة‭ ‬الهوية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مصطلحات،‭ ‬بل‭ ‬قضية‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد،‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬ولكل‭ ‬طرف‭ ‬رؤيته‭ ‬الخاصة‭ ‬وانتماؤه‭ ‬الذي‭ ‬يتمسك‭ ‬به‭.‬

وهنا‭ ‬لم‭ ‬أتردد‭ ‬لحظة‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬اسم‭ ‬“التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬AATV”،‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬أراه‭ ‬الاسم‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬تقسيمهم‭. ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬كنت‭ ‬أطرح‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬سؤالًا‭ ‬بسيطًا‭:‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجمع‭ ‬العراقي،‭ ‬واللبناني،‭ ‬والسوري،‭ ‬والمصري،‭ ‬والمغربي،‭ ‬واليهودي‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬عربية،‭ ‬والمسيحي،‭ ‬والمسلم،‭ ‬وكل‭ ‬أبناء‭ ‬الجاليات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬العربي؟

وكانت‭ ‬الإجابة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬واضحة‭: ‬اللغة‭ ‬العربية‭. ‬فهي‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬الذي‭ ‬يتجاوز‭ ‬اختلافات‭ ‬الدين‭ ‬والعرق‭ ‬والجنسية،‭ ‬ويحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬ذاكرة‭ ‬وثقافة‭ ‬وهوية‭ ‬مشتركة‭.‬

لهذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اختيار‭ ‬كلمة‭ ‬“العربي”‭ ‬مخاطرة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬رسالة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنبر‭ ‬مفتوح‭ ‬للجميع،‭ ‬وأن‭ ‬هدفه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تمثيل‭ ‬فئة‭ ‬أو‭ ‬تيار‭ ‬بعينه،‭ ‬وإنما‭ ‬خدمة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬ويتحدث‭ ‬لغتها،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬انتماؤه‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬خلفيته‭ ‬الثقافية‭.‬

كما‭ ‬كنت‭ ‬مؤمنًا‭ ‬بأن‭ ‬الفن‭ ‬هو‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬العرب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭. ‬فتراث‭ ‬عمالقة‭ ‬الغناء‭ ‬والطرب،‭ ‬مثل‭ ‬أم‭ ‬كلثوم،‭ ‬وعبد‭ ‬الحليم‭ ‬حافظ،‭ ‬وفيروز،‭ ‬وفريد‭ ‬الأطرش،‭ ‬وصباح‭ ‬فخري،‭ ‬وإسماعيل‭ ‬ياسين،‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬الفن‭ ‬العربي،‭ ‬كان‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الجميع،‭ ‬حتى‭ ‬لدى‭ ‬اليهود‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬عراقية‭ ‬أو‭ ‬سورية‭ ‬أو‭ ‬مصرية،‭ ‬الذين‭ ‬ظلوا‭ ‬يحتفظون‭ ‬بعلاقة‭ ‬وجدانية‭ ‬عميقة‭ ‬بهذا‭ ‬الإرث‭ ‬الفني‭ ‬والثقافي‭.‬

وقد‭ ‬لمسنا‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭. ‬فعندما‭ ‬كان‭ ‬التليفزيون‭ ‬ينظم‭ ‬حفلات‭ ‬لكبار‭ ‬الفنانين،‭ ‬مثل‭ ‬الفنان‭ ‬الكبير‭ ‬صباح‭ ‬فخري،‭ ‬كانت‭ ‬القاعة‭ ‬تمتلئ‭ ‬بأبناء‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬انتماءاتهم؛‭ ‬مسلمين‭ ‬ومسيحيين‭ ‬ويهودًا‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬عربية،‭ ‬يجلسون‭ ‬معًا‭ ‬ويستمتعون‭ ‬بالفن‭ ‬ذاته،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الانتماءات‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬السياسية‭ ‬حاجزًا‭ ‬بينهم‭. ‬عندها‭ ‬أيقنت‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬والفن‭ ‬واللغة‭ ‬المشتركة‭ ‬أقوى‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عوامل‭ ‬الفرقة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأكدت‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬الاسم‭ ‬كان‭ ‬قرارًا‭ ‬صائبًا،‭ ‬وأن‭ ‬الإعلام‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جسرًا‭ ‬للتقارب‭ ‬وبناء‭ ‬جسور‭ ‬الحوار،‭ ‬لا‭ ‬وسيلة‭ ‬لتعميق‭ ‬الانقسامات‭.‬

وهكذا‭ ‬انطلقت‭ ‬رحلة‭ ‬“التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬AATV”‭ ‬رسميًا‭ ‬عام‭ ‬1980،‭ ‬ليبدأ‭ ‬أول‭ ‬منبر‭ ‬إعلامي‭ ‬يخاطب‭ ‬الجالية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بكل‭ ‬أطيافها،‭ ‬ويواصل‭ ‬رسالته‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬عامًا،‭ ‬مقدمًا‭ ‬نموذجًا‭ ‬إعلاميًا‭ ‬سبق‭ ‬عصره‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬أبناء‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬واحدة‭.‬

في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬شكّل‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ (‬AATV‭) ‬تجربة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬وسيلة‭ ‬إعلام‭ ‬عربية‭ ‬مستقلة‭ ‬يملكها‭ ‬فرد‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬معظم‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬العربية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬القنوات‭ ‬التلفزيونية،‭ ‬تخضع‭ ‬لهيمنة‭ ‬الحكومات‭ ‬وسيطرتها‭.‬

وقد‭ ‬منح‭ ‬هذا‭ ‬الاستقلال‭ ‬للقناة‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬لتقديم‭ ‬محتوى‭ ‬مختلف‭ ‬ورؤية‭ ‬إعلامية‭ ‬خارج‭ ‬الأطر‭ ‬الرسمية‭ ‬السائدة‭ ‬آنذاك‭.‬

 

س‭:‬ هل‭ ‬لعب‭ ‬اسم‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭‬AATV ‬دورًا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الانطباع‭ ‬لدى‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية،‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬تُعامل‭ ‬وكأنك‭ ‬تمثل‭ ‬جهة‭ ‬أمريكية‭ ‬رسمية؟‭ ‬وكيف‭ ‬انعكس‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬لقاءاتك‭ ‬مع‭ ‬الرؤساء‭ ‬والقادة‭ ‬العرب؟

ج‭ :‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬AATV‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬عنوان‭ ‬لوسيلة‭ ‬إعلامية،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬بطاقة‭ ‬تعريف‭ ‬فتحت‭ ‬أبوابًا‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬بعيدة‭ ‬المنال‭. ‬ففي‭ ‬البدايات‭ ‬لم‭ ‬أتخيل‭ ‬أن‭ ‬الاسم‭ ‬وحده‭ ‬سيمنح‭ ‬المؤسسة‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬الحضور‭ ‬والتأثير،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬انتشارها‭ ‬وإقبال‭ ‬الجمهور‭ ‬عليها،‭ ‬أدركت‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬الهوية‭ ‬الإعلامية،‭ ‬فسارعت‭ ‬إلى‭ ‬تسجيلها‭ ‬رسميًا‭ ‬كعلامة‭ ‬تجارية‭ (‬Trademark‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬زلت‭ ‬أحتفظ‭ ‬بحقوقها‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭. ‬وخلال‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬ساد‭ ‬لدى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية‭ ‬انطباع‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‮»‬‭ ‬مؤسسة‭ ‬إعلامية‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أو‭ ‬تمثلها‭ ‬بصورة‭ ‬ما،‭ ‬وهو‭ ‬تصور‭ ‬منح‭ ‬المؤسسة‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬وساعدها‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬رفيعة‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬وصناع‭ ‬القرار‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬بدأت‭ ‬أتلقى‭ ‬دعوات‭ ‬رسمية‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬لإجراء‭ ‬لقاءات‭ ‬وحوارات‭ ‬مع‭ ‬رؤساء‭ ‬وملوك‭ ‬وكبار‭ ‬المسؤولين،‭ ‬لقد‭ ‬دُعينا‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المؤتمرات‭ ‬الإعلامية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬وزراء‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والكويت‭ ‬وليبيا‭ ‬ومصر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬أمامنا‭ ‬أبوابًا‭ ‬واسعة‭ ‬للتواصل‭ ‬مع‭ ‬صُنّاع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬تلك‭ ‬الدعوات،‭ ‬زيارتي‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬للقاء‭ ‬الرئيس‭ ‬صدام‭ ‬حسين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دعوات‭ ‬رسمية‭ ‬في‭ ‬الكويت‭ ‬للقاء‭ ‬الأمير‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬لقاءات‭ ‬مع‭ ‬شخصيات‭ ‬سياسية‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭. ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬كان‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬‮«‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‮»‬‭ ‬باعتباره‭ ‬يمثل‭ ‬مؤسسة‭ ‬إعلامية‭ ‬ذات‭ ‬ثقل‭ ‬دولي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬نادرة‭ ‬للدخول‭ ‬إلى‭ ‬دوائر‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬وإجراء‭ ‬حوارات‭ ‬ولقاءات‭ ‬كان‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬هدفي‭ ‬يومًا‭ ‬استغلال‭ ‬هذا‭ ‬الانطباع‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬شخصية،‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬فيه‭ ‬فرصة‭ ‬لخدمة‭ ‬رسالتي‭ ‬الإعلامية‭ ‬وتوسيع‭ ‬مساحة‭ ‬الحوار‭ ‬العربي‭ ‬مع‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭. ‬فقد‭ ‬آمنت‭ ‬بأن‭ ‬قوة‭ ‬الاسم،‭ ‬حين‭ ‬تقترن‭ ‬بالمصداقية‭ ‬والمهنية،‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬المغلقة،‭ ‬وأن‭ ‬تمنح‭ ‬الإعلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الشخصيات‭ ‬المؤثرة‭ ‬ونقل‭ ‬رؤاها‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭.‬

وبمرور‭ ‬السنوات،‭ ‬أصبحت‭ ‬تلك‭ ‬اللقاءات‭ ‬الحصرية‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬‮«‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‮»‬،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬مكانته‭ ‬كمنصة‭ ‬إعلامية‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تحجز‭ ‬لنفسها‭ ‬موقعًا‭ ‬مميزًا‭ ‬على‭ ‬الساحتين‭ ‬العربية‭ ‬والدولية،‭ ‬وأن‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬الإعلام،‭ ‬عندما‭ ‬يمتلك‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬وهوية‭ ‬قوية،‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬تأثيرًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الشاشة‭.‬

 

س‭:‬ ورد‭ ‬اسمكم‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬نشرته‭ ‬صحيفة‭ ‬The Wall Street Journal‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬علي‭ ‬الصفحة‭ ‬الأولى‭ ‬لها‭ ‬باعتباركم‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬الإعداد‭ ‬لاحتفالات‭ ‬السلام‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أنكم‭ ‬نجحتم‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬الرئيس‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الجهود‭. ‬كيف‭ ‬تتذكرون‭ ‬تلك‭ ‬التجربة؟ وما‭ ‬حقيقة‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬قمتم‭ ‬به؟

ج‭:‬ كانت‭ ‬تلك‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المحطات‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬المهنية،‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬مشروع‭ ‬فني،‭ ‬بل‭ ‬مبادرة‭ ‬حملت‭ ‬رسالة‭ ‬سلام‭ ‬أرادت‭ ‬أن‭ ‬تخاطب‭ ‬العالم‭ ‬بلغة‭ ‬الثقافة‭ ‬والفن،‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬كانت‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬تعيش‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬لحظاتها‭ ‬التاريخية‭ ‬حساسية‭.‬

كنت‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬أعمل‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬سينمائي،‭ ‬وبالتوازي‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬أشارك‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المنتجين‭ ‬العالميين‭ ‬في‭ ‬الإعداد‭ ‬لاحتفال‭ ‬دولي‭ ‬ضخم‭ ‬بمناسبة‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬وكان‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الموافقات‭ ‬الرسمية‭ ‬يبدو‭ ‬مهمة‭ ‬بالغة‭ ‬الصعوبة،‭ ‬لكنني‭ ‬كنت‭ ‬مؤمنًا‭ ‬بالفكرة،‭ ‬ولم‭ ‬أتوقف‭ ‬عن‭ ‬السعي‭ ‬لتحقيقها‭.‬

والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬أصعب‭ ‬ما‭ ‬توقعه‭ ‬الجميع‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬الأسهل‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬لدي‭ ‬موعد‭ ‬مسبق‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬أنور‭ ‬السادات،‭ ‬بل‭ ‬توجهت‭ ‬إلى‭ ‬قصر‭ ‬المعمورة‭ ‬بالإسكندرية،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يقضي‭ ‬إجازته‭. ‬وعند‭ ‬البوابة‭ ‬طُلب‭ ‬مني‭ ‬مقابلة‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬حافظ،‭ ‬مساعد‭ ‬الرئيس‭.‬

سألني‭: ‬“ماذا‭ ‬تريد؟”‭ ‬فأجبته‭: ‬“لدي‭ ‬فكرة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالسلام،‭ ‬وأرغب‭ ‬في‭ ‬عرضها‭ ‬على‭ ‬الرئيس‭.‬”‭ ‬وعندما‭ ‬أوضحت‭ ‬له‭ ‬أنها‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬حفل‭ ‬موسيقي‭ ‬عالمي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام،‭ ‬ابتسم‭ ‬ساخرًا‭ ‬وقال‭: ‬“هل‭ ‬تظن‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬ليس‭ ‬لديه‭ ‬ما‭ ‬يشغله‭ ‬سوى‭ ‬مقابلة‭ ‬شخص‭ ‬يريد‭ ‬إقامة‭ ‬حفل‭ ‬موسيقي؟”‭ ‬ثم‭ ‬أضاف‭ ‬أنه‭ ‬سيحاول‭ ‬توجيهي‭ ‬إلى‭ ‬الجهة‭ ‬المختصة،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬لن‭ ‬يخصص‭ ‬وقتًا‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭.‬

وبعد‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬ساعة،‭ ‬عاد‭ ‬إليّ‭ ‬وعلى‭ ‬وجهه‭ ‬علامات‭ ‬الدهشة‭ ‬والانزعاج‭. ‬سألته‭:‬ “ماذا‭ ‬حدث؟”‭ ‬فأجاب‭ ‬بابتسامة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬المفاجأة‭:‬ “تفضل…‭ ‬الرئيس‭ ‬يريد‭ ‬مقابلتك‭.‬”

ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬غيّر‭ ‬مسار‭ ‬المشروع‭ ‬بالكامل‭. ‬فقد‭ ‬استمعتُ‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬السادات،‭ ‬وعرضت‭ ‬عليه‭ ‬رؤيتي‭ ‬لتحويل‭ ‬الاحتفال‭ ‬إلى‭ ‬رسالة‭ ‬عالمية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬السلام‭ ‬وتقريب‭ ‬الشعوب‭. ‬وبعد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬والموافقات‭ ‬الرسمية،‭ ‬حصل‭ ‬المشروع‭ ‬على‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل،‭ ‬وصدر‭ ‬القرار‭ ‬ببناء‭ ‬مسرح‭ ‬مفتوح‭ ‬في‭ ‬جبل‭ ‬سيناء‭ ‬لاستضافة‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخي‭.‬

ولم‭ ‬يبقِ‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الرواية‭ ‬الشخصية،‭ ‬بل‭ ‬وثقته‭ ‬صحيفة The Wall Street Journal في‭ ‬عددها‭ ‬الصادر‭ ‬بتاريخ‭ ‬27‭ ‬سبتمبر‭ ‬1979،‭ ‬حيث‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أنني‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬الرئيس‭ ‬السادات‭ ‬بعد‭ ‬انتظار‭ ‬استمر‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر،‭ ‬كما‭ ‬أوضحت‭ ‬أن‭ ‬شركة ‭،‬Roth and Boctor ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أحد‭ ‬مؤسسيها،‭ ‬كانت‭ ‬المنتج‭ ‬الرسمي‭ ‬للمشروع،‭ ‬وأن‭ ‬الحكومة‭ ‬المصرية‭ ‬اعتمدت‭ ‬إقامة‭ ‬الاحتفال‭ ‬وبناء‭ ‬المسرح‭ ‬المفتوح‭ ‬في‭ ‬جبل‭ ‬سيناء‭.‬

كان‭ ‬الهدف‭ ‬أن‭ ‬يجتمع‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المسرح‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬نجوم‭ ‬العالم،‭ ‬ليصبح‭ ‬الاحتفال‭ ‬رسالة‭ ‬ثقافية‭ ‬وإنسانية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬السياسية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬للفن‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أحد‭ ‬أقوى‭ ‬جسوره‭. ‬أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬فقد‭ ‬شكّل‭ ‬توثيق‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬عالمية‭ ‬بحجم‭ ‬The Wall Street Journal‭ ‬علي‭ ‬صفحاتها‭ ‬الأولى‭ ‬شهادة‭ ‬دولية‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬أعتز‭ ‬بها،‭ ‬وواحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المحطات‭ ‬في‭ ‬مسيرتي‭ ‬الإعلامية‭ ‬والإنتاجية‭.‬

 

س‭ :‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬تجربة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬استمر‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭.. ‬ما‭ ‬سر‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬والاستمرار؟‭ ‬وكيف‭ ‬بدأ‭ ‬البث‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة؟

ج‭:‬ لم‭ ‬يكن‭ ‬نجاح‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬مفاجأة‭ ‬للجمهور‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬مفاجأة‭ ‬لي‭ ‬شخصيًا‭. ‬لم‭ ‬أتوقع‭ ‬أن‭ ‬تلقى‭ ‬الفكرة‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الاحتضان،‭ ‬لكنني‭ ‬اكتشفت‭ ‬سريعًا‭ ‬أن‭ ‬أبناء‭ ‬الجالية‭ ‬العربية‭ ‬كانوا‭ ‬يبحثون‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬عن‭ ‬نافذة‭ ‬إعلامية‭ ‬تعبر‭ ‬عنهم،‭ ‬وتحمل‭ ‬صوتهم،‭ ‬وتجمعهم‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬جنسياتهم‭ ‬وخلفياتهم‭.‬

بدأنا‭ ‬بتقديم‭ ‬برنامج‭ ‬تلفزيوني‭ ‬مباشر‭ ‬لمدة‭ ‬ساعتين‭ ‬أسبوعيًا،‭ ‬وكان‭ ‬المشاهدون‭ ‬ينتظرون‭ ‬موعده‭ ‬من‭ ‬أسبوع‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬بشغف‭ ‬كبير،‭ ‬ففي‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬منصات‭ ‬رقمية‭ ‬أو‭ ‬خدمات‭ ‬تسجيل‭ ‬ومشاهدة‭ ‬عند‭ ‬الطلب‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬اليوم‭. ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬قاعدة‭ ‬الجمهور،‭ ‬تطور‭ ‬البث‭ ‬تدريجيًا؛‭ ‬فانتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬ساعة‭ ‬يومية‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬الرابعة‭ ‬عصرًا،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬ساعة‭ ‬ونصف‭ ‬يومياً،‭ ‬وظللنا‭ ‬نطوّر‭ ‬خريطة‭ ‬البث‭ ‬ونغيّر‭ ‬مواعيده‭ ‬وفق‭ ‬احتياجات‭ ‬المشاهدين‭ ‬وإمكانات‭ ‬المرحلة‭. ‬وعلى‭ ‬مدار‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬عامًا،‭ ‬حافظ‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬حضوره‭ ‬واستمراريته،‭ ‬متكيفًا‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬الإعلامية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬رسالته‭ ‬أو‭ ‬جمهوره‭.‬

بدأت‭ ‬الرحلة‭ ‬عبر‭ ‬البث‭ ‬الأرضي‭ ‬المفتوح ‭، (‬Broadcast‭)‬ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬برامجنا‭ ‬تُعرض‭ ‬إلى‭ ‬جوار‭ ‬كبرى‭ ‬الشبكات‭ ‬الأمريكية‭ ‬مثل‭ ‬ CBS‭ ‬و NBC  و ABC ، وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬حضورًا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬الأمريكية‭. ‬ومع‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬البث،‭ ‬توسعت‭ ‬القناة‭ ‬تدريجيًا‭ ‬من‭ ‬الشبكات‭ ‬الأرضية‭ ‬إلى‭ ‬شبكات‭ ‬الكابل،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬لتنطلق‭ ‬AATV‭ ‬من‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬نحو‭ ‬آفاق‭ ‬أوسع،‭ ‬وتصل‭ ‬بإرسالها‭ ‬إلى‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الولايات‭ ‬الأمريكية‭ ‬وكندا،‭ ‬لتصبح‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬المنصات‭ ‬الإعلامية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬حققت‭ ‬انتشارًا‭ ‬عابرًا‭ ‬للحدود‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬وكندا‭. ‬

وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬ثم‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬البث‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬وهي‭ ‬تحولات‭ ‬كبرى‭ ‬عشناها‭ ‬لحظة‭ ‬بلحظة‭ ‬وحرصنا‭ ‬على‭ ‬مواكبتها‭ ‬منذ‭ ‬بداياتها‭.‬

وكنا‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬من‭ ‬استشعروا‭ ‬أهمية‭ ‬الإنترنت‭ ‬كمنصة‭ ‬إعلامية‭ ‬مستقبلية،‭ ‬فأطلقنا‭ ‬موقعًا‭ ‬إلكترونيًا‭ ‬متطورًا‭ ‬للتليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬تُعد‭ ‬سابقة‭ ‬لعصرها‭. ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬آنذاك‭ ‬كان‭ ‬مختلفًا؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الجمهور‭ ‬قد‭ ‬اعتاد‭ ‬متابعة‭ ‬المحتوى‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬أو‭ ‬يدرك‭ ‬إمكاناته،‭ ‬فجاءت‭ ‬معدلات‭ ‬التفاعل‭ ‬محدودة‭ ‬للغاية،‭ ‬رغم‭ ‬التكلفة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تحملناها‭ ‬لتشغيل‭ ‬الموقع‭ ‬وتطويره‭. ‬وبعد‭ ‬فترة،‭ ‬أدركنا‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬كانت‭ ‬سابقة‭ ‬لوقتها،‭ ‬وأن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قد‭ ‬نضج‭ ‬بعد‭ ‬لاستيعاب‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الإعلام‭ ‬الرقمي،‭ ‬فقررنا‭ ‬إيقافها‭ ‬إلى‭ ‬حين،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬عبئًا‭ ‬ماليًا‭ ‬دون‭ ‬عائد‭ ‬أو‭ ‬متابعة‭ ‬تُذكر‭ ‬من‭ ‬المشاهدين‭.‬

اليوم‭ ‬أصبح‭ ‬بإمكان‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬أن‭ ‬يبث‭ ‬محتواه‭ ‬من‭ ‬هاتفه‭ ‬المحمول‭ ‬بضغطة‭ ‬زر،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬أصبحت‭ ‬المنافسة‭ ‬أكثر‭ ‬شراسة‭ ‬وتعقيدًا‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السنوات،‭ ‬فكنا‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬من‭ ‬أدركوا‭ ‬حاجة‭ ‬الجالية‭ ‬إلى‭ ‬إعلام‭ ‬يخاطبها‭ ‬بلغتها‭ ‬ويعكس‭ ‬هويتها،‭ ‬ولذلك‭ ‬حظينا‭ ‬بفرصة‭ ‬استثنائية‭ ‬للانتشار‭ ‬وبناء‭ ‬قاعدة‭ ‬جماهيرية‭ ‬واسعة‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬لم‭ ‬يولد‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬سهلة‭. ‬فإنتاج‭ ‬برنامج‭ ‬تلفزيوني‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬كان‭ ‬يتطلب‭ ‬استثمارات‭ ‬هائلة،‭ ‬وكانت‭ ‬تكلفة‭ ‬المعدات‭ ‬تشكل‭ ‬تحديًا‭ ‬حقيقيًا‭. ‬أتذكر‭ ‬أن‭ ‬سعر‭ ‬الكاميرا‭ ‬التلفزيونية‭ ‬الملونة‭ ‬آنذاك‭ ‬كان‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬دولار،‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬ضخم‭ ‬جدًا‭ ‬بمقاييس‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الأرقام‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يحركنا،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬الإيمان‭ ‬بالفكرة‭ ‬والرسالة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬عقبة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬ناشئة‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المنصات‭ ‬الإعلامية‭ ‬التي‭ ‬خاطبت‭ ‬الجالية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

 

س‭ :‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬الإمكانيات‭ ‬الفنية‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي؟‭ ‬وكيف‭ ‬حافظتم‭ ‬على‭ ‬الحياد‭ ‬والمصداقية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة؟

ج‭ :‬لم‭ ‬تكن‭ ‬انطلاقة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬إمكانيات‭ ‬ضخمة‭ ‬أو‭ ‬استثمارات‭ ‬هائلة،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬بأدوات‭ ‬متواضعة‭ ‬وحلم‭ ‬كبير‭. ‬ثلاث‭ ‬كاميرات‭ ‬فقط،‭ ‬واستوديو‭ ‬مستأجر،‭ ‬وعدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬مواقع‭ ‬التصوير‭ ‬كانت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نملكه‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬افتقدناه‭ ‬في‭ ‬الإمكانيات‭ ‬عوضناه‭ ‬بالإصرار،‭ ‬وبالإيمان‭ ‬بأن‭ ‬المحتوى‭ ‬الجيد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الوسائل‭ ‬بسيطة‭.‬

سرعان‭ ‬ما‭ ‬بدأت‭ ‬النتائج‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬إذ‭ ‬تحوّل‭ ‬المشاهدون‭ ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬داعم‭ ‬للتليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬فريق‭ ‬تسويق‭ ‬حقيقي‭ ‬للمحطة‭. ‬فقد‭ ‬آمن‭ ‬المجتمع،‭ ‬بمختلف‭ ‬فئاته،‭ ‬بصدق‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نقدمها‭ ‬في‭ ‬تمثيل‭ ‬الجاليات،‭ ‬وأصبح‭ ‬أبناء‭ ‬الجالية‭ ‬يذهبون‭ ‬بأنفسهم‭ ‬إلى‭ ‬المتاجر‭ ‬والمطاعم‭ ‬والعيادات‭ ‬الطبية‭ ‬ويسألون‭ ‬أصحابها‭ ‬باستغراب‭: ‬‮«‬كيف‭ ‬لا‭ ‬تعلنون‭ ‬في‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي؟‮»‬‭. ‬وبفضل‭ ‬هذه‭ ‬الثقة،‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نسعى‭ ‬وراء‭ ‬المعلنين،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يتوافدون‭ ‬إلينا‭ ‬مدفوعين‭ ‬بتوصيات‭ ‬الجمهور،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أعتبره‭ ‬فضلًا‭ ‬ورزقًا‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭. ‬ولولا‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬الشعبي،‭ ‬لما‭ ‬استطعنا‭ ‬الاستمرار‭ ‬حتى‭ ‬لأسبوع‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التكاليف‭ ‬التشغيلية‭ ‬المرتفعة‭ ‬آنذاك‭. ‬ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬هذا‭ ‬التأييد‭ ‬على‭ ‬أبناء‭ ‬الجالية‭ ‬العربية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬ليشمل‭ ‬الأرمن‭ ‬والفرس،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬شركات‭ ‬كبرى،‭ ‬مثل‭ ‬شركات‭ ‬الاتصالات‭ ‬والطيران‭ ‬الدولية،‭ ‬ومتاجر‭ ‬الأزياء‭ ‬الراقية،‭ ‬والفنادق،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬في‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬منصة‭ ‬إعلامية‭ ‬موثوقة‭ ‬تستحق‭ ‬الدعم‭ ‬والإعلان‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬المهني،‭ ‬اتخذنا‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬قرارًا‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيه‭:‬

أن‭ ‬يبقى‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬منبرًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬للجميع،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الانحياز‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬الطائفي‭. ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نؤمن‭ ‬بالإعلام‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬بصوت‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬بالإعلام‭ ‬الذي‭ ‬يفسح‭ ‬المجال‭ ‬لكل‭ ‬الآراء‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الاحترام‭ ‬والمسؤولية‭.‬

وقد‭ ‬اختُبرت‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬موقف،‭ ‬كان‭ ‬أبرزها‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬اللبنانية،‭ ‬حين‭ ‬استضفنا‭ ‬شخصية‭ ‬سورية‭ ‬وجهت‭ ‬انتقادات‭ ‬حادة‭ ‬للرئيس‭ ‬حافظ‭ ‬الأسد،‭ ‬فاعترضت‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬اللبنانية‭ ‬على‭ ‬استضافة‭ ‬الضيف‭. ‬عندها‭ ‬كان‭ ‬ردنا‭ ‬واضحًا‭: ‬البرنامج‭ ‬مفتوح‭ ‬للجميع،‭ ‬ومن‭ ‬حقكم‭ ‬أن‭ ‬تأتوا‭ ‬وتعرضوا‭ ‬وجهة‭ ‬نظركم‭ ‬كاملة‭.‬

لم‭ ‬نمنع‭ ‬رأيًا،‭ ‬ولم‭ ‬نصادر‭ ‬موقفًا،‭ ‬بل‭ ‬منحنا‭ ‬الجميع‭ ‬المساحة‭ ‬نفسها‭ ‬للتعبير‭.‬

هذا‭ ‬النهج‭ ‬رسّخ‭ ‬قناعة‭ ‬لدى‭ ‬المشاهدين‭ ‬بأن‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬لا‭ ‬يتبنى‭ ‬أجندة‭ ‬سياسية‭ ‬ولا‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬صف‭ ‬طرف‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬آخر،‭ ‬وإنما‭ ‬ينحاز‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬حق‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬وحرية‭ ‬الحوار‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬اكتسبنا‭ ‬المصداقية‭ ‬والاحترام،‭ ‬وهما‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأي‭ ‬مؤسسة‭ ‬إعلامية‭.‬

وعندما‭ ‬أقارن‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬بما‭ ‬يعيشه‭ ‬الإعلام‭ ‬اليوم،‭ ‬أشعر‭ ‬بأن‭ ‬مساحة‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬أصبحت‭ ‬أضيق‭ ‬مما‭ ‬كانت‭ ‬عليه،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬‭ ‬فمع‭ ‬اتساع‭ ‬نفوذ‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬باتت‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الآراء‭ ‬تُقيَّد‭ ‬أو‭ ‬تُحجب‭ ‬أو‭ ‬تُزال،‭ ‬وأصبح‭ ‬المشهد‭ ‬الإعلامي‭ ‬أكثر‭ ‬استقطابًا‭ ‬وتسييسًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أراه‭ ‬تطورًا‭ ‬مؤسفًا‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬حقيقية‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

 

س‭ :‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬جذب‭ ‬المشاهدين‭ ‬والمعلنين،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬أيضًا‭ ‬محطة‭ ‬انطلاق‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬مقدمي‭ ‬البرامج‭ ‬والإعلاميين‭.. ‬كيف‭ ‬استطعتم‭ ‬استقطاب‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءات؟ وما‭ ‬المعايير‭ ‬التي‭ ‬كنتم‭ ‬تعتمدونها‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬فريق‭ ‬العمل؟

ج‭ :‬مع‭ ‬نجاح‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬بدأ‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الإعلاميين‭ ‬ومقدمي‭ ‬البرامج‭ ‬يتواصلون‭ ‬معنا‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬أنفسهم،‭ ‬لأنهم‭ ‬شعروا‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬تجربة‭ ‬إعلامية‭ ‬مختلفة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬جزءًا‭ ‬منها‭.‬

لم‭ ‬نكن‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬الأسماء‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كنا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يؤمنون‭ ‬بالرسالة‭ ‬ويحملون‭ ‬الشغف‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬إعلام‭ ‬يخدم‭ ‬الجالية‭ ‬العربية‭ ‬باحترافية‭.‬

أتذكر‭ ‬جيدًا‭ ‬أن‭ ‬الإعلامية‭ ‬منى‭ ‬إبراهيم‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬المؤمنين‭ ‬بفكرة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭. ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شاهدت‭ ‬أحد‭ ‬برامجنا‭ ‬جاءت‭ ‬إليّ‭ ‬وقالت‭ ‬بكل‭ ‬حماس‭: ‬‮«‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬معكم،‭ ‬وأساهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‮»‬‭. ‬ولم‭ ‬تتردد‭ ‬لحظة،‭ ‬فانضمت‭ ‬إلى‭ ‬أسرة‭ ‬التليفزيون،‭ ‬وأصبحت‭ ‬شريكًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬في‭ ‬البدايات،‭ ‬حيث‭ ‬أسست‭ ‬معي‭ ‬ثاني‭ ‬برنامج‭ ‬يُقدَّم‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬القناة،‭ ‬لتكون‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬الإعلاميين‭ ‬الذين‭ ‬وضعوا‭ ‬بصمتهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬منذ‭ ‬انطلاقته،‭ ‬وبعدها‭ ‬انضم‭ ‬الإعلامي‭ ‬مصطفى‭ ‬الديب،‭ ‬ثم‭ ‬بدأت‭ ‬الأسماء‭ ‬تتوافد‭ ‬تباعًا،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬كل‭ ‬أسبوع‭ ‬تقريبًا‭ ‬يشهد‭ ‬انضمام‭ ‬وجه‭ ‬إعلامي‭ ‬جديد‭ ‬إلى‭ ‬أسرة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭. ‬عندها‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬فكرة‭ ‬أؤمن‭ ‬بها‭ ‬وحدي،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬حلمًا‭ ‬جماعيًا‭ ‬يلتف‭ ‬حوله‭ ‬إعلاميون‭ ‬رأوا‭ ‬فيه‭ ‬منصة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬صوتًا‭ ‬للجالية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬معيارنا‭ ‬الشهرة‭ ‬أو‭ ‬الخبرة‭ ‬وحدهما،‭ ‬بل‭ ‬الالتزام‭ ‬والمصداقية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬جميع‭ ‬الآراء‭ ‬والثقافات‭. ‬كنا‭ ‬نمنح‭ ‬كل‭ ‬مقدم‭ ‬برنامج‭ ‬مساحة‭ ‬ليقدم‭ ‬شخصيته‭ ‬وأسلوبه،‭ ‬لكن‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬واحدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المهنية‭ ‬واحترام‭ ‬المشاهد‭.‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬مجرد‭ ‬شاشة‭ ‬تعرض‭ ‬البرامج،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬مدرسة‭ ‬إعلامية‭ ‬خرّجت‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬المذيعين‭ ‬والإعلاميين‭ ‬الذين‭ ‬اكتسبوا‭ ‬خبراتهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬وساهموا‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬حضورها‭ ‬وانتشارها‭ ‬داخل‭ ‬الجالية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

وأود‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬أوجه‭ ‬تحية‭ ‬تقدير‭ ‬وامتنان‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬تطوّع‭ ‬وساهم‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬تجربة‭ ‬AATV،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يومًا‭ ‬إنجاز‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭. ‬فمن‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الشاشة‭ ‬يصنعها‭ ‬مذيع‭ ‬أو‭ ‬مدير‭ ‬فقط،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يدرك‭ ‬حقيقة‭ ‬العمل‭ ‬الإعلامي‭. ‬إنتاج‭ ‬أي‭ ‬برنامج‭ ‬تلفزيوني‭ ‬أو‭ ‬فيلم‭ ‬هو‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬وجهد‭ ‬جماعي‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬أصغر‭ ‬تفصيلة‭ ‬خلف‭ ‬الكاميرا‭ ‬ولا‭ ‬ينتهي‭ ‬أمامها‭. ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬في‭ ‬الفريق‭ ‬كان‭ ‬شريكًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬هذا‭ ‬النجاح،‭ ‬ولكل‭ ‬منهم‭ ‬القيمة‭ ‬والاحترام‭ ‬نفسيهما،‭ ‬مهما‭ ‬اختلفت‭ ‬الأدوار‭. ‬نعم،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬قائد‭ ‬يقود‭ ‬السفينة،‭ ‬لكن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬بر‭ ‬الأمان‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬بتكاتف‭ ‬جميع‭ ‬أفراد‭ ‬الطاقم،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬السر‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬منح‭ ‬AATV‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬والتميّز‭.‬

 

س‭ :‬مع‭ ‬صعود‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الضخمة‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬العربي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬السعودية،‭ ‬كيف‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التحول؟‭ ‬وهل‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬تلقيت‭ ‬عروضًا‭ ‬مماثلة‭ ‬خلال‭ ‬تجربتك‭ ‬مع‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي؟

ج‭:‬ عندما‭ ‬انطلق‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬العربي‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬قوة‭ ‬استراتيجية‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬اليوم‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السنوات،‭ ‬كان‭ ‬كثيرون‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬الإعلام‭ ‬بوصفه‭ ‬وسيلة‭ ‬لنقل‭ ‬الأخبار‭ ‬فقط،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬دول‭ ‬عربية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬أن‭ ‬الإعلام‭ ‬أصبح‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أدوات‭ ‬التأثير‭ ‬وصناعة‭ ‬الصورة‭ ‬وبناء‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة،‭ ‬فبدأت‭ ‬تضخ‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬لتطوير‭ ‬مؤسسات‭ ‬إعلامية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬إقليميًا‭ ‬وعالميًا‭.‬

خلال‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬كانت‭ ‬تربطني‭ ‬علاقات‭ ‬طيبة‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬السعوديين،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬الأمير‭ ‬طلال‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬العزيز،‭ ‬الذي‭ ‬أبدى‭ ‬تقديرًا‭ ‬واضحًا‭ ‬لتجربتنا‭ ‬الإعلامية،‭ ‬كما‭ ‬حظينا‭ ‬بدعم‭ ‬معنوي‭ ‬واحترام‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬السفراء‭ ‬السعوديين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يؤمنون‭ ‬بأهمية‭ ‬وجود‭ ‬إعلام‭ ‬عربي‭ ‬يخاطب‭ ‬الجاليات‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ويعكس‭ ‬صورتها‭ ‬الحقيقية‭.‬

ومع‭ ‬اتساع‭ ‬انتشار‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬بدأت‭ ‬تصلني‭ ‬عروض‭ ‬مختلفة‭ ‬للتمويل‭ ‬والدخول‭ ‬في‭ ‬شراكات‭ ‬إعلامية‭. ‬كانت‭ ‬عروضًا‭ ‬مغرية‭ ‬بكل‭ ‬المقاييس،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬تثير‭ ‬لدي‭ ‬سؤالًا‭ ‬واحدًا‭: ‬هل‭ ‬سيبقى‭ ‬القرار‭ ‬التحريري‭ ‬مستقلًا؟‭ ‬كنت‭ ‬مؤمنًا‭ ‬بأن‭ ‬الإعلام‭ ‬يفقد‭ ‬قيمته‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يصبح‭ ‬فيها‭ ‬خاضعًا‭ ‬لأي‭ ‬تأثير‭ ‬خارجي،‭ ‬لذلك‭ ‬فضّلت‭ ‬أن‭ ‬أواصل‭ ‬العمل‭ ‬بإمكانات‭ ‬محدودة،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أتنازل‭ ‬عن‭ ‬حرية‭ ‬القرار‭ ‬أو‭ ‬استقلالية‭ ‬المنصة‭ ‬التي‭ ‬بنيتها‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭.‬

وأتذكر‭ ‬جيدًا‭ ‬أن‭ ‬الراحل‭ ‬الشيخ‭ ‬صالح‭ ‬كامل‭ ‬عرض‭ ‬عليّ‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬شبكة‭ ‬ART‭ ‬كشريك،‭ ‬وهي‭ ‬فرصة‭ ‬كان‭ ‬يتمناها‭ ‬كثيرون‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬لكنني‭ ‬رأيت‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬الشراكة‭ ‬لا‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬رؤيتي‭ ‬ورسالة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬فاعتذرت‭ ‬عنها،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬مكاسب‭ ‬مالية‭ ‬وفرص‭ ‬توسع‭ ‬كبيرة‭.‬

لقد‭ ‬تعلمت‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬مؤسسة‭ ‬إعلامية‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بحجم‭ ‬ميزانيتها‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬كسب‭ ‬ثقة‭ ‬جمهورها‭. ‬نحن‭ ‬لم‭ ‬نبنِ‭ ‬نجاحنا‭ ‬على‭ ‬الأموال،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬واضحة‭ ‬ورسالة‭ ‬صادقة؛‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التليفزيون‭ ‬مساحة‭ ‬تجمع‭ ‬جميع‭ ‬أبناء‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية،‭ ‬بمختلف‭ ‬دياناتهم‭ ‬وخلفياتهم،‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬اللغة‭ ‬والثقافة‭ ‬المشتركة،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الاستقطاب‭  ‬والانقسام،‭ ‬ولهذا‭ ‬أؤمن‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬بأن‭ ‬المال‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يشتري‭ ‬أحدث‭ ‬الاستوديوهات‭ ‬وأقوى‭ ‬التقنيات،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يشتري‭ ‬المصداقية‭. ‬فهذه‭ ‬تُبنى‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الاستقلالية،‭ ‬والمهنية،‭ ‬واحترام‭ ‬عقل‭ ‬المشاهد،‭ ‬وهي‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬هوية‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وجعلته‭ ‬يحتفظ‭ ‬بمكانته‭ ‬وثقة‭ ‬جمهوره‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭.‬

 

س‭:‬ هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أنك‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬مواكبة‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬وأن‭ ‬تجربة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬تساير‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي،‭ ‬كيف‭ ‬ترد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الرأي؟‭ ‬وكيف‭ ‬كانت‭ ‬آلية‭ ‬البث‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت؟

ج‭ :‬أعترف‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬أن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬صحيحًا‭ ‬لمن‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬فقط،‭ ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬تفاصيل‭ ‬التجربة‭ ‬سنكتشف‭ ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭. ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬متأخرين‭ ‬عن‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬سبقناها‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خطوة،‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭. ‬وكما‭ ‬ذكرت‭ ‬سابقًا،‭ ‬كنا‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬من‭ ‬أطلقوا‭ ‬موقعًا‭ ‬إلكترونيًا‭ ‬خاصًا‭ ‬بالتليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معظم‭ ‬الناس‭ ‬يعرفون‭ ‬أصلًا‭ ‬معنى‭ ‬كلمة‭ ‬Website‭. ‬استثمرنا‭ ‬مبالغ‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الإنترنت‭ ‬آنذاك‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬بداياته،‭ ‬وكانت‭ ‬تكلفة‭ ‬التشغيل‭ ‬مرتفعة‭ ‬للغاية‭. ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬الفكرة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التوقيت؛‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬جمهور‭ ‬اعتاد‭ ‬متابعة‭ ‬المحتوى‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬قد‭ ‬انتشرت‭ ‬بعد،‭ ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬التجربة‭ ‬العائد‭ ‬المأمول،‭ ‬واضطررنا‭ ‬إلى‭ ‬إيقافها‭ ‬رغم‭ ‬قناعتنا‭ ‬بأهميتها‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬البث‭ ‬التلفزيوني،‭ ‬فكانت‭ ‬التجربة‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭ ‬عما‭ ‬هو‭ ‬متاح‭ ‬اليوم‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬منصات‭ ‬رقمية‭ ‬أو‭ ‬خدمات‭ ‬بث‭ ‬مباشر‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬بل‭ ‬كنا‭ ‬نستأجر‭ ‬ساعات‭ ‬بث‭ ‬على‭ ‬محطات‭ ‬تلفزيونية‭ ‬أمريكية‭ ‬وندفع‭ ‬مقابلها،‭ ‬لنقدم‭ ‬برنامجًا‭ ‬عربيًا‭ ‬يوميًا‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬المشاهدين‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬المحلية،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬كانت‭ ‬الساحة‭ ‬التلفزيونية‭ ‬الأمريكية‭ ‬تهيمن‭ ‬عليها‭ ‬ثلاث‭ ‬شبكات‭ ‬كبرى‭ ‬فقط،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬ظهور‭ ‬برنامج‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬أمريكية‭ ‬حدثًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬وغير‭ ‬مألوف‭. ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬كانوا‭ ‬يتوقفون‭ ‬بدهشة‭ ‬عندما‭ ‬ينتقلون‭ ‬بين‭ ‬القنوات‭ ‬ويجدون‭ ‬فجأة‭ ‬برنامجًا‭ ‬عربيًا‭ ‬يُبث‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معتادًا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬لقد‭ ‬تعلمت‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬درسًا‭ ‬مهمًا،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الفكرة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬توقيت‭ ‬طرحها‭ ‬أيضًا‭. ‬فقد‭ ‬تمتلك‭ ‬فكرة‭ ‬عظيمة،‭ ‬لكنها‭ ‬تصل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الجمهور‭ ‬مستعدًا‭ ‬لاستيعابها،‭ ‬فتبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬فشلت،‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬كانت‭ ‬سابقة‭ ‬لعصرها‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬مشروعاتنا؛‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المشكلة‭ ‬أننا‭ ‬تأخرنا‭ ‬عن‭ ‬التطور،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬كنا‭ ‬نسير‭ ‬أمامه‭ ‬بخطوات‭.‬

 

س‭:‬ كيف‭ ‬ترى‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬أسلوب‭ ‬إدارة‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة؟

ج‭:‬ أرى‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الإمكانات‭ ‬أو‭ ‬الموارد،‭ ‬فالعالم‭ ‬العربي‭ ‬يمتلك‭ ‬من‭ ‬المقومات‭ ‬ما‭ ‬يؤهله‭ ‬ليكون‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬مختلف‭ ‬تمامًا،‭ ‬لكن‭ ‬القضية‭ ‬الحقيقية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬إدارة‭ ‬السياسة‭ ‬وصناعة‭ ‬القرار‭.‬

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬العربية،‭ ‬كان‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬يتقدم‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬مصالح‭ ‬الشعوب،‭ ‬بينما‭ ‬تقوم‭ ‬الأنظمة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية‭ ‬بوصفها‭ ‬أولوية‭ ‬دائمة،‭ ‬بغضّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬تغير‭ ‬الحكومات‭ ‬أو‭ ‬الأشخاص‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬كنت‭ ‬أعتقد‭ ‬دائمًا‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬مفاوضات،‭ ‬سواء‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬آخر،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬نتائج‭ ‬حقيقية‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المفاوض‭ ‬يحمل‭ ‬مصلحة‭ ‬وطنه‭ ‬وشعبه‭ ‬فوق‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬آخر‭. ‬فالمفاوض‭ ‬الذي‭ ‬يفتقد‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬وطني‭ ‬محدد،‭ ‬يصعب‭ ‬عليه‭ ‬انتزاع‭ ‬مكاسب‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬التفاوض‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الجانب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬يدخل‭ ‬أي‭ ‬مفاوضات‭ ‬وهو‭ ‬يتحرك‭ ‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬تعتبر‭ ‬مصلحة‭ ‬دولته‭ ‬خطًا‭ ‬أحمر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه،‭ ‬بينما‭ ‬افتقد‭ ‬الموقف‭ ‬العربي،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المحطات،‭ ‬إلى‭ ‬وحدة‭ ‬الرؤية‭ ‬وتنسيق‭ ‬الأهداف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬والقضايا‭ ‬السياسية‭.‬

 

س‭:‬ بعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬هل‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الإعلام‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬توازنه،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬والعالم‭ ‬العربي؟

ج‭:‬ من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬الثورة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬المشهد‭ ‬الإعلامي‭ ‬بالكامل،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تُنهِ‭ ‬معركة‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬بل‭ ‬غيّرت‭ ‬أدواتها‭ ‬فقط‭. ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬الحديث‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬الرقابة‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬التعتيم‭ ‬التقليدي،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فأصبحت‭ ‬الخوارزميات‭ ‬وتقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬هي‭ ‬اللاعب‭ ‬الأبرز،‭ ‬فهي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬محتوى‭ ‬معين‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬أو‭ ‬تقليل‭ ‬انتشار‭ ‬محتوى‭ ‬آخر،‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬صريح‭ ‬أو‭ ‬رقابة‭ ‬واضحة‭. ‬وأرى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬المشهد‭ ‬الإعلامي‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬لأن‭ ‬التأثير‭ ‬أصبح‭ ‬يُمارس‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬مرئية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمعظم‭ ‬الناس‭. ‬كثيرون‭ ‬يظنون‭ ‬أنهم‭ ‬يشاهدون‭ ‬المحتوى‭ ‬بحرية‭ ‬كاملة،‭ ‬بينما‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إليهم‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تحكمه‭ ‬خوارزميات‭ ‬وآليات‭ ‬لا‭ ‬يرونها،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬قاتمة‭ ‬بالكامل‭. ‬فما‭ ‬زالت‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬تحديات،‭ ‬تتيح‭ ‬أحيانًا‭ ‬مساحة‭ ‬لظهور‭ ‬آراء‭ ‬مختلفة‭ ‬وأصوات‭ ‬جديدة،‭ ‬سواء‭ ‬بحكم‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬أو‭ ‬لأن‭ ‬السيطرة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬تدفق‭ ‬المعلومات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ممكنة‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الماضي‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬أؤمن‭ ‬بأن‭ ‬مستقبل‭ ‬الإعلام‭ ‬سيظل‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بقدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬مهنيتها‭ ‬ومصداقيتها‭. ‬فالتكنولوجيا،‭ ‬مهما‭ ‬تطورت،‭ ‬تبقى‭ ‬مجرد‭ ‬أداة،‭ ‬أما‭ ‬المحتوى‭ ‬الصادق‭ ‬والمهني‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬يملك‭ ‬القدرة‭ ‬الحقيقية‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬وصناعة‭ ‬التأثير‭.‬

 

س‭:‬ في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬ما‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬الإعلاميون‭ ‬والصحفيون‭ ‬العرب‭ ‬الأمريكيون؟

ج‭:‬ أعتقد‭ ‬أولًا‭ ‬أننا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تعريفنا‭ ‬لأنفسنا‭. ‬أنا‭ ‬شخصيًا‭ ‬لا‭ ‬أحب‭ ‬وصف‭ ‬“عرب‭ ‬أمريكيين”،‭ ‬لأننا‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬أمريكيون‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬عربية،‭ ‬وهذا‭ ‬البلد‭ ‬هو‭ ‬وطننا،‭ ‬ومن‭ ‬يحب‭ ‬وطنه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صادقًا‭ ‬معه،‭ ‬وأن‭ ‬يقول‭ ‬الحقيقة‭ ‬مهما‭ ‬كانت،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يجامل‭ ‬أو‭ ‬يخشى‭ ‬الضغوط‭.‬

من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬وظيفة‭ ‬الإعلامي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬نقل‭ ‬الخبر،‭ ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬هناك‭. ‬مسؤوليتنا‭ ‬أن‭ ‬نصحح‭ ‬المسار‭ ‬عندما‭ ‬ينحرف،‭ ‬وأن‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬العام،‭ ‬وأن‭ ‬نمنح‭ ‬الناس‭ ‬الحقائق‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬المبالغة‭ ‬أو‭ ‬التحريض‭ ‬أو‭ ‬الانحياز‭.‬

أؤمن‭ ‬أن‭ ‬الكلمة‭ ‬الصادقة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحمي‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الانقسام،‭ ‬وأن‭ ‬الإعلام‭ ‬المهني‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يمنع‭ ‬تكرار‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬رأيناها‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬كثيرة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬لذلك‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الصحفي‭ ‬الإعلامي‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬يلهث‭ ‬وراء‭ ‬الإثارة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ويضع‭ ‬مصلحة‭ ‬المجتمع‭ ‬فوق‭ ‬أي‭ ‬اعتبارات‭ ‬أخرى‭.‬

 

س‭:‬ وهل‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الصوت؟

ج‭:‬ بالتأكيد،‭ ‬وأنا‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬أحيانًا‭ ‬أن‭ ‬الصوت‭ ‬الأعلى‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬المشهد،‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬مختلفة‭. ‬هناك‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬يمتلكون‭ ‬رؤية‭ ‬ناقدة‭ ‬لما‭ ‬يجري،‭ ‬ويعبرون‭ ‬عنها‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬الجامعات،‭ ‬وفي‭ ‬الأوساط‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬وفي‭ ‬الشارع،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والمنصات‭ ‬المختلفة‭.‬

أنا‭ ‬مؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الحقيقة‭ ‬قد‭ ‬تتعرض‭ ‬للتشويش‭ ‬أو‭ ‬التهميش‭ ‬لفترة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭. ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الطريق‭ ‬سهلًا،‭ ‬وربما‭ ‬يواجه‭ ‬من‭ ‬يدافع‭ ‬عنها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الضغوط،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬هناك‭ ‬دائمًا‭ ‬من‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬ويستمع‭ ‬إليها‭. ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬لا‭ ‬أفقد‭ ‬الأمل،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬الكلمة‭ ‬الصادقة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الناس،‭ ‬وأن‭ ‬الوعي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حاضرًا،‭ ‬حتى‭ ‬وسط‭ ‬كل‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬المشهد‭ ‬الإعلامي‭ ‬والسياسي‭ ‬اليوم‭.‬

 

س‭:‬ إلى‭ ‬جانب‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أطلقت‭ ‬أيضًا‭ ‬مجلة‭ ‬تحمل‭ ‬الاسم‭ ‬نفسه‭. ‬كيف‭ ‬جاءت‭ ‬الفكرة؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تمثله‭ ‬بالنسبة‭ ‬لك؟

ج‭:‬ لم‭ ‬أنظر‭ ‬يومًا‭ ‬إلى‭ ‬التليفزيون‭ ‬باعتباره‭ ‬الوسيلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬للتواصل‭ ‬مع‭ ‬الجمهور،‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬مؤمنًا‭ ‬بأن‭ ‬الإعلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬وسائله‭. ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الصحافة‭ ‬والإذاعة‭ ‬والتليفزيون،‭ ‬ثم‭ ‬لاحقًا‭ ‬الإنترنت،‭ ‬ليست‭ ‬وسائل‭ ‬تتنافس‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬وإنما‭ ‬أدوات‭ ‬تتعاون‭ ‬لتوصيل‭ ‬الرسالة‭ ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬ولكل‭ ‬منها‭ ‬جمهوره‭ ‬وتأثيره‭ ‬الخاص‭.‬

من‭ ‬هذا‭ ‬الإيمان‭ ‬وُلدت‭ ‬فكرة‭ ‬مجلة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬لتكون‭ ‬امتدادًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬للمشروع‭ ‬الإعلامي،‭ ‬ومنبرًا‭ ‬يُكمل‭ ‬ما‭ ‬نقدمه‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭. ‬أردتها‭ ‬مساحة‭ ‬تمنح‭ ‬القارئ‭ ‬فرصة‭ ‬للتعمق‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتسع‭ ‬لها‭ ‬وقت‭ ‬البث‭ ‬التلفزيوني،‭ ‬وتوثق‭ ‬ما‭ ‬نقدمه‭ ‬ليبقى‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬القارئ‭.‬

كانت‭ ‬المجلة‭ ‬تصدر‭ ‬شهريًا‭ ‬بانتظام،‭ ‬واستمرت‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تحجز‭ ‬لنفسها‭ ‬مكانة‭ ‬مميزة‭ ‬داخل‭ ‬الجالية‭ ‬العربية‭. ‬وحرصت‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬محتوى‭ ‬ثري‭ ‬ومتنوع،‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬صناعته‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬الكُتّاب‭ ‬والإعلاميين،‭ ‬وضم‭ ‬حوارات‭ ‬حصرية،‭ ‬وملفات‭ ‬سياسية‭ ‬وثقافية،‭ ‬وتغطيات‭ ‬فنية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الإعلانات‭ ‬والخدمات‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬أبناء‭ ‬الجالية‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المجلة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬مجرد‭ ‬إصدار‭ ‬مطبوع،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬ضلعًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬إعلامي‭ ‬متكامل،‭ ‬هدفه‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭ ‬بكل‭ ‬الوسائل‭ ‬الممكنة،‭ ‬وأن‭ ‬يعزز‭ ‬حضور‭ ‬ورسالة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

 

س‭ :‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬دور‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬البث‭ ‬التلفزيوني‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬إعلامية‭ ‬متكاملة‭. ‬ما‭ ‬أبرز‭ ‬الأنشطة‭ ‬والفعاليات‭ ‬التي‭ ‬قدمتموها؟

ج‭ :‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هدفي‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬مجرد‭ ‬نافذة‭ ‬تلفزيونية‭ ‬تبث‭ ‬البرامج،‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬أطمح‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسة‭ ‬إعلامية‭ ‬متكاملة‭ ‬تُصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الجالية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ومنصة‭ ‬تجمعها‭ ‬ثقافيًا‭ ‬واجتماعيًا‭ ‬وإعلاميًا‭. ‬لذلك‭ ‬حرصنا‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬رسالتنا‭ ‬حدود‭ ‬الشاشة،‭ ‬وأن‭ ‬نكون‭ ‬حاضرين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يهم‭ ‬أبناء‭ ‬الجالية،‭  ‬قدمنا‭ ‬باقة‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وتابعنا‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬أمريكا،‭ ‬مع‭ ‬نقل‭ ‬الأخبار‭ ‬والتطورات‭ ‬المهمة‭ ‬بصورة‭ ‬مهنية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استضافة‭ ‬شخصيات‭ ‬بارزة‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬وخلال‭ ‬سنوات‭ ‬العمل‭ ‬أجرينا‭ ‬لقاءات‭ ‬حصرية‭ ‬مع‭ ‬رؤساء‭ ‬ومسؤولين‭ ‬ومفكرين‭ ‬وفنانين‭ ‬ورموز‭ ‬ثقافية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬التليفزيون‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬وجعله‭ ‬مصدرًا‭ ‬يحظى‭ ‬بالثقة‭ ‬والاهتمام‭.‬

ولأنني‭ ‬كنت‭ ‬أؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الإعلام‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬داخل‭ ‬الاستوديو‭ ‬فقط،‭ ‬نظمنا‭ ‬سنويًا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬حفلات‭ ‬وفعاليات‭ ‬كبرى،‭ ‬استضفنا‭ ‬خلالها‭ ‬كبار‭ ‬نجوم‭ ‬الغناء‭ ‬والفن،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬شخصيات‭ ‬ثقافية‭ ‬وفكرية‭ ‬وسياسية‭ ‬ورجال‭ ‬أعمال‭ ‬ووجوه‭ ‬بارزة‭ ‬من‭ ‬المجتمعين‭ ‬المصري‭ ‬والأمريكي،‭ ‬بل‭ ‬وضيوفًا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم‭. ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬المناسبات‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ملتقيات‭ ‬حقيقية‭ ‬تجمع‭ ‬الإعلام‭ ‬بالفن‭ ‬والثقافة،‭ ‬وتعزز‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬الجالية‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬التقارب‭ ‬والانفتاح‭.‬

كما‭ ‬حرصنا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬احتفالية‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬جوائز‭ ‬ودروع‭ ‬تكريمية‭ ‬لأفضل‭ ‬نجم‭ ‬وأفضل‭ ‬نجمة‭ ‬خلال‭ ‬العام،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تكريم‭ ‬الشخصيات‭ ‬الأكثر‭ ‬تميزًا‭ ‬وإنجازًا‭ ‬كلٌّ‭ ‬في‭ ‬مجاله،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬أو‭ ‬الإعلام‭ ‬أو‭ ‬الثقافة‭ ‬أو‭ ‬العمل‭ ‬المجتمعي‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬الجوائز‭ ‬تحظى‭ ‬بمكانة‭ ‬كبيرة،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كثيرين‭ ‬كانوا‭ ‬ينتظرون‭ ‬إعلانها‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الفعاليات‭ ‬التي‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمها‭ ‬بالتليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭.‬

 

س‭ :‬في‭ ‬ظل‭ ‬الجدل‭ ‬المتكرر‭ ‬حول‭ ‬النفوذ‭ ‬والتأثير‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬مناقشة‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬بموضوعية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬اليهودية‭ ‬كدين‭ ‬والصهيونية‭ ‬كأيديولوجيا‭ ‬سياسية؟

ج‭:‬ أعتقد‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬التأكيد‭ ‬عليه‭ ‬هو‭ ‬ضرورة‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬اليهودية‭ ‬كدين،‭ ‬وبين‭ ‬الصهيونية‭ ‬كأيديولوجيا‭ ‬ومشروع‭ ‬سياسي‭. ‬فالخلط‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬أحكام‭ ‬غير‭ ‬دقيقة،‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬اليهود،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬يعارضون‭ ‬الصهيونية‭ ‬وينتقدون‭ ‬سياساتها‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭. ‬لذلك،‭ ‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬النفوذ‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬النقاش‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬الحقائق‭ ‬والأدلة،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الانتماءات‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬التعميم‭ ‬على‭ ‬جماعة‭ ‬بأكملها‭. ‬فالمؤسسات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬كغيرها‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الكبرى،‭ ‬تتأثر‭ ‬بعوامل‭ ‬متعددة،‭ ‬مثل‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والسياسات‭ ‬التحريرية،‭ ‬ومراكز‭ ‬النفوذ،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزال‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المعقد‭ ‬في‭ ‬دين‭ ‬أو‭ ‬عِرق‭ ‬معين‭.‬

من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬النقد‭ ‬موجهًا‭ ‬إلى‭ ‬السياسات‭ ‬أو‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬النقد،‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬أتباع‭ ‬ديانة‭ ‬بعينها‭. ‬فالموضوعية‭ ‬تقتضي‭ ‬أن‭ ‬نفرق‭ ‬دائمًا‭ ‬بين‭ ‬الدين،‭ ‬وبين‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬الفكرية،‭ ‬لأن‭ ‬التعميم‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬الحقيقة،‭ ‬بل‭ ‬يبتعد‭ ‬عنها‭.‬

 

س‭ :‬شكّل‭ ‬بثكم‭ ‬لمشاهد‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬بعدما‭ ‬عرضتم‭ ‬صورًا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الجمهور‭ ‬الأمريكي‭ ‬يشاهدها‭ ‬على‭ ‬شاشاته‭. ‬كيف‭ ‬بدأت‭ ‬القصة؟ وما‭ ‬الثمن‭ ‬الذي‭ ‬دفعتموه‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬جدلًا‭ ‬واسعًا؟

ج‭ :‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬كنا‭ ‬نعمل‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬إعلامي‭ ‬مختلف‭ ‬تمامًا‭. ‬خلال‭ ‬الثمانينيات‭ ‬وحتى‭ ‬أوائل‭ ‬التسعينيات،‭ ‬كان‭ ‬البث‭ ‬المباشر‭ ‬يتم‭ ‬دون‭ ‬أنظمة‭ ‬Delay‭ ‬أو‭ ‬تأخير‭ ‬زمني،‭ ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬داخل‭ ‬الاستوديو‭ ‬كان‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬المشاهد‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬نفسها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬برامجنا‭ ‬قدرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬المصداقية‭ ‬والعفوية،‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬الحرية‭ ‬الكاملة‭.‬

لكن‭ ‬المنعطف‭ ‬الحقيقي‭ ‬جاء‭ ‬مع‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الأولى‭. ‬وقتها‭ ‬كانت‭ ‬معظم‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬تقدم‭ ‬صورة‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬تستهدف‭ ‬مواقع‭ ‬عسكرية‭ ‬فقط،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬داخل‭ ‬العراق‭ ‬محدودًا‭ ‬للغاية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للصحفيين‭.‬

“مع‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬الخليج،‭ ‬أصبحت‭ ‬السعودية‭ ‬مركزًا‭ ‬لتجمع‭ ‬مئات‭ ‬الصحفيين‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬العالمية،‭ ‬لأن‭ ‬قوات‭ ‬التحالف‭ ‬كانت‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬أراضيها‭.‬‭ ‬لكن‭ ‬رغم‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬الإعلامي‭ ‬الضخم،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭ ‬متاحة‭ ‬كما‭ ‬يعتقد‭ ‬كثيرون‭. ‬كان‭ ‬أغلب‭ ‬الصحفيين‭ ‬يعملون‭ ‬وفق‭ ‬نظام‭ (‬Media Pool‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬ضمن‭ ‬مجموعات‭ ‬يرافقها‭ ‬الجيش،‭ ‬وكانت‭ ‬تحركاتهم‭ ‬وتصويرهم‭ ‬يخضعان‭ ‬لضوابط‭ ‬عسكرية‭ ‬صارمة،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬معظم‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الشاشات‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬المؤتمرات‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬الجولات‭ ‬المنظمة،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كان‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬العراق‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل،‭ ‬ولهذا‭ ‬كانت‭ ‬الرواية‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬العراقي‭ ‬نادرة‭ ‬جدًا‭.‬

وقبل‭ ‬دقائق‭ ‬من‭ ‬انطلاق‭ ‬إحدى‭ ‬الحلقات،‭ ‬كنت‭ ‬أتابع‭ ‬وكالات‭ ‬الأنباء‭ ‬العالمية‭ ‬مثل‭ ‬Reuters،‭ ‬فإذا‭ ‬بها‭ ‬تبث‭ ‬مشاهد‭ ‬صادمة‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬العراق‭: ‬أطفال‭ ‬قتلى،‭ ‬ونساء‭ ‬يصرخن،‭ ‬ومبانٍ‭ ‬مدمرة‭. ‬كانت‭ ‬صورًا‭ ‬إنسانية‭ ‬قاسية‭ ‬لم‭ ‬يشاهدها‭ ‬الجمهور‭ ‬الأمريكي‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬المحلية‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬لدينا‭ ‬وقت‭ ‬لإجراء‭ ‬أي‭ ‬مونتاج،‭ ‬فقلت‭ ‬لفريق‭ ‬العمل‭: ‬“اعرضوا‭ ‬اللقطات‭ ‬كما‭ ‬هي…‭ ‬واكتبوا‭ ‬فقط‭: ‬Today in Iraq.”‭ ‬وهكذا‭ ‬خرجت‭ ‬الصور‭ ‬والفيديوهات‭ ‬على‭ ‬الهواء‭ ‬مباشرة‭.‬

ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬عندما‭ ‬حصلنا‭ ‬على‭ ‬مشاهد‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬العراق‭ ‬وعرضناها‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أحدثت‭ ‬صدمة‭ ‬كبيرة،‭ ‬لأنها‭ ‬أظهرت‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الجمهور‭ ‬العربي‭ ‬والأمريكي‭ ‬معتادًا‭ ‬على‭ ‬رؤيت‭.‬

في‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬فوجئت‭ ‬بعشرات‭ ‬سيارات‭ ‬القنوات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ABC‭ ‬وNBC و CBS ‬تقف‭ ‬أمام‭ ‬مكتبي‭. ‬كان‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬تكرر‭ ‬من‭ ‬الجميع‭: ‬من‭ ‬أين‭ ‬حصلتم‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬اللقطات؟ وهل‭ ‬لديكم‭ ‬اتصال‭ ‬مباشر‭ ‬بصدام‭ ‬حسين؟

ابتسمت‭ ‬وأجبتهم‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬المواد‭ ‬ليست‭ ‬سرًا،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬موجودة‭ ‬بالفعل‭ ‬لدى‭ ‬وكالات‭ ‬الأنباء‭ ‬العالمية،‭ ‬لكن‭ ‬الفرق‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬اختار‭ ‬ألا‭ ‬يعرضها‭. ‬المشكلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الحقيقة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يختاره‭ ‬الإعلام‭ ‬أن‭ ‬يقدمه‭ ‬للجمهور‭ ‬وما‭ ‬يقرر‭ ‬حجبه‭ ‬عنه‭.‬

وخلال‭ ‬أيام،‭ ‬تحولت‭ ‬الواقعة‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬رأي‭ ‬عام‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬أصبحت‭ ‬ضيفًا‭ ‬على‭ ‬برامج‭ ‬حوارية‭ ‬ومناظرات‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشبكات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الحديث‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬نقاش‭ ‬أوسع‭ ‬حول‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة،‭ ‬وحدود‭ ‬نقل‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ودور‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭.‬

لكن‭ ‬لكل‭ ‬نجاح‭ ‬ثمن‭. ‬فبعد‭ ‬أسبوع‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬وعندما‭ ‬ذهبت‭ ‬لتسليم‭ ‬الحلقة‭ ‬التالية،‭ ‬أبلغتني‭ ‬إدارة‭ ‬البث‭ ‬بسياسة‭ ‬جديدة‭ ‬تُلزمنا‭ ‬بتسليم‭ ‬البرنامج‭ ‬قبل‭ ‬يومين‭ ‬من‭ ‬موعد‭ ‬إذاعته،‭ ‬وهو‭ ‬شرط‭ ‬يستحيل‭ ‬تطبيقه‭ ‬على‭ ‬برنامج‭ ‬إخباري‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬تطورات‭ ‬الأحداث‭ ‬لحظة‭ ‬بلحظة‭. ‬أدركت‭ ‬حينها‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬إداري،‭ ‬بل‭ ‬وسيلة‭ ‬لإبعادنا‭ ‬عن‭ ‬الشاشة‭ ‬وإنهاء‭ ‬تأثيرنا‭.‬

ثم‭ ‬تدخل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬البارزة‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬استمرار‭ ‬البرنامج،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬الإعلامي‭ ‬الشهير‭ ‬كيسي‭ ‬كيسم ‭  ‬Casey Kasem، والمخرج‭ ‬العالمي‭ ‬الراحل‭ ‬مصطفى‭ ‬العقاد‭ ‬مخرج‭ ‬ومنتج‭ ‬ألأفلام‭ ‬ألأمريكية‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬سوري‭ ‬الجنسية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬رئيس‭ ‬شركة‭ ‬أوكسيدنتال‭ ‬بتروليوم،‭ ‬وجميعهم‭ ‬كانوا‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الامريكي‭. ‬حاولوا‭ ‬التدخل،‭ ‬مؤكدين‭ ‬أن‭ ‬إيقاف‭ ‬البرنامج‭ ‬ليس‭ ‬الحل‭.‬

وبالفعل،‭ ‬تقرر‭ ‬إعادتنا‭ ‬إلى‭ ‬الشاشة،‭ ‬لكن‭ ‬بشروط‭ ‬جديدة‭ ‬أيضاً؛‭ ‬إذ‭ ‬أصبح‭ ‬لزامًا‭ ‬علينا‭ ‬تسليم‭ ‬شريط‭ ‬الحلقة‭ ‬قبل‭ ‬موعد‭ ‬البث‭ ‬بساعتين،‭ ‬حتى‭ ‬تتم‭ ‬مراجعته‭ ‬وإجراء‭ ‬أي‭ ‬تعديلات‭ ‬تراها‭ ‬الإدارة‭ ‬مناسبة‭ ‬قبل‭ ‬خروجه‭ ‬على‭ ‬الهواء‭. ‬بهذه‭ ‬الخطوة‭ ‬انتهت‭ ‬مرحلة‭ ‬البث‭ ‬الحر‭ ‬بالكامل،‭ ‬وبدأت‭ ‬مرحلة‭ ‬الرقابة‭ ‬المسبقة‭ ‬على‭ ‬المحتوى‭.‬

هذه‭ ‬التجربة‭ ‬رسخت‭ ‬لدي‭ ‬قناعة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ترافقني‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭:‬

أن‭ ‬الصورة‭ ‬الصادقة‭ ‬تمتلك‭ ‬قوة‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مكلفة‭ ‬لمن‭ ‬يقرر‭ ‬عرضها‭. ‬لذلك‭ ‬أقول‭ ‬دائمًا‭ ‬إننا‭ ‬عشنا‭ ‬مرحلة‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬هامشًا‭ ‬واسعًا‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬والإعلام،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬الإعلامية،‭ ‬وتصبح‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬أدواتها‭.‬

 

س‭ :‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬النجاح،‭ ‬لماذا‭ ‬اتخذت‭ ‬قرار‭ ‬إنهاء‭ ‬تجربة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي؟

ج‭ :‬لم‭ ‬يكن‭ ‬إنهاء‭ ‬تجربة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬قرارًا‭ ‬سهلًا،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬النجاح‭ ‬والانتشار‭. ‬لكنني‭ ‬شعرت‭ ‬أن‭ ‬البيئة‭ ‬الإعلامية‭ ‬تغيّرت‭ ‬جذريًا،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬تشبه‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬بدأنا‭ ‬فيها‭. ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نتمتع‭ ‬بها‭ ‬للتعبير‭ ‬بحرية‭ ‬أخذت‭ ‬تضيق‭ ‬تدريجيًا،‭ ‬وأصبح‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يُقال‭ ‬أو‭ ‬يُنشر‭ ‬يخضع‭ ‬لحسابات‭ ‬وتعقيدات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

في‭ ‬البدايات،‭ ‬كان‭ ‬همّنا‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬ننقل‭ ‬الحقيقة‭ ‬كما‭ ‬نراها،‭ ‬وأن‭ ‬نمنح‭ ‬مختلف‭ ‬الآراء‭ ‬فرصة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭. ‬أما‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬العمل‭ ‬الإعلامي‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬وباتت‭ ‬هناك‭ ‬اعتبارات‭ ‬وضغوط‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬المحتوى‭ ‬ومساحة‭ ‬التعبير‭.‬

ولهذا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬والإعلام،‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬عرفناه‭ ‬وعشناه‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قائمًا‭ ‬كما‭ ‬كان،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬المشهد‭ ‬الإعلامي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬مختلفًا،‭ ‬وتبدلت‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة،‭ ‬وأصبح‭ ‬الإعلام‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬يفرض‭ ‬تحديات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬قبل‭ ‬عقود‭.‬

 

س‭ :‬بعد‭ ‬إغلاق‭ ‬صفحة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ما‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬اتجهت‭ ‬إليه‭ ‬فيما‭ ‬بعد؟

ج‭ :‬لم‭ ‬يكن‭ ‬انتهاء‭ ‬تجربة‭ ‬التليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬نهاية‭ ‬لرسالتي‭ ‬الإعلامية،‭ ‬بل‭ ‬بداية‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬تحمل‭ ‬الهدف‭ ‬نفسه‭ ‬بــروح‭ ‬مخـتــلــفــة‭. ‬ففــي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أطلقـت‭ ‬مشروع Orthodox Christianity، ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مشروعًا‭ ‬دينيًا‭ ‬بالمعنى‭ ‬التقليدي،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مشروعًا‭ ‬مجتمعيًا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬جسور‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬الكنائس‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

كنت‭ ‬أؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الأرثوذكس‭ ‬يشكلون‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الجاليات‭ ‬العربية‭ ‬والشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬في‭ ‬أمريكا،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يجمعهم‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬يفرقهم‭.‬

لذلك‭ ‬جاءت‭ ‬الفكرة‭ ‬لتكون‭ ‬منصة‭ ‬تُعزز‭ ‬روح‭ ‬الوحدة‭ ‬والتعاون،‭ ‬وتفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬العمل‭ ‬المشترك‭ ‬وخدمة‭ ‬المجتمع،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬اي‭ ‬خلافات‭.‬

فبالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬كانت‭ ‬قوة‭ ‬أي‭ ‬جالية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التكاتف،‭ ‬وعندما‭ ‬تتوحد‭ ‬جهودها‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬حضورًا‭ ‬وتأثيرًا‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭.‬

 

س‭:‬ عندما‭ ‬تقول‭ ‬“الأرثوذكس”،‭ ‬هل‭ ‬تقصد‭ ‬الجالية‭ ‬القبطية‭ ‬فقط؟

ج‭:‬ لا،‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬عندما‭ ‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬الوحدة‭ ‬الأرثوذكسية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المقصود‭ ‬الكنيسة‭ ‬القبطية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬الكنائس‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬بمختلف‭ ‬انتماءاتها،‭ ‬من‭ ‬اليونانية،‭ ‬والروسية،‭ ‬والأرمنية،‭ ‬والصربية،‭ ‬وغيرها‭. ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الكنائس،‭ ‬رغم‭ ‬تنوعها،‭ ‬تشترك‭ ‬في‭ ‬جذور‭ ‬إيمانية‭ ‬وتاريخية‭ ‬واحدة،‭ ‬وأن‭ ‬توحيد‭ ‬جهودها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬قوة‭ ‬مجتمعية‭ ‬مؤثرة‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

لكن‭ ‬مع‭ ‬اقترابي‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬العقبة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬قلة‭ ‬الأعداد،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬العمل‭ ‬المشترك‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬كل‭ ‬كنيسة‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬إطارها‭ ‬الخاص،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الكنائس‭ ‬كانت‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬داخلية‭ ‬أيضًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬فكرة‭ ‬جمع‭ ‬الجميع‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬واحدة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬مما‭ ‬كنت‭ ‬أتوقع‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬حلمت‭ ‬بها،‭ ‬فإن‭ ‬إيماني‭ ‬بالفكرة‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭. ‬فما‭ ‬زلت‭ ‬أؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الوحدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬تأثير‭ ‬حقيقي،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭ ‬يمتلك‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬التنوع‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬عندما‭ ‬يجتمع‭ ‬حول‭ ‬أهداف‭ ‬مشتركة‭.‬

 

س‭:‬ بعد‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬الطويلة‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬وريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يشغل‭ ‬وحيد‭ ‬بقطر‭ ‬اليوم؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬طموحاته‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة؟

ج‭:‬ لم‭ ‬تتوقف‭ ‬رحلتي‭ ‬عند‭ ‬الإعلام،‭ ‬ولم‭ ‬أؤمن‭ ‬يومًا‭ ‬بأن‭ ‬النجاح‭ ‬له‭ ‬محطة‭ ‬أخيرة‭. ‬فما‭ ‬زلت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬فكرة‭ ‬جديدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬قيمة‭ ‬حقيقية‭ ‬للبشرية‭. ‬اليوم‭ ‬أدير‭ ‬شركة‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬التأمين‭ ‬والتسويق،‭ ‬كما‭ ‬أعمل‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬منصة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لمساعدة‭ ‬الأطباء‭ ‬على‭ ‬تنمية‭ ‬أعمالهم،‭ ‬وزيادة‭ ‬كفاءة‭ ‬إدارتهم،‭ ‬وتحسين‭ ‬خدماتهم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬وكلاء‭ ‬Medicare‭ ‬لتقديم‭ ‬حلول‭ ‬تحقق‭ ‬فائدة‭ ‬للطبيب‭ ‬والمريض‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

أؤمن‭ ‬أن‭ ‬الإعلامي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬أمجاد‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬نفسه‭ ‬باستمرار‭. ‬فالعالم‭ ‬يتغير‭ ‬بسرعة،‭ ‬ومن‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬التعلم‭ ‬والتطور‭ ‬يفقد‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التأثير‭. ‬لذلك‭ ‬حرصت‭ ‬طوال‭ ‬مسيرتي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أواكب‭ ‬كل‭ ‬مرحلة،‭ ‬وأن‭ ‬أبحث‭ ‬دائمًا‭ ‬عن‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬أو‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬ريادة‭ ‬الأعمال‭.‬

لكن‭ ‬طموحي‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بمشروع‭ ‬شخصي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بصناعة‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الإعلاميين‭ ‬العرب‭ ‬الأمريكيين‭. ‬فعدد‭ ‬الإعلاميين‭ ‬المؤثرين‭ ‬في‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬محدودًا،‭ ‬وهذا‭ ‬يجعل‭ ‬مسؤوليتنا‭ ‬أكبر‭. ‬نحن‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعلام‭ ‬قوي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الصراعات‭ ‬الشخصية‭ ‬أو‭ ‬المنافسات‭ ‬التي‭ ‬تستنزف‭ ‬الجميع‭.‬

ولا‭ ‬أخفي‭ ‬أنني‭ ‬مررت‭ ‬خلال‭ ‬مسيرتي‭ ‬بتجارب‭ ‬مؤلمة،‭ ‬شعرت‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬الإعلامي‭ ‬وقفوا‭ ‬ضدي،‭ ‬رغم‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬حريصًا‭ ‬على‭ ‬دعمهم‭ ‬وفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬أمامهم‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬لم‭ ‬تغيّر‭ ‬قناعتي،‭ ‬بل‭ ‬زادتني‭ ‬إيمانًا‭ ‬بأن‭ ‬النجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬بإقصاء‭ ‬الآخرين،‭ ‬وإنما‭ ‬بالعمل‭ ‬الجاد،‭ ‬والاستمرار،‭ ‬وترك‭ ‬الإنجاز‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬صاحبه‭.‬

رسـالتي‭ ‬الــيــــوم‭ ‬بســيــطــة‭ ‬وواضحة‭: ‬دعونا‭ ‬نجلس‭ ‬إلى‭ ‬مائدة‭ ‬واحدة،‭ ‬ونتعاون‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بناء‭ ‬إعلام‭ ‬عربي‭ ‬أمريكي‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬وتأثيرًا،‭ ‬إعلام‭ ‬يخدم‭ ‬مجتمعنا،‭ ‬ويعكس‭ ‬صورته‭ ‬الحقيقية،‭ ‬ويرفع‭ ‬مكانة‭ ‬أبنائه‭. ‬فنحن‭ ‬نحمل‭ ‬هويتنا‭ ‬العربية‭ ‬بكل‭ ‬فخر،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬ننتمي‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭ ‬ونشارك‭ ‬في‭ ‬بنائه‭ ‬ونجاحه‭. ‬وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المستقبل‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬الشراكة‭ ‬والوحدة،‭ ‬لأن‭ ‬البلاد‭ ‬لا‭ ‬تتقدم‭ ‬بالانقسام،‭ ‬وإنما‭ ‬بالتكاتف‭ ‬والعمل‭ ‬المشترك‭.‬

 

س‭:‬ في‭ ‬ختام‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭.. ‬كيف‭ ‬ترى‭ ‬تجربة‭ ‬جريدة‭ ‬كاريزما؟ وهل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬للصحافة‭ ‬الورقية‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الثورة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والسوشيال‭ ‬ميديا؟

ج‭ :‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الصحافة‭ ‬الورقية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحتل‭ ‬المكانة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬قبل‭ ‬سنوات،‭ ‬فالعالم‭ ‬تغيّر،‭ ‬وعادات‭ ‬القراءة‭ ‬تغيرت،‭ ‬وأصبح‭ ‬الجمهور‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬المعلومة‭ ‬السريعة‭ ‬والمحتوى‭ ‬البصري‭ ‬الجذاب‭. ‬لكن‭ ‬جريدة‭ ‬كاريزما‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تكسر‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة،‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬نفسها‭ ‬باعتبارها‭ ‬مجرد‭ ‬صحيفة‭ ‬مطبوعة،‭ ‬بل‭ ‬كمشروع‭ ‬إعلامي‭ ‬متكامل‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬المطبوع‭ ‬والرقمي‭.‬

ما‭ ‬لفت‭ ‬انتباهي‭ ‬فيها‭ ‬هو‭ ‬الاهتمام‭ ‬الكبير‭ ‬بالإخراج‭ ‬الصحفي،‭ ‬وجودة‭ ‬التصميم،‭ ‬وحسن‭ ‬اختيار‭ ‬الصور‭ ‬والألوان‭ ‬والعناوين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تقديم‭ ‬المادة‭ ‬التحريرية‭ ‬المهمه‭ ‬والمفيدة،‭ ‬بأسلوب‭ ‬عصري‭ ‬ومشوق‭ ‬يناسب‭ ‬القارئ‭ ‬الحالي،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يمتلك‭ ‬الوقت‭ ‬أو‭ ‬الرغبة‭ ‬لقراءة‭ ‬نصوص‭ ‬طويلة‭ ‬وتقليدية‭. ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬ليست‭ ‬سهلة،‭ ‬لكنها‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬نجاح‭ ‬كاريزما‭ ‬واستمرارها‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬حضورها‭ ‬القوي‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬موقعها‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬منحها‭ ‬بعدًا‭ ‬جديدًا،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬صحيفة‭ ‬ورقية‭ ‬تُوزَّع‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬منصة‭ ‬إعلامية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬جمهور‭ ‬واسع‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وخارجها‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬النموذج‭ ‬الذي‭ ‬أؤمن‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬الحديث؛‭ ‬أن‭ ‬تتكامل‭ ‬الوسائل‭ ‬المختلفة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتنافس‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭.‬

التكنولوجيا‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬غيّرت‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭. ‬ففي‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬إنتاج‭ ‬المحتوى‭ ‬الإعلامي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إمكانات‭ ‬ضخمة،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الأدوات‭ ‬أكثر‭ ‬سهولة،‭ ‬لكن‭ ‬المنافسة‭ ‬أصبحت‭ ‬أشد‭ ‬وأقسى‭. ‬ومن‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يوظف‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بذكاء،‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يضاعف‭ ‬تأثيره‭ ‬ويصل‭ ‬إلى‭ ‬جمهور‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬ممكنًا‭ ‬في‭ ‬السابق‭.‬

وأرى‭ ‬أن‭ ‬كاريزما‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬باحترافية،‭ ‬ولذلك‭ ‬أتمنى‭ ‬لها‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬النجاح‭ ‬والاستمرار‭. ‬فالإعلاميون‭ ‬العرب‭ ‬الأمريكيون‭ ‬الذين‭ ‬يمتلكون‭ ‬مشروعًا‭ ‬إعلاميًا‭ ‬مؤثرًا‭ ‬ورؤية‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬ليسوا‭ ‬كثيرين،‭ ‬وربما‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عددهم‭ ‬أصابع‭ ‬اليد‭ ‬الواحدة،‭ ‬وأنت‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أبرزهم‭ ‬يا‭ ‬وائل،‭ ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نتكاتف‭ ‬وندعم‭ ‬بعضنا‭ ‬البعض،‭ ‬لأن‭ ‬قوة‭ ‬الإعلام‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬المهجر‭ ‬لن‭ ‬تتحقق‭ ‬بالمنافسة‭ ‬الهدامة،‭ ‬بل‭ ‬بالتعاون‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات،‭ ‬فكلما‭ ‬توحدت‭ ‬جهودنا،‭ ‬أصبح‭ ‬صوتنا‭ ‬أكثر‭ ‬حضورًا‭ ‬وتأثيرًا‭.‬

 

وفي‭ ‬ختام‭ ‬هذا‭ ‬الحوار،‭ ‬وجّه‭ ‬الإعلامي‭ ‬والأستاذ‭ ‬الكبير‭ ‬وحيد‭ ‬بقطر‭ ‬رسالة‭ ‬حملت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأمل‭ ‬والثقة‭ ‬بالمستقبل،‭ ‬قائلاً‭:‬

إذا‭ ‬كنا‭ ‬قد‭ ‬نجحنا‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬أول‭ ‬تجربة‭ ‬للتليفزيون‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭ ‬بإمكانات‭ ‬محدودة،‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يمنعنا‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نبدأ‭ ‬مشروعًا‭ ‬إعلاميًا‭ ‬عربيًا‭ ‬جديدًا‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬من‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬ويواكب‭ ‬روح‭ ‬هذا‭ ‬العصر؟

نحن‭ ‬نعيش‭ ‬زمن‭ ‬الإعلام‭ ‬الرقمي‭ ‬ومنصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وهو‭ ‬زمن‭ ‬يفتح‭ ‬أبوابًا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متاحة‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

أحلم‭ ‬بمؤسسة‭ ‬إعلامية‭ ‬حديثة‭ ‬تجمع‭ ‬تحت‭ ‬سقفها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬إعلاميًا‭ ‬أو‭ ‬صحفيًا‭ ‬حقيقيًا؛‭ ‬صاحب‭ ‬ثقافة‭ ‬ورسالة،‭ ‬يؤمن‭ ‬بالمهنية‭ ‬ويحترم‭ ‬عقل‭ ‬الجمهور،‭ ‬ويتبنى‭ ‬فكرة‭ ‬صناعة‭ ‬إعلام‭ ‬مستقل‭ ‬يليق‭ ‬بجالياتنا‭ ‬المصرية‭ ‬والعربية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والعالم‭. ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬جديدة،‭ ‬وأسلوب‭ ‬عصري،‭ ‬وفكر‭ ‬مختلف،‭ ‬يقوده‭ ‬شباب‭ ‬يمتلكون‭ ‬الإصرار‭ ‬والطموح‭ ‬والثقة،‭ ‬ويؤمنون‭ ‬بأن‭ ‬الإعلام‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مهنة،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬ورسالة‭ ‬وصناعة‭ ‬للمستقبل‭.‬

لقد‭ ‬أنجزنا‭ ‬المستحيل‭ ‬بالأمس،‭ ‬وأؤمن‭ ‬أن‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬إنجاز‭ ‬أكبر‭ ‬اليوم…‭ ‬إذا‭ ‬وجد‭ ‬الفكرة‭ ‬الصادقة،‭ ‬والقيادة‭ ‬التي‭ ‬تؤمن‭ ‬به،‭ ‬والإرادة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬المستحيل‭.‬

 

تتقدم‭ ‬صحيفة «‬كاريزما‮» بخالص‭ ‬الشكر‭ ‬والتقدير‭ ‬للإعلامي‭ ‬الكبير‭ ‬الأستاذ‭ ‬وحيد‭ ‬بقطر،‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬رواد‭ ‬الإعلام‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬على‭ ‬حضوره‭ ‬المميز‭ ‬وصراحته‭ ‬الثرية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬الصحفي‭ ‬الاستثنائي‭.‬

لقد‭ ‬أتاح‭ ‬لنا‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬فرصة‭ ‬ثمينة‭ ‬للغوص‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬إعلامية‭ ‬ملهمة‭ ‬صنعت‭ ‬تاريخًا‭ ‬حقيقيًا،‭ ‬وكشفت‭ ‬عن‭ ‬مسيرة‭ ‬رجل‭ ‬آمن‭ ‬بقوة‭ ‬الكلمة،‭ ‬ودور‭ ‬الإعلام‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الجسور‭ ‬وخدمة‭ ‬المجتمع‭ ‬وصناعة‭ ‬الوعي‭.‬

شكرًا‭ ‬للإعلامي‭ ‬القدير‭ ‬وحيد‭ ‬بقطر‭ ‬على‭ ‬ثقته‭ ‬في‭ ‬‮«‬كاريزما‮»‬،‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬قدمه‭ ‬من‭ ‬ذكريات‭ ‬وشهادات‭ ‬ورؤى‭ ‬ستظل‭ ‬مصدر‭ ‬إلهام‭ ‬للأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬الصحفيين‭ ‬والإعلاميين‭.‬

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى