اخبار عالميةامريكا بالعربيحواراتعاجلوائل لطف الله
من الصدفة إلى الريادة.. القصة الكاملة لأول تليفزيون عربي في أمريكا AATV
قـام بالحـوار رئيـس التحـريـر وائــل لـطـف الله

✅ الإعلامي وحيد بقطر.. الرجل الذي جعل الشاشة الأمريكية تتحدث بالعربية وحوار حصري لكاريزما.
✅ حكاية 25 عامًا من عمر التليفزيون العربي الأمريكي.. علامة تجارية صنعت حضوراً دولياً.
✅ أول تليفزيون عربي مستقل يملكة شخص.. مؤسسة إعلامية متكاملة يقودها فريق إعداد وتقديم وإدارة على أعلى مستوى من الاحترافية.
✅ وثيقة نادرة من أرشيف «وول ستريت جورنال»: وحيد بقطر قاد أضخم احتفال تاريخي للسلام الذي جمع الرئيس السادات بقادة العالم.
✅ عرضنا الحقيقة فدفعنا الثمن.. كواليس أخطر معارك التليفزيون العربي الأمريكي.
✅ الخوارزميات هي الرقابة الجديدة.. والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الإعلام.
في زمنٍ لم تكن فيه منصات رقمية، ولا وسائل تواصل اجتماعي، ولا بث عبر الإنترنت، كان هناك رجل آمن بأن الإعلام ليس مجرد شاشة، بل رسالة قادرة على جمع البشر قبل أن تفرقهم السياسة أو الدين أو الجغرافيا. ومن قلب ولاية كاليفورنيا، وُلدت واحدة من أجرأ وأقوى التجارب الإعلامية العربية في الولايات المتحدة، على يد الإعلامي الرائد وحيد بقطر، الذي أسس أول تجربة للتليفزيون العربي الأمريكي، واضعًا حجر الأساس لإعلام عربي يخاطب الجاليات ويحافظ على هويتها الثقافية والإنسانية سنة 1980.
لكن قصة وحيد بقطر لم تبدأ داخل استوديو تلفزيوني، بل بدأت داخل منزلٍ استثنائي جمع بين الصحافة والفن، وبين المسلمين والمسيحيين واليهود، في مشهد جسّد روح مصر المتسامحة.
نشأ وسط أسرة متعددة الثقافات والأديان، وتربّى على قيم الحوار والتعايش، فيما كان والده أحد أبرز الصحفيين والكتّاب في الصحافة المصرية، الأمر الذي جعله يتنفس الإعلام منذ طفولته، ويكبر مؤمنًا بأن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا للتقارب لا وسيلة للانقسام.
رحلته العلمية لم تكن أقل تميزًا؛ فقد درس الهندسة المعمارية في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، ثم واصل تطوير نفسه بدورات متخصصة في فرنسا، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة ويحصل على درجة الماجستير في Communication Production من جامعة Loyola Marymount Universityومع إتقانه خمس لغات، امتلك أدوات التواصل مع ثقافات متعددة، وصاغ رؤية إعلامية سبقت عصرها، جمعت بين الحس الفني، والدقة الأكاديمية، والانفتاح الإنساني.
وعلى مدار أكثر من خمسة وعشرين عامًا، لم يكن التليفزيون العربي الأمريكي AATV مجرد شاشة تبث البرامج، بل منصة وثّقت تاريخ الجاليات العربية في الولايات المتحدة، واستضافت كبار الرؤساء والقادة والفنانين والمثقفين،والسياسيين، وصفوة المجتمع العربي الأمريكي، وقدّمت نموذجًا إعلاميًا مستقلًا في زمن كانت فيه الإمكانات محدودة، لكن الأحلام بلا حدود.
في هذا الحوار الحصري مع جريدة كاريزما، يفتح الإعلامي وحيد بقطر للمرة الأولى صفحات من رحلته الاستثنائية؛ من تفاصيل النشأة التي صنعت فكره، إلى كواليس تأسيس أول تليفزيون عربي في أمريكا AATV، مروراً بقصص النجاح والتحديات، وعلاقاته مع رؤساء وملوك وفنانين، ورؤيته للإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي، ورسالة يوجّهها إلى الجيل الجديد من الإعلاميين.
إنها شهادة حية على مرحلة صنعت تاريخ الإعلام العربي في المهجر، ورحلة رجل سبق عصره، ولا تزال تجربته تستحق أن تُروى للأجيال.
س :حدثنا عن رحلتك منذ بدايتها في مصر والإسكندرية، مرورًا بفرنسا، ثم الولايات المتحدة، وكيف أسهمت هذه المراحل المختلفة، إلى جانب إتقانك لخمس لغات، في بناء شخصيتك وتشكيل مسيرتك المهنية الإعلامية؟
ج :ولدت في مدينة الإسكندرية، المدينة التي لا تزال حتى اليوم تمثل جزءًا من وجداني وهويتي، لم تكن الإسكندرية يومًا مجرد مدينة، بل كانت وما زالت نموذجًا عالميًا للتعايش والتنوع الثقافي؛ إذ احتضنت عبر تاريخها جاليات يونانية وأرمنية وفرنسية وإيطالية، لتصنع مزيجًا حضاريًا استثنائيًا جعل منها مدينة كوزموبوليتانية فريدة، لا تزال تحتفظ بسحرها ومكانتها التي يصعب أن تجد لها مثيلًا في العالم. فهي بالنسبة لي ليست مجرد مكان نشأت فيه، بل مدرسة صنعت شخصيتي وغرست في داخلي حب المعرفة والانفتاح على الثقافات المختلفة. ولي أخ واحد يصغرني بعدة سنوات شقيقي وجيه.
عشت بين الإسكندرية والقاهرة، وهو ما منحني فرصة التعرف على بيئتين مختلفتين؛ إحداهما تحمل عبق التاريخ والثقافات المتعددة، والأخرى تمثل قلب الحركة والإعلام والفنون في مصر.
منذ سنوات الدراسة، كنت مؤمنًا بأن النجاح لا يتحقق بالموهبة وحدها، بل يحتاج إلى علم مستمر ورغبة دائمة في التطور. لذلك التحقت بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية لدراسة الهندسة المعمارية، وهو تخصص يجمع بين الدقة الهندسية والخيال الفني والإبداع. هذه الدراسة لم تمنحني شهادة جامعية فحسب، بل علمتني كيف أفكر بطريقة منظمة، وكيف أحول الأفكار إلى مشاريع واقعية، وكيف أوازن بين الجمال والوظيفة، وهي مبادئ رافقتني لاحقًا في عملي الإعلامي.
لكنني كنت أرى أن التعلم لا يعرف حدودًا، فبعد التخرج اتجهت إلى فرنسا لاستكمال عدد من الدورات المتخصصة، وهناك انفتحت أمامي آفاق جديدة في الفكر والثقافة والإدارة والفنون. كانت تلك التجربة نقطة تحول مهمة؛ فقد تعلمت أن الاختلاف بين الشعوب ليس حاجزًا، بل فرصة لاكتساب خبرات جديدة والنظر إلى الأمور من زوايا مختلفة.
ثم جاءت المرحلة الأهم في حياتي بالانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصلت على درجة الماجستير في Communication Production من جامعة Loyola Marymount University. في تلك البيئة الأكاديمية المتقدمة، لم أتعلم فقط أحدث مفاهيم الإنتاج الإعلامي والاتصال، بل تعلمت أيضًا كيف يعمل الإعلام الاحترافي، وكيف يمكن للإعلام أن يبني جسورًا بين الثقافات ويؤثر في المجتمعات ويصنع الرأي العام.
ومن العوامل التي كان لها تأثير كبير في مسيرتي، إتقاني خمس لغات: العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والإسبانية .لم تكن اللغات بالنسبة لي مجرد وسيلة للتواصل، بل كانت مفاتيح للدخول إلى ثقافات مختلفة، وفهم طرق تفكير الشعوب، وبناء علاقات مهنية وإنسانية واسعة مع شخصيات ومؤسسات من مختلف أنحاء العالم.
وعندما أنظر إلى رحلتي اليوم، أجد أن كل محطة كانت تكمل الأخرى؛ فالإسكندرية منحتني الجذور، ودراسة الهندسة علمتني الانضباط والإبداع، وفرنسا وسعت مداركي، والولايات المتحدة صقلت خبرتي الإعلامية، بينما فتحت اللغات الخمس أمامي أبواب العالم.
لذلك أؤمن أن النجاح الحقيقي لا يُبنى على محطة واحدة، بل هو حصيلة تجارب متراكمة، وثقافات متنوعة، وإيمان دائم بأن الإنسان يجب أن يظل طالب علم طوال حياته. وربما كانت هذه الرحلة المتنوعة هي التي ساعدتني لاحقًا على خوض تجربة تأسيس أول تلفزيون عربي في كاليفورنيا AATV، والتواصل مع مختلف الجاليات والثقافات، والعمل في الإعلام برؤية عالمية دون أن أفقد هويتي وجذوري المصرية.
س: نشأت في أسرة جمعت بين الفن والصحافة وتعدد الأديان والثقافات… كيف انعكس هذا المناخ الفريد على تكوين شخصيتك؟
ج :أستطيع أن أقول إن شخصيتي لم تتشكل في مدرسة أو جامعة بقدر ما تشكلت داخل البيت. فقد نشأت في بيئة استثنائية جمعت بين الصحافة والفن، وبين التنوع الديني والثقافي، وهو ما منحني منذ طفولتي نظرة مختلفة للحياة والإنسان.
في القاهرة، كان والدي واحدًا من أبرز الصحفيين والكتّاب في مصر، وهو جبرائيل بقطر، كان صحفي وناقدًا فنيًا في مؤسسة دار الهلال، كما عمل في صحيفة (Le Journal d›Égypte) الصادرة باللغة الفرنسية، وألّف عدة كتب، من بينها:
كتاب عن الفنان محمود سعيد – وكتاب عن النحات محمود مختار بالاشتراك مع بدر الدين أبو غازي، كما ألّف كتابًا عن أوجه التشابه التاريخية بين المكسيك ومصر، منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث.
وكتب أيضًا كتابًا بعنوان « من النيل إلى نهر الميكونغ » عن كمبوديا، وكان يجيد العمل الصحفي والمراسلة بعدة لغات، هي: الإسبانية، والفرنسية، والبرتغالية، والعربية. وكتب في مؤسسات صحفية عريقة مثل دار الهلال والمصور والكواكب وحواء وسمير وميكي وسوبرمان، كما ارتبط اسمه بمجلة «إيماج». لذلك لم تكن الصحافة بالنسبة لي مجرد مهنة، بل كانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. كنت أرى الكلمة وهي تُصنع، وأعيش أجواء التحرير، وألتقي بكبار الأدباء والفنانين والمثقفين، ومن بينهم الفنان صلاح طاهر والنحات محمود مختار، وغيرهما من رموز الثقافة المصرية. هذه الأجواء غرست داخلي حب المعرفة، وأيقظت شغفي بالإعلام والفن منذ سنواتي الأولى.
أما الإسكندرية، فقد منحتني بعدًا إنسانيًا آخر لا يقل أهمية. هناك عشت وسط عائلة جسدت معنى التعايش الحقيقي؛ ثلاث خالات، لكل واحدة منهن حياة مختلفة، إحداهن متزوجة من مسلم، والثانية من مسيحي أرثوذكسي، والثالثة من يهودي. ورغم اختلاف الديانات، لم أشهد يومًا خلافًا بسبب العقيدة، بل كانت المحبة والاحترام وروابط الأسرة أقوى من أي اختلاف. كنا نحتفل بالمناسبات المختلفة كعائلة واحدة، فتعلمت مبكرًا أن الإنسان لا تُعرّفه ديانته، بل أخلاقه وقيمه.
ومن الشخصيات التي تركت أثرًا في تاريخ العائلة الحاخام الأكبر لليهود في مصر، حاييم نحوم أفندي، خال زوج إحدى خالاتي، وهو شخصية تاريخية عُرف بدعوته إلى التعايش والحوار. وكان يؤمن بأن الشعوب تستطيع أن تعيش معًا في سلام داخل أوطانها، وأن الصراعات لا تصنع مستقبلًا أفضل.
عندما أنظر اليوم إلى مسيرتي الإعلامية، أدرك أن جذورها بدأت من تلك البيئة الفريدة. فقد تعلمت أن الاختلاف ليس سببًا للانقسام، بل مصدرًا للثراء، وأن الإعلام الحقيقي يجب أن يكون جسرًا للتواصل بين الناس، لا أداة لتوسيع الفجوات بينهم. لذلك حملت هذه القناعة معي في كل خطوة، وظل إيماني ثابتًا بأن الإنسان يُحترم لإنسانيته وأخلاقه، وأن الحوار والتعايش هما الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات القوية والمستقرة.
س :كيف عكست شخصية حاييم نحوم أفندي، خال زوج خالتك، طبيعة المجتمع المصري الذي جمع اليهودي والمسيحي والمسلم تحت مظلة وطنية واحدة؟
ج :عندما أتحدث عن طبيعة المجتمع المصري الذي نشأت فيه، أجد أن سيرة الحاخام الأكبر حاييم نحوم أفندي، خال زوج خالتي، تمثل واحدة من أصدق الصور التي تعكس روح تلك المرحلة. فقد كانت مصر آنذاك نموذجًا فريدًا للتعايش، حيث لم تكن الديانة حاجزًا أمام العلم أو الثقافة أو خدمة الوطن، بل كان معيار التقدير هو الكفاءة والعطاء.
لم يكن حاييم نحوم أفندي مجرد الحاخام الأكبر للطائفة اليهودية في مصر، بل كان واحدًا من أبرز علماء عصره، يجمع بين المعرفة الواسعة في اللغات والقانون والتاريخ والدراسات الشرقية. وبفضل مكانته العلمية والفكرية، حظي باحترام الدولة والمجتمع، فتولى منصب الحاخام الأكبر منذ عشرينيات القرن الماضي، ثم اختير عضوًا في مجلس الشيوخ المصري، كما أصبح من الأعضاء المؤسسين لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، في سابقة تؤكد مدى تقدير مصر للعلم بغض النظر عن الانتماء الديني.
وكانت تلك الصورة تحمل رسالة عميقة؛ فوجود رجل دين يهودي داخل مجلس الشيوخ ومجمع اللغة العربية لم يكن أمرًا استثنائيًا في مصر آنذاك، بل كان انعكاسًا طبيعيًا لمجتمع يؤمن بأن الهوية الوطنية تتسع للجميع، وأن المسلمين والمسيحيين واليهود شركاء في بناء الوطن وإثراء ثقافته، فكان حاييم ناحوم عضواً في مجمع اللغة العربية إلى جانب طه حسين.
ولم يقتصر عطاؤه على العمل الديني أو العام، بل ترك إرثًا علميًا بالغ الأهمية، كان من أبرز معالمه جمع وترجمة الفرمانات العثمانية الصادرة إلى حكام مصر منذ دخول العثمانيين عام 1517 وحتى أواخر القرن التاسع عشر، وهو عمل أصبح مرجعًا أساسيًا للباحثين في التاريخ المصري والعثماني.
عُرض على حاييم ناحوم تولي رئاسة إسرائيل، لكنه رفض ذلك رفضاً قاطعاً بسبب سلوك الصهاينة كأعداء واستيلائهم على أراضي الفلسطينيين.
وظل حاييم نحوم أفندي يعيش في مصر حتى رحيله عام 1960، حيث دُفن في مقابر اليهود بالبساتين في القاهرة، بعد حياة حافلة جسدت مرحلة تاريخية كانت فيها مصر تحتضن أبناءها جميعًا، على اختلاف دياناتهم، في إطار من الاحترام المتبادل والانتماء الوطني، وهي القيم التي تركت أثرًا عميقًا في تكوين شخصيتي ونظرتي إلى الإنسان والوطن.
س: البدايات دائمًا تحمل قصة استثنائية… كيف وُلدت فكرة التليفزيون العربي قبل أكثر من ثلاثين عامًا؟ وهل كانت حلمًا وخطة رسمتها منذ البداية، أم أن الصدفة هي التي قادتك إلى هذه التجربة الإعلامية الرائدة؟
ج: إذا أردت الحقيقة، فالإجابة ببساطة هي: جاءت بالصدفة. لم تكن فكرة تأسيس تليفزيون عربي ضمن خططي، ولم أكن أجلس يومًا لأرسم مشروعًا إعلاميًا بهذا الحجم. أحيانًا الحياة هي التي تختار لك الطريق قبل أن تختاره أنت، وهذا بالضبط ما حدث معي.
نشأت في عائلة استثنائية بكل معنى الكلمة؛ ضمت أفرادًا من الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية، كما أوضحتُ سابقًا، ولذلك عشت منذ طفولتي تجربة إنسانية نادرة، هذه النشأة صنعت قناعتي بالحياة قبل أن تصنع قناعتي بالإعلام. أدركت مبكرًا أن الإنسان أهم من أي تصنيف، وأن الحوار أقوى من الصراع، وأن المعرفة قادرة على هدم الحواجز التي تبنيها الأحكام المسبقة.
وعندما انتقلت إلى الولايات المتحدة، فوجئت بأن الجاليات العربية تعيش في جزرٍ متفرقة، بينما كان الصوت العربي في الإعلام الأمريكي يكاد يكون غائبًا. عندها تحولت تلك الصدفة إلى رسالة، وشعرت بأن هناك حاجة حقيقية إلى منبر إعلامي يجمع ولا يفرق، ويعكس صورة العربي الحقيقية، ويُعرّف المجتمع الأمريكي بثقافتنا، وفي الوقت نفسه يحافظ على هوية أبناء الجالية.
ومن هنا وُلد التليفزيون العربي الأمريكي. لم يكن مشروعًا تجاريًا، بل مشروعًا إنسانيًا وثقافيًا، هدفه بناء جسور للحوار والتفاهم بين الشعوب والثقافات. لذلك أؤمن أن الصدفة قد تفتح الباب، لكن الإيمان بالفكرة، والعمل من أجلها، والإصرار على نجاحها، هو ما يحولها إلى تجربة رائدة تستمر لعقود.
س :كيف بدأت رحلة تأسيس التليفزيون العربي؟ وما أولى الخطوات التي قادت إلى انطلاقه؟ وما كانت أدواتك؟
ج :أحيانًا تبدأ أكبر المشاريع من سؤال بسيط، أو من ملاحظة عابرة، أو حتى من صدفة تغير مسار الحياة. وهذا بالضبط ما حدث مع فكرة تأسيس التليفزيون العربي الأمريكي؛ فلم تكن مشروعًا خططت له منذ البداية، وإنما ولدت من تجربة إنسانية ومهنية قادتني إلى رؤية إعلامية مختلفة. كنت قد درست الإنتاج السينمائي والتليفزيوني (Film Production)، وخضت تجربة العمل في إنتاج الأفلام الأمريكية المستقلة، وكان حلم هوليوود حاضرًا مثل أي شاب يعمل في هذا المجال. لكنني اصطدمت مبكرًا بحقيقة أن دخول هذه الصناعة العملاقة ليس بالأمر السهل، خاصة بالنسبة لمهاجر عربي في ظل منافسة شرسة وتعقيدات مهنية كبيرة. وفي الوقت ذاته، كنت أراقب المجتمع العربي في الولايات المتحدة، ولاحظت أن كل جالية تعيش داخل دائرتها الخاصة، وكل مجموعة تنغلق على نفسها، بل إن الاختلافات الدينية والثقافية كانت أحيانًا تصنع حواجز أكثر مما تصنع جسورًا.
عندها طرحت على نفسي سؤالًا بسيطًا لكنه غيّر مسار حياتي: لماذا لا توجد وسيلة إعلام تجمع العرب بدلًا من أن تفرقهم؟ من هنا بدأت الرحلة. لم تكن الفكرة مجرد إنشاء برنامج أو محطة تلفزيونية، بل كانت محاولة لصناعة مساحة إعلامية يشعر فيها كل من يتحدث العربية بأنه في بيته، بصرف النظر عن جنسيته أو دينه أو خلفيته الثقافية. كنت مؤمنًا بأن اللغة والثقافة والتراث المشترك عناصر قادرة على توحيد الناس أكثر من أي خلاف سياسي أو ديني.
وكان اختيار اسم “التليفزيون العربي الأمريكي AATV” في ذلك الوقت خطوة جريئة، لأن الاسم كان يحمل رسالة قبل أن يكون علامة تجارية. أردته مظلة تجمع الجميع، لا منصة تمثل فئة دون أخرى، ورسالة تؤكد أن الهوية الثقافية المشتركة يمكن أن تكون أقوى من كل الانقسامات.
واعتمدنا منذ البداية على الفن والثقافة باعتبارهما اللغة التي يفهمها الجميع، كانت تمثل ذاكرة مشتركة لكل أبناء المنطقة، مهما اختلفت جنسياتهم أو معتقداتهم. لذلك كنا نرى في حفلاتنا وبرامجنا وفعالياتنا حضورًا من مختلف الجاليات العربية، بل وحتى يهود من أصول عربية، كانوا يشاركون الجميع حبهم للفن والتراث واللغة.
في تلك اللحظات أدركت أن الإعلام الحقيقي لا يُبنى على الاختلاف، بل على القواسم المشتركة. وأن الثقافة والفن يمكن أن ينجحا فيما تعجز عنه السياسة أحيانًا، عندما تكون الرسالة موجهة إلى الإنسان أولًا، قبل أي انتماء آخر.
س: اختيار اسم “التليفزيون العربي الأمريكي AATV” كان خطوة جريئة في ذلك الوقت.. ألم تخشَ أن يثير حساسية أو رفضًا بين الجاليات العربية بمختلف انتماءاتها؟
ج: في بداية المشوار، تسبب لي استخدام مصطلح “العربى” في كثير من المشكلات مع أطراف مختلفة داخل المجتمع. اكتشفت سريعًا أن قضية الهوية كانت أكثر حساسية مما كنت أتوقع. فبعض المسيحيين اللبنانيين كانوا يعتبرون أنفسهم فينيقيين وليسوا عربًا، كما أن عددًا من الأقباط والمصريين كانوا يؤكدون أنهم مصريون أولًا ويرفضون وصفهم بالعرب.
ولم يقتصر الأمر على لبنان ومصر، بل امتد إلى دول أخرى أيضًا. فقد التقيت بتونسيين ومغاربة كانوا يعرّفون أنفسهم بأنهم أمازيغ، وكان بعضهم يرى أن وصفه بالعربي لا يعبر عن هويته، بل ويعتبره أمرًا غير مقبول، أما أكثر ما فاجأني، فكان موقف بعض السعوديين والمسلمين الذين كانوا يرون أن التركيز على مصطلح “العرب” قد يضعف مفهوم “الأمة الإسلامية” ويؤدي إلى تقسيمها. عندها أدركت أن مسألة الهوية ليست مجرد مصطلحات، بل قضية شديدة التعقيد، تختلف من مجتمع إلى آخر، ولكل طرف رؤيته الخاصة وانتماؤه الذي يتمسك به.
وهنا لم أتردد لحظة في اختيار اسم “التليفزيون العربي الأمريكي AATV”، بل كنت أراه الاسم الأكثر قدرة على جمع الناس لا على تقسيمهم. منذ البداية كنت أطرح على نفسي سؤالًا بسيطًا:
ما الذي يمكن أن يجمع العراقي، واللبناني، والسوري، والمصري، والمغربي، واليهودي من أصول عربية، والمسيحي، والمسلم، وكل أبناء الجاليات القادمة من العالم العربي؟
وكانت الإجابة بالنسبة لي واضحة: اللغة العربية. فهي القاسم المشترك الذي يتجاوز اختلافات الدين والعرق والجنسية، ويحمل في داخله ذاكرة وثقافة وهوية مشتركة.
لهذا لم يكن اختيار كلمة “العربي” مخاطرة، بل كان رسالة تؤكد أن هذا المنبر مفتوح للجميع، وأن هدفه لم يكن تمثيل فئة أو تيار بعينه، وإنما خدمة كل من ينتمي إلى الثقافة العربية ويتحدث لغتها، مهما كان انتماؤه الديني أو خلفيته الثقافية.
كما كنت مؤمنًا بأن الفن هو اللغة التي تجمع العرب أكثر من أي شيء آخر. فتراث عمالقة الغناء والطرب، مثل أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وفيروز، وفريد الأطرش، وصباح فخري، وإسماعيل ياسين، وغيرهم من رموز الفن العربي، كان حاضرًا في وجدان الجميع، حتى لدى اليهود من أصول عراقية أو سورية أو مصرية، الذين ظلوا يحتفظون بعلاقة وجدانية عميقة بهذا الإرث الفني والثقافي.
وقد لمسنا ذلك على أرض الواقع. فعندما كان التليفزيون ينظم حفلات لكبار الفنانين، مثل الفنان الكبير صباح فخري، كانت القاعة تمتلئ بأبناء الجاليات العربية على اختلاف انتماءاتهم؛ مسلمين ومسيحيين ويهودًا من أصول عربية، يجلسون معًا ويستمتعون بالفن ذاته، دون أن تكون الانتماءات الدينية أو السياسية حاجزًا بينهم. عندها أيقنت أن الثقافة والفن واللغة المشتركة أقوى بكثير من كل عوامل الفرقة.
ومن هنا تأكدت أن اختيار الاسم كان قرارًا صائبًا، وأن الإعلام يستطيع أن يكون جسرًا للتقارب وبناء جسور الحوار، لا وسيلة لتعميق الانقسامات.
وهكذا انطلقت رحلة “التليفزيون العربي الأمريكي AATV” رسميًا عام 1980، ليبدأ أول منبر إعلامي يخاطب الجالية العربية في الولايات المتحدة بكل أطيافها، ويواصل رسالته لأكثر من خمسة وعشرين عامًا، مقدمًا نموذجًا إعلاميًا سبق عصره في جمع أبناء الجاليات العربية تحت مظلة واحدة.
في ذلك الوقت، شكّل التليفزيون العربي الأمريكي (AATV) تجربة غير مسبوقة، إذ كان أول وسيلة إعلام عربية مستقلة يملكها فرد في الولايات المتحدة، في وقت كانت فيه معظم وسائل الإعلام العربية، ولا سيما القنوات التلفزيونية، تخضع لهيمنة الحكومات وسيطرتها.
وقد منح هذا الاستقلال للقناة مساحة أوسع لتقديم محتوى مختلف ورؤية إعلامية خارج الأطر الرسمية السائدة آنذاك.
س: هل لعب اسم التليفزيون العربي الأمريكيAATV دورًا في تشكيل الانطباع لدى الحكومات العربية، حتى أصبحت تُعامل وكأنك تمثل جهة أمريكية رسمية؟ وكيف انعكس ذلك على لقاءاتك مع الرؤساء والقادة العرب؟
ج :لم يكن اسم «التليفزيون العربي الأمريكي AATV» مجرد عنوان لوسيلة إعلامية، بل تحول مع مرور الوقت إلى بطاقة تعريف فتحت أبوابًا كانت تبدو بعيدة المنال. ففي البدايات لم أتخيل أن الاسم وحده سيمنح المؤسسة هذا القدر من الحضور والتأثير، لكن مع اتساع انتشارها وإقبال الجمهور عليها، أدركت قيمة هذه الهوية الإعلامية، فسارعت إلى تسجيلها رسميًا كعلامة تجارية (Trademark)، وما زلت أحتفظ بحقوقها حتى اليوم. وخلال تلك المرحلة، ساد لدى عدد من الحكومات العربية انطباع بأن «التليفزيون العربي الأمريكي» مؤسسة إعلامية ذات صلة بالولايات المتحدة أو تمثلها بصورة ما، وهو تصور منح المؤسسة مكانة خاصة وساعدها على الوصول إلى مستويات رفيعة من المسؤولين وصناع القرار. ونتيجة لذلك، بدأت أتلقى دعوات رسمية من عدد من الدول العربية لإجراء لقاءات وحوارات مع رؤساء وملوك وكبار المسؤولين، لقد دُعينا إلى العديد من المؤتمرات الإعلامية الكبرى التي شارك فيها وزراء الإعلام في العراق والكويت وليبيا ومصر، وهو ما فتح أمامنا أبوابًا واسعة للتواصل مع صُنّاع القرار في العالم العربي. ومن بين أبرز تلك الدعوات، زيارتي إلى العراق للقاء الرئيس صدام حسين، إلى جانب دعوات رسمية في الكويت للقاء الأمير وعدد من كبار المسؤولين، فضلًا عن لقاءات مع شخصيات سياسية بارزة في دول عربية أخرى. وفي كثير من الأحيان، كان يُنظر إلى رئيس «التليفزيون العربي الأمريكي» باعتباره يمثل مؤسسة إعلامية ذات ثقل دولي، وهو ما أتاح لي فرصة نادرة للدخول إلى دوائر صنع القرار وإجراء حوارات ولقاءات كان الوصول إليها في ذلك الوقت بالغ الصعوبة.
لم يكن هدفي يومًا استغلال هذا الانطباع لتحقيق مكاسب شخصية، بل كنت أرى فيه فرصة لخدمة رسالتي الإعلامية وتوسيع مساحة الحوار العربي مع صناع القرار. فقد آمنت بأن قوة الاسم، حين تقترن بالمصداقية والمهنية، تستطيع أن تفتح الأبواب المغلقة، وأن تمنح الإعلام الحقيقي قدرة على الوصول إلى الشخصيات المؤثرة ونقل رؤاها إلى الجمهور.
وبمرور السنوات، أصبحت تلك اللقاءات الحصرية جزءًا من هوية «التليفزيون العربي الأمريكي»، وأسهمت في ترسيخ مكانته كمنصة إعلامية استطاعت أن تحجز لنفسها موقعًا مميزًا على الساحتين العربية والدولية، وأن تثبت أن الإعلام، عندما يمتلك رؤية واضحة وهوية قوية، يمكنه أن يصنع تأثيرًا يتجاوز حدود الشاشة.
س: ورد اسمكم في تقرير نشرته صحيفة The Wall Street Journal عام 1979 علي الصفحة الأولى لها باعتباركم أحد أبرز المشاركين في الإعداد لاحتفالات السلام بين مصر وإسرائيل، كما أشار التقرير إلى أنكم نجحتم في الحصول على موافقة الرئيس أنور السادات على المشروع بعد أشهر من الجهود. كيف تتذكرون تلك التجربة؟ وما حقيقة الدور الذي قمتم به؟
ج: كانت تلك واحدة من أهم المحطات في حياتي المهنية، لأنها لم تكن مجرد مشروع فني، بل مبادرة حملت رسالة سلام أرادت أن تخاطب العالم بلغة الثقافة والفن، في مرحلة كانت منطقة الشرق الأوسط تعيش واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية حساسية.
كنت آنذاك في مصر أعمل على مشروع سينمائي، وبالتوازي مع ذلك أشارك مع مجموعة من المنتجين العالميين في الإعداد لاحتفال دولي ضخم بمناسبة السلام في الشرق الأوسط. وكان الحصول على الموافقات الرسمية يبدو مهمة بالغة الصعوبة، لكنني كنت مؤمنًا بالفكرة، ولم أتوقف عن السعي لتحقيقها.
والمفارقة أن أصعب ما توقعه الجميع كان في الحقيقة الأسهل. فلم يكن لدي موعد مسبق مع الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بل توجهت إلى قصر المعمورة بالإسكندرية، حيث كان يقضي إجازته. وعند البوابة طُلب مني مقابلة الأستاذ عبد الرحمن حافظ، مساعد الرئيس.
سألني: “ماذا تريد؟” فأجبته: “لدي فكرة تتعلق بالسلام، وأرغب في عرضها على الرئيس.” وعندما أوضحت له أنها تتمثل في تنظيم حفل موسيقي عالمي من أجل السلام، ابتسم ساخرًا وقال: “هل تظن أن الرئيس ليس لديه ما يشغله سوى مقابلة شخص يريد إقامة حفل موسيقي؟” ثم أضاف أنه سيحاول توجيهي إلى الجهة المختصة، مؤكدًا أن الرئيس لن يخصص وقتًا لمثل هذا الأمر.
وبعد نحو نصف ساعة، عاد إليّ وعلى وجهه علامات الدهشة والانزعاج. سألته: “ماذا حدث؟” فأجاب بابتسامة لا تخلو من المفاجأة: “تفضل… الرئيس يريد مقابلتك.”
ذلك اللقاء غيّر مسار المشروع بالكامل. فقد استمعتُ إلى الرئيس السادات، وعرضت عليه رؤيتي لتحويل الاحتفال إلى رسالة عالمية تؤكد أن الفن قادر على دعم السلام وتقريب الشعوب. وبعد سلسلة من الإجراءات والموافقات الرسمية، حصل المشروع على الاعتماد الكامل، وصدر القرار ببناء مسرح مفتوح في جبل سيناء لاستضافة هذا الحدث التاريخي.
ولم يبقِ هذا الإنجاز في إطار الرواية الشخصية، بل وثقته صحيفة The Wall Street Journal في عددها الصادر بتاريخ 27 سبتمبر 1979، حيث أشارت إلى أنني نجحت في الحصول على موافقة الرئيس السادات بعد انتظار استمر أربعة أشهر، كما أوضحت أن شركة ،Roth and Boctor التي كنت أحد مؤسسيها، كانت المنتج الرسمي للمشروع، وأن الحكومة المصرية اعتمدت إقامة الاحتفال وبناء المسرح المفتوح في جبل سيناء.
كان الهدف أن يجتمع على هذا المسرح عدد من أبرز نجوم العالم، ليصبح الاحتفال رسالة ثقافية وإنسانية تؤكد أن السلام لا تصنعه الاتفاقيات السياسية وحدها، بل يمكن للفن أيضًا أن يكون أحد أقوى جسوره. أما بالنسبة لي، فقد شكّل توثيق هذه القصة في صحيفة عالمية بحجم The Wall Street Journal علي صفحاتها الأولى شهادة دولية على تجربة أعتز بها، وواحدة من أبرز المحطات في مسيرتي الإعلامية والإنتاجية.
س :التليفزيون العربي الأمريكي لم يكن مجرد تجربة عابرة، بل استمر لأكثر من ربع قرن.. ما سر هذا النجاح والاستمرار؟ وكيف بدأ البث في تلك الفترة؟
ج: لم يكن نجاح التليفزيون العربي الأمريكي مفاجأة للجمهور وحده، بل كان مفاجأة لي شخصيًا. لم أتوقع أن تلقى الفكرة كل هذا الاحتضان، لكنني اكتشفت سريعًا أن أبناء الجالية العربية كانوا يبحثون منذ سنوات عن نافذة إعلامية تعبر عنهم، وتحمل صوتهم، وتجمعهم رغم اختلاف جنسياتهم وخلفياتهم.
بدأنا بتقديم برنامج تلفزيوني مباشر لمدة ساعتين أسبوعيًا، وكان المشاهدون ينتظرون موعده من أسبوع إلى آخر بشغف كبير، ففي ذلك الوقت لم تكن هناك منصات رقمية أو خدمات تسجيل ومشاهدة عند الطلب كما هو الحال اليوم. ومع اتساع قاعدة الجمهور، تطور البث تدريجيًا؛ فانتقلنا إلى ساعة يومية تبدأ في الرابعة عصرًا، ثم إلى ساعة ونصف يومياً، وظللنا نطوّر خريطة البث ونغيّر مواعيده وفق احتياجات المشاهدين وإمكانات المرحلة. وعلى مدار خمسة وعشرين عامًا، حافظ التليفزيون العربي الأمريكي على حضوره واستمراريته، متكيفًا مع المتغيرات الإعلامية دون أن يفقد رسالته أو جمهوره.
بدأت الرحلة عبر البث الأرضي المفتوح ، (Broadcast) حيث كانت برامجنا تُعرض إلى جوار كبرى الشبكات الأمريكية مثل CBS و NBC و ABC ، وهو ما منح التليفزيون العربي الأمريكي حضورًا غير مسبوق على الشاشة الأمريكية. ومع التطور المتسارع في تقنيات البث، توسعت القناة تدريجيًا من الشبكات الأرضية إلى شبكات الكابل، بالتزامن مع ظهور الأقمار الصناعية، لتنطلق AATV من كاليفورنيا نحو آفاق أوسع، وتصل بإرسالها إلى الجاليات العربية في مختلف الولايات الأمريكية وكندا، لتصبح واحدة من أوائل المنصات الإعلامية العربية التي حققت انتشارًا عابرًا للحدود في أمريكا وكندا.
وبعد ذلك شهد العالم التحول إلى عصر الأقمار الصناعية، ثم الثورة الرقمية، وصولًا إلى البث عبر الإنترنت، وهي تحولات كبرى عشناها لحظة بلحظة وحرصنا على مواكبتها منذ بداياتها.
وكنا من أوائل من استشعروا أهمية الإنترنت كمنصة إعلامية مستقبلية، فأطلقنا موقعًا إلكترونيًا متطورًا للتليفزيون العربي في وقت كانت فيه هذه الفكرة تُعد سابقة لعصرها. لكن الواقع آنذاك كان مختلفًا؛ إذ لم يكن الجمهور قد اعتاد متابعة المحتوى عبر الإنترنت أو يدرك إمكاناته، فجاءت معدلات التفاعل محدودة للغاية، رغم التكلفة الكبيرة التي تحملناها لتشغيل الموقع وتطويره. وبعد فترة، أدركنا أن التجربة كانت سابقة لوقتها، وأن السوق لم يكن قد نضج بعد لاستيعاب هذا النوع من الإعلام الرقمي، فقررنا إيقافها إلى حين، بعد أن أصبحت عبئًا ماليًا دون عائد أو متابعة تُذكر من المشاهدين.
اليوم أصبح بإمكان أي شخص أن يبث محتواه من هاتفه المحمول بضغطة زر، لكن في المقابل أصبحت المنافسة أكثر شراسة وتعقيدًا.
أما في تلك السنوات، فكنا من أوائل من أدركوا حاجة الجالية إلى إعلام يخاطبها بلغتها ويعكس هويتها، ولذلك حظينا بفرصة استثنائية للانتشار وبناء قاعدة جماهيرية واسعة.
لكن هذا النجاح لم يولد في ظروف سهلة. فإنتاج برنامج تلفزيوني في الثمانينيات كان يتطلب استثمارات هائلة، وكانت تكلفة المعدات تشكل تحديًا حقيقيًا. أتذكر أن سعر الكاميرا التلفزيونية الملونة آنذاك كان يقترب من 100 ألف دولار، وهو مبلغ ضخم جدًا بمقاييس ذلك الوقت. ومع ذلك، لم تكن الأرقام هي ما يحركنا، بل كان الإيمان بالفكرة والرسالة أكبر من أي عقبة، وهو ما جعل التليفزيون العربي الأمريكي يتحول من تجربة ناشئة إلى واحدة من أبرز المنصات الإعلامية التي خاطبت الجالية العربية في الولايات المتحدة.
س :كيف كانت الإمكانيات الفنية في بداية التليفزيون العربي الأمريكي؟ وكيف حافظتم على الحياد والمصداقية في تلك المرحلة؟
ج :لم تكن انطلاقة التليفزيون العربي الأمريكي قائمة على إمكانيات ضخمة أو استثمارات هائلة، بل بدأت بأدوات متواضعة وحلم كبير. ثلاث كاميرات فقط، واستوديو مستأجر، وعدد محدود من مواقع التصوير كانت كل ما نملكه في تلك الأيام. لكن ما افتقدناه في الإمكانيات عوضناه بالإصرار، وبالإيمان بأن المحتوى الجيد قادر على الوصول إلى الناس مهما كانت الوسائل بسيطة.
سرعان ما بدأت النتائج تتحدث عن نفسها، إذ تحوّل المشاهدون إلى أكبر داعم للتليفزيون العربي الأمريكي، بل إلى فريق تسويق حقيقي للمحطة. فقد آمن المجتمع، بمختلف فئاته، بصدق الرسالة التي كنا نقدمها في تمثيل الجاليات، وأصبح أبناء الجالية يذهبون بأنفسهم إلى المتاجر والمطاعم والعيادات الطبية ويسألون أصحابها باستغراب: «كيف لا تعلنون في التليفزيون العربي؟». وبفضل هذه الثقة، لم نكن نسعى وراء المعلنين، بل كانوا هم من يتوافدون إلينا مدفوعين بتوصيات الجمهور، وهو ما أعتبره فضلًا ورزقًا من الله قبل أي شيء آخر. ولولا هذا الدعم الشعبي، لما استطعنا الاستمرار حتى لأسبوع واحد في ظل التكاليف التشغيلية المرتفعة آنذاك. ولم يقتصر هذا التأييد على أبناء الجالية العربية فقط، بل امتد ليشمل الأرمن والفرس، إلى جانب شركات كبرى، مثل شركات الاتصالات والطيران الدولية، ومتاجر الأزياء الراقية، والفنادق، وغيرها من المؤسسات التي رأت في التليفزيون العربي الأمريكي منصة إعلامية موثوقة تستحق الدعم والإعلان.
وعلى المستوى المهني، اتخذنا منذ اليوم الأول قرارًا لا رجعة فيه:
أن يبقى التليفزيون العربي الأمريكي منبرًا مفتوحًا للجميع، بعيدًا عن الانحياز السياسي أو الديني أو الطائفي. لم نكن نؤمن بالإعلام الذي يتحدث بصوت واحد، بل بالإعلام الذي يفسح المجال لكل الآراء في إطار الاحترام والمسؤولية.
وقد اختُبرت هذه السياسة في أكثر من موقف، كان أبرزها خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، حين استضفنا شخصية سورية وجهت انتقادات حادة للرئيس حافظ الأسد، فاعترضت بعض الأطراف اللبنانية على استضافة الضيف. عندها كان ردنا واضحًا: البرنامج مفتوح للجميع، ومن حقكم أن تأتوا وتعرضوا وجهة نظركم كاملة.
لم نمنع رأيًا، ولم نصادر موقفًا، بل منحنا الجميع المساحة نفسها للتعبير.
هذا النهج رسّخ قناعة لدى المشاهدين بأن التليفزيون العربي الأمريكي لا يتبنى أجندة سياسية ولا يقف في صف طرف على حساب آخر، وإنما ينحاز فقط إلى حق الناس في التعبير وحرية الحوار. ومن هنا اكتسبنا المصداقية والاحترام، وهما رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية.
وعندما أقارن تلك المرحلة بما يعيشه الإعلام اليوم، أشعر بأن مساحة حرية التعبير أصبحت أضيق مما كانت عليه، حتى في الولايات المتحدة. فمع اتساع نفوذ منصات التواصل الاجتماعي، باتت كثير من الآراء تُقيَّد أو تُحجب أو تُزال، وأصبح المشهد الإعلامي أكثر استقطابًا وتسييسًا، وهو ما أراه تطورًا مؤسفًا يطرح تساؤلات حقيقية حول مستقبل حرية الصحافة في العالم.
س :التليفزيون العربي الأمريكي لم ينجح فقط في جذب المشاهدين والمعلنين، بل أصبح أيضًا محطة انطلاق لعدد من مقدمي البرامج والإعلاميين.. كيف استطعتم استقطاب هذه الكفاءات؟ وما المعايير التي كنتم تعتمدونها في اختيار فريق العمل؟
ج :مع نجاح التليفزيون العربي الأمريكي بدأ كثير من الإعلاميين ومقدمي البرامج يتواصلون معنا من تلقاء أنفسهم، لأنهم شعروا بأن هناك تجربة إعلامية مختلفة تستحق أن يكونوا جزءًا منها.
لم نكن نبحث عن الأسماء بقدر ما كنا نبحث عن الأشخاص الذين يؤمنون بالرسالة ويحملون الشغف والرغبة في تقديم إعلام يخدم الجالية العربية باحترافية.
أتذكر جيدًا أن الإعلامية منى إبراهيم كانت من أوائل المؤمنين بفكرة التليفزيون العربي الأمريكي. بعد أن شاهدت أحد برامجنا جاءت إليّ وقالت بكل حماس: «أريد أن أكون معكم، وأساهم في هذا المشروع». ولم تتردد لحظة، فانضمت إلى أسرة التليفزيون، وأصبحت شريكًا حقيقيًا في البدايات، حيث أسست معي ثاني برنامج يُقدَّم على شاشة القناة، لتكون من أوائل الإعلاميين الذين وضعوا بصمتهم في هذا المشروع منذ انطلاقته، وبعدها انضم الإعلامي مصطفى الديب، ثم بدأت الأسماء تتوافد تباعًا، حتى أصبح كل أسبوع تقريبًا يشهد انضمام وجه إعلامي جديد إلى أسرة التليفزيون العربي الأمريكي. عندها أدركت أن المشروع لم يعد مجرد فكرة أؤمن بها وحدي، بل أصبح حلمًا جماعيًا يلتف حوله إعلاميون رأوا فيه منصة تستحق أن تكون صوتًا للجالية العربية في الولايات المتحدة.
لم يكن معيارنا الشهرة أو الخبرة وحدهما، بل الالتزام والمصداقية والقدرة على احترام جميع الآراء والثقافات. كنا نمنح كل مقدم برنامج مساحة ليقدم شخصيته وأسلوبه، لكن تحت مظلة واحدة تقوم على المهنية واحترام المشاهد.
ومع مرور الوقت، لم يعد التليفزيون العربي الأمريكي مجرد شاشة تعرض البرامج، بل أصبح مدرسة إعلامية خرّجت عددًا من المذيعين والإعلاميين الذين اكتسبوا خبراتهم من خلال هذه التجربة، وساهموا في ترسيخ حضورها وانتشارها داخل الجالية العربية في الولايات المتحدة.
وأود هنا أن أوجه تحية تقدير وامتنان لكل من تطوّع وساهم في نجاح تجربة AATV، لأن هذا الإنجاز لم يكن يومًا إنجاز شخص واحد. فمن يعتقد أن الشاشة يصنعها مذيع أو مدير فقط، فهو لا يدرك حقيقة العمل الإعلامي. إنتاج أي برنامج تلفزيوني أو فيلم هو منظومة متكاملة وجهد جماعي يبدأ من أصغر تفصيلة خلف الكاميرا ولا ينتهي أمامها. كل فرد في الفريق كان شريكًا حقيقيًا في صناعة هذا النجاح، ولكل منهم القيمة والاحترام نفسيهما، مهما اختلفت الأدوار. نعم، قد يكون هناك قائد يقود السفينة، لكن الوصول إلى بر الأمان لا يتحقق إلا بتكاتف جميع أفراد الطاقم، وهذا هو السر الحقيقي الذي منح AATV القدرة على الاستمرار والتميّز.
س :مع صعود الاستثمارات الضخمة في الإعلام العربي، خصوصًا في السعودية، كيف تنظر إلى هذا التحول؟ وهل سبق أن تلقيت عروضًا مماثلة خلال تجربتك مع التليفزيون العربي الأمريكي؟
ج: عندما انطلق التليفزيون العربي الأمريكي، لم يكن الاستثمار في الإعلام العربي يُنظر إليه باعتباره قوة استراتيجية كما هو الحال اليوم. في تلك السنوات، كان كثيرون يتعاملون مع الإعلام بوصفه وسيلة لنقل الأخبار فقط، قبل أن تدرك دول عربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، أن الإعلام أصبح أحد أهم أدوات التأثير وصناعة الصورة وبناء القوة الناعمة، فبدأت تضخ استثمارات ضخمة لتطوير مؤسسات إعلامية قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.
خلال تلك المرحلة، كانت تربطني علاقات طيبة بعدد من المسؤولين السعوديين، من بينهم الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي أبدى تقديرًا واضحًا لتجربتنا الإعلامية، كما حظينا بدعم معنوي واحترام من عدد من السفراء السعوديين الذين كانوا يؤمنون بأهمية وجود إعلام عربي يخاطب الجاليات في الولايات المتحدة ويعكس صورتها الحقيقية.
ومع اتساع انتشار التليفزيون العربي الأمريكي، بدأت تصلني عروض مختلفة للتمويل والدخول في شراكات إعلامية. كانت عروضًا مغرية بكل المقاييس، لكنها كانت تثير لدي سؤالًا واحدًا: هل سيبقى القرار التحريري مستقلًا؟ كنت مؤمنًا بأن الإعلام يفقد قيمته في اللحظة التي يصبح فيها خاضعًا لأي تأثير خارجي، لذلك فضّلت أن أواصل العمل بإمكانات محدودة، على أن أتنازل عن حرية القرار أو استقلالية المنصة التي بنيتها منذ اليوم الأول.
وأتذكر جيدًا أن الراحل الشيخ صالح كامل عرض عليّ الانضمام إلى مشروع شبكة ART كشريك، وهي فرصة كان يتمناها كثيرون في ذلك الوقت، لكنني رأيت أن طبيعة الشراكة لا تتوافق مع رؤيتي ورسالة التليفزيون العربي الأمريكي، فاعتذرت عنها، رغم ما كانت تحمله من مكاسب مالية وفرص توسع كبيرة.
لقد تعلمت من هذه التجربة أن نجاح أي مؤسسة إعلامية لا يُقاس بحجم ميزانيتها وحدها، بل بقدرتها على كسب ثقة جمهورها. نحن لم نبنِ نجاحنا على الأموال، وإنما على فكرة واضحة ورسالة صادقة؛ أن يكون التليفزيون مساحة تجمع جميع أبناء الجاليات العربية، بمختلف دياناتهم وخلفياتهم، تحت مظلة اللغة والثقافة المشتركة، بعيدًا عن الاستقطاب والانقسام، ولهذا أؤمن حتى اليوم بأن المال يستطيع أن يشتري أحدث الاستوديوهات وأقوى التقنيات، لكنه لا يستطيع أن يشتري المصداقية. فهذه تُبنى عبر سنوات طويلة من الاستقلالية، والمهنية، واحترام عقل المشاهد، وهي القيم التي صنعت هوية التليفزيون العربي الأمريكي، وجعلته يحتفظ بمكانته وثقة جمهوره لسنوات طويلة.
س: هناك من يرى أنك لم تستطع مواكبة التطور التكنولوجي، وأن تجربة التليفزيون العربي لم تساير العصر الرقمي، كيف ترد على هذا الرأي؟ وكيف كانت آلية البث في ذلك الوقت؟
ج :أعترف في البداية أن جزءًا من هذا الرأي قد يبدو صحيحًا لمن ينظر إلى النتيجة النهائية فقط، لكن عندما نعود إلى تفاصيل التجربة سنكتشف أن الصورة مختلفة تمامًا. في الواقع، لم نكن متأخرين عن التكنولوجيا، بل سبقناها في أكثر من خطوة، وربما كان هذا هو التحدي الحقيقي. وكما ذكرت سابقًا، كنا من أوائل من أطلقوا موقعًا إلكترونيًا خاصًا بالتليفزيون العربي الأمريكي في وقت لم يكن معظم الناس يعرفون أصلًا معنى كلمة Website. استثمرنا مبالغ كبيرة في هذه التجربة، رغم أن الإنترنت آنذاك كان لا يزال في بداياته، وكانت تكلفة التشغيل مرتفعة للغاية. لكن المشكلة لم تكن في الفكرة، بل في التوقيت؛ فلم يكن هناك جمهور اعتاد متابعة المحتوى عبر الإنترنت، ولم تكن هذه الثقافة قد انتشرت بعد، لذلك لم تحقق التجربة العائد المأمول، واضطررنا إلى إيقافها رغم قناعتنا بأهميتها.
أما على مستوى البث التلفزيوني، فكانت التجربة مختلفة تمامًا عما هو متاح اليوم. لم تكن هناك منصات رقمية أو خدمات بث مباشر عبر الإنترنت، بل كنا نستأجر ساعات بث على محطات تلفزيونية أمريكية وندفع مقابلها، لنقدم برنامجًا عربيًا يوميًا يصل إلى المشاهدين عبر القنوات المحلية، وفي ذلك الوقت كانت الساحة التلفزيونية الأمريكية تهيمن عليها ثلاث شبكات كبرى فقط، لذلك كان ظهور برنامج باللغة العربية على شاشة أمريكية حدثًا استثنائيًا وغير مألوف. كثير من الأمريكيين كانوا يتوقفون بدهشة عندما ينتقلون بين القنوات ويجدون فجأة برنامجًا عربيًا يُبث من قلب الولايات المتحدة، وهو أمر لم يكن معتادًا في تلك المرحلة، لقد تعلمت من هذه التجربة درسًا مهمًا، وهو أن النجاح لا يعتمد على جودة الفكرة وحدها، بل على توقيت طرحها أيضًا. فقد تمتلك فكرة عظيمة، لكنها تصل قبل أن يكون الجمهور مستعدًا لاستيعابها، فتبدو وكأنها فشلت، بينما هي في الحقيقة كانت سابقة لعصرها. وهذا ما حدث مع عدد من مشروعاتنا؛ لم تكن المشكلة أننا تأخرنا عن التطور، بل ربما كنا نسير أمامه بخطوات.
س: كيف ترى الفارق بين أسلوب إدارة السياسة في الدول العربية مقارنة بالدول الأوروبية والولايات المتحدة؟
ج: أرى أن الفارق لا يكمن في الإمكانات أو الموارد، فالعالم العربي يمتلك من المقومات ما يؤهله ليكون في موقع مختلف تمامًا، لكن القضية الحقيقية تكمن في طريقة إدارة السياسة وصناعة القرار.
في كثير من التجارب العربية، كان الحفاظ على السلطة يتقدم على حساب مصالح الشعوب، بينما تقوم الأنظمة في أوروبا والولايات المتحدة، بدرجات متفاوتة، على مؤسسات تسعى إلى حماية المصالح الوطنية بوصفها أولوية دائمة، بغضّ النظر عن تغير الحكومات أو الأشخاص. ومن هذا المنطلق، كنت أعتقد دائمًا أن أي مفاوضات، سواء مع إسرائيل أو مع أي طرف آخر، لا يمكن أن تحقق نتائج حقيقية إذا لم يكن المفاوض يحمل مصلحة وطنه وشعبه فوق أي اعتبار آخر. فالمفاوض الذي يفتقد رؤية واضحة أو لا يستند إلى هدف وطني محدد، يصعب عليه انتزاع مكاسب حقيقية على طاولة التفاوض.
وفي المقابل، كنت أرى أن الجانب الإسرائيلي يدخل أي مفاوضات وهو يتحرك وفق رؤية تعتبر مصلحة دولته خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه، بينما افتقد الموقف العربي، في كثير من المحطات، إلى وحدة الرؤية وتنسيق الأهداف، وهو ما انعكس في النهاية على نتائج العديد من الملفات والقضايا السياسية.
س: بعد كل هذا التطور التكنولوجي، هل ترى أن الإعلام ما زال قادرًا على استعادة توازنه، أم أن الأمر أصبح أكثر صعوبة في أمريكا والعالم العربي؟
ج: من وجهة نظري، الثورة التكنولوجية أعادت تشكيل المشهد الإعلامي بالكامل، لكنها لم تُنهِ معركة التأثير على الرأي العام، بل غيّرت أدواتها فقط. في الماضي كان الحديث يدور حول الرقابة المباشرة أو التعتيم التقليدي، أما اليوم فأصبحت الخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي هي اللاعب الأبرز، فهي قادرة على دفع محتوى معين إلى الواجهة، أو تقليل انتشار محتوى آخر، دون الحاجة إلى منع صريح أو رقابة واضحة. وأرى أن هذا ما جعل المشهد الإعلامي أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، لأن التأثير أصبح يُمارس بطريقة غير مرئية بالنسبة لمعظم الناس. كثيرون يظنون أنهم يشاهدون المحتوى بحرية كاملة، بينما ما يصل إليهم في كثير من الأحيان تحكمه خوارزميات وآليات لا يرونها، ومع ذلك، لا أعتقد أن الصورة قاتمة بالكامل. فما زالت المنصات الرقمية، رغم كل ما يحيط بها من تحديات، تتيح أحيانًا مساحة لظهور آراء مختلفة وأصوات جديدة، سواء بحكم طبيعة هذه المنصات أو لأن السيطرة الكاملة على تدفق المعلومات لم تعد ممكنة كما كانت في الماضي.
وفي النهاية، أؤمن بأن مستقبل الإعلام سيظل مرتبطًا بقدرة المؤسسات الإعلامية على التكيف مع هذه التحولات دون أن تتخلى عن مهنيتها ومصداقيتها. فالتكنولوجيا، مهما تطورت، تبقى مجرد أداة، أما المحتوى الصادق والمهني فهو الذي يملك القدرة الحقيقية على البقاء وصناعة التأثير.
س: في ظل هذا الواقع، ما الدور الذي يجب أن يقوم به الإعلاميون والصحفيون العرب الأمريكيون؟
ج: أعتقد أولًا أننا بحاجة إلى إعادة النظر حتى في طريقة تعريفنا لأنفسنا. أنا شخصيًا لا أحب وصف “عرب أمريكيين”، لأننا في النهاية أمريكيون من أصول عربية، وهذا البلد هو وطننا، ومن يحب وطنه يجب أن يكون صادقًا معه، وأن يقول الحقيقة مهما كانت، لا أن يجامل أو يخشى الضغوط.
من وجهة نظري، وظيفة الإعلامي لا تنتهي عند نقل الخبر، بل تبدأ من هناك. مسؤوليتنا أن نصحح المسار عندما ينحرف، وأن نحافظ على التوازن في الخطاب العام، وأن نمنح الناس الحقائق كما هي، بعيدًا عن المبالغة أو التحريض أو الانحياز.
أؤمن أن الكلمة الصادقة يمكن أن تحمي المجتمع من الانقسام، وأن الإعلام المهني قادر على أن يمنع تكرار الأخطاء التي رأيناها في أماكن كثيرة حول العالم. لذلك أرى أن الصحفي الإعلامي الحقيقي ليس من يلهث وراء الإثارة، بل من يدافع عن الحقيقة، ويضع مصلحة المجتمع فوق أي اعتبارات أخرى.
س: وهل تعتقد أن هناك من يستمع إلى هذا الصوت؟
ج: بالتأكيد، وأنا على يقين من ذلك. قد يبدو أحيانًا أن الصوت الأعلى هو الذي يسيطر على المشهد، لكن الحقيقة مختلفة. هناك أعداد كبيرة من الأمريكيين يمتلكون رؤية ناقدة لما يجري، ويعبرون عنها بوضوح في الجامعات، وفي الأوساط الأكاديمية، وفي الشارع، ومن خلال وسائل الإعلام والمنصات المختلفة.
أنا مؤمن بأن الحقيقة قد تتعرض للتشويش أو التهميش لفترة، لكنها لا تختفي. ربما لا يكون الطريق سهلًا، وربما يواجه من يدافع عنها الكثير من الضغوط، لكن في النهاية هناك دائمًا من يبحث عن الحقيقة ويستمع إليها. لهذا السبب لا أفقد الأمل، وأعتقد أن الكلمة الصادقة ما زالت قادرة على الوصول إلى الناس، وأن الوعي الحقيقي لا يزال حاضرًا، حتى وسط كل التحديات التي يشهدها المشهد الإعلامي والسياسي اليوم.
س: إلى جانب التليفزيون العربي الأمريكي، أطلقت أيضًا مجلة تحمل الاسم نفسه. كيف جاءت الفكرة؟ وما الذي كانت تمثله بالنسبة لك؟
ج: لم أنظر يومًا إلى التليفزيون باعتباره الوسيلة الوحيدة للتواصل مع الجمهور، بل كنت مؤمنًا بأن الإعلام الحقيقي يقوم على التكامل بين جميع وسائله. كنت أرى أن الصحافة والإذاعة والتليفزيون، ثم لاحقًا الإنترنت، ليست وسائل تتنافس فيما بينها، وإنما أدوات تتعاون لتوصيل الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من الناس، ولكل منها جمهوره وتأثيره الخاص.
من هذا الإيمان وُلدت فكرة مجلة التليفزيون العربي الأمريكي، لتكون امتدادًا طبيعيًا للمشروع الإعلامي، ومنبرًا يُكمل ما نقدمه على الشاشة. أردتها مساحة تمنح القارئ فرصة للتعمق في القضايا التي لا يتسع لها وقت البث التلفزيوني، وتوثق ما نقدمه ليبقى بين يدي القارئ.
كانت المجلة تصدر شهريًا بانتظام، واستمرت لأكثر من ثلاث سنوات، ونجحت في أن تحجز لنفسها مكانة مميزة داخل الجالية العربية. وحرصت من خلالها على تقديم محتوى ثري ومتنوع، شارك في صناعته نخبة من الكُتّاب والإعلاميين، وضم حوارات حصرية، وملفات سياسية وثقافية، وتغطيات فنية واجتماعية، إلى جانب الإعلانات والخدمات التي تهم أبناء الجالية.
في النهاية، لم تكن المجلة بالنسبة لي مجرد إصدار مطبوع، بل كانت ضلعًا أساسيًا في مشروع إعلامي متكامل، هدفه أن يصل إلى الجمهور بكل الوسائل الممكنة، وأن يعزز حضور ورسالة التليفزيون العربي الأمريكي داخل المجتمع العربي في الولايات المتحدة.
س :لم يقتصر دور التليفزيون العربي الأمريكي على البث التلفزيوني فقط، بل تحول إلى مؤسسة إعلامية متكاملة. ما أبرز الأنشطة والفعاليات التي قدمتموها؟
ج :لم يكن هدفي أن يظل التليفزيون العربي الأمريكي مجرد نافذة تلفزيونية تبث البرامج، بل كنت أطمح إلى بناء مؤسسة إعلامية متكاملة تُصبح جزءًا من حياة الجالية العربية في الولايات المتحدة، ومنصة تجمعها ثقافيًا واجتماعيًا وإعلاميًا. لذلك حرصنا منذ اليوم الأول على أن تتجاوز رسالتنا حدود الشاشة، وأن نكون حاضرين في كل ما يهم أبناء الجالية، قدمنا باقة متنوعة من البرامج السياسية والاجتماعية والثقافية، وتابعنا القضايا التي تشغل العرب في أمريكا، مع نقل الأخبار والتطورات المهمة بصورة مهنية، إلى جانب استضافة شخصيات بارزة من مختلف أنحاء العالم. وخلال سنوات العمل أجرينا لقاءات حصرية مع رؤساء ومسؤولين ومفكرين وفنانين ورموز ثقافية واجتماعية، وهو ما منح التليفزيون مكانة خاصة وجعله مصدرًا يحظى بالثقة والاهتمام.
ولأنني كنت أؤمن بأن الإعلام لا يعيش داخل الاستوديو فقط، نظمنا سنويًا أكثر من خمس حفلات وفعاليات كبرى، استضفنا خلالها كبار نجوم الغناء والفن، إلى جانب شخصيات ثقافية وفكرية وسياسية ورجال أعمال ووجوه بارزة من المجتمعين المصري والأمريكي، بل وضيوفًا من مختلف دول العالم. وكانت هذه المناسبات تتحول إلى ملتقيات حقيقية تجمع الإعلام بالفن والثقافة، وتعزز التواصل بين أبناء الجالية في أجواء من التقارب والانفتاح.
كما حرصنا في كل احتفالية على تقديم جوائز ودروع تكريمية لأفضل نجم وأفضل نجمة خلال العام، إلى جانب تكريم الشخصيات الأكثر تميزًا وإنجازًا كلٌّ في مجاله، سواء في الفن أو الإعلام أو الثقافة أو العمل المجتمعي. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الجوائز تحظى بمكانة كبيرة، حتى إن كثيرين كانوا ينتظرون إعلانها من عام إلى آخر، وتحولت إلى واحدة من أبرز الفعاليات التي ارتبط اسمها بالتليفزيون العربي الأمريكي.
س :في ظل الجدل المتكرر حول النفوذ والتأثير داخل المؤسسات الإعلامية، كيف يمكن مناقشة هذه القضية بموضوعية من دون الخلط بين اليهودية كدين والصهيونية كأيديولوجيا سياسية؟
ج: أعتقد أن أول ما يجب التأكيد عليه هو ضرورة التفريق بين اليهودية كدين، وبين الصهيونية كأيديولوجيا ومشروع سياسي. فالخلط بين الاثنين يؤدي إلى أحكام غير دقيقة، لأن هناك كثيرًا من اليهود، خاصة في الولايات المتحدة، يعارضون الصهيونية وينتقدون سياساتها بشكل واضح. لذلك، عندما نتحدث عن النفوذ داخل المؤسسات الإعلامية، ينبغي أن يكون النقاش قائمًا على الحقائق والأدلة، لا على الانتماءات الدينية أو التعميم على جماعة بأكملها. فالمؤسسات الإعلامية، كغيرها من المؤسسات الكبرى، تتأثر بعوامل متعددة، مثل المصالح الاقتصادية، والسياسات التحريرية، ومراكز النفوذ، ولا يمكن اختزال هذا المشهد المعقد في دين أو عِرق معين.
من وجهة نظري، يجب أن يكون النقد موجهًا إلى السياسات أو الممارسات التي تستحق النقد، وليس إلى أتباع ديانة بعينها. فالموضوعية تقتضي أن نفرق دائمًا بين الدين، وبين المواقف السياسية أو الفكرية، لأن التعميم لا يخدم الحقيقة، بل يبتعد عنها.
س :شكّل بثكم لمشاهد حقيقية من حرب الخليج لحظة فارقة في تاريخ التليفزيون العربي الأمريكي، بعدما عرضتم صورًا لم يكن الجمهور الأمريكي يشاهدها على شاشاته. كيف بدأت القصة؟ وما الثمن الذي دفعتموه بعد هذه الواقعة التي أثارت جدلًا واسعًا؟
ج :في تلك المرحلة، كنا نعمل في مناخ إعلامي مختلف تمامًا. خلال الثمانينيات وحتى أوائل التسعينيات، كان البث المباشر يتم دون أنظمة Delay أو تأخير زمني، فكل ما يحدث داخل الاستوديو كان يصل إلى المشاهد في اللحظة نفسها، وهو ما منح برامجنا قدرًا كبيرًا من المصداقية والعفوية، في أجواء من الحرية الكاملة.
لكن المنعطف الحقيقي جاء مع حرب الخليج الأولى. وقتها كانت معظم وسائل الإعلام الأمريكية تقدم صورة تركز على أن العمليات العسكرية تستهدف مواقع عسكرية فقط، بينما كان الوصول إلى ما يجري داخل العراق محدودًا للغاية بالنسبة للصحفيين.
“مع اندلاع حرب الخليج، أصبحت السعودية مركزًا لتجمع مئات الصحفيين ووسائل الإعلام العالمية، لأن قوات التحالف كانت تنطلق من أراضيها. لكن رغم هذا الحضور الإعلامي الضخم، لم تكن حرية الحركة متاحة كما يعتقد كثيرون. كان أغلب الصحفيين يعملون وفق نظام (Media Pool)، أي ضمن مجموعات يرافقها الجيش، وكانت تحركاتهم وتصويرهم يخضعان لضوابط عسكرية صارمة، لذلك كان معظم ما يصل إلى الشاشات يأتي من المؤتمرات العسكرية أو الجولات المنظمة، وليس من قلب ساحة المعركة. وفي المقابل، كان الوصول إلى داخل العراق شبه مستحيل، ولهذا كانت الرواية القادمة من الجانب العراقي نادرة جدًا.
وقبل دقائق من انطلاق إحدى الحلقات، كنت أتابع وكالات الأنباء العالمية مثل Reuters، فإذا بها تبث مشاهد صادمة من داخل العراق: أطفال قتلى، ونساء يصرخن، ومبانٍ مدمرة. كانت صورًا إنسانية قاسية لم يشاهدها الجمهور الأمريكي عبر القنوات المحلية.
لم يكن لدينا وقت لإجراء أي مونتاج، فقلت لفريق العمل: “اعرضوا اللقطات كما هي… واكتبوا فقط: Today in Iraq.” وهكذا خرجت الصور والفيديوهات على الهواء مباشرة.
ولهذا السبب، عندما حصلنا على مشاهد حقيقية من داخل العراق وعرضناها على شاشة التليفزيون العربي الأمريكي، أحدثت صدمة كبيرة، لأنها أظهرت جانبًا من الحرب لم يكن الجمهور العربي والأمريكي معتادًا على رؤيت.
في صباح اليوم التالي، فوجئت بعشرات سيارات القنوات الأمريكية، من بينها ABC وNBC و CBS تقف أمام مكتبي. كان السؤال الذي تكرر من الجميع: من أين حصلتم على هذه اللقطات؟ وهل لديكم اتصال مباشر بصدام حسين؟
ابتسمت وأجبتهم بأن هذه المواد ليست سرًا، بل هي موجودة بالفعل لدى وكالات الأنباء العالمية، لكن الفرق أن البعض اختار ألا يعرضها. المشكلة لم تكن في غياب الحقيقة، بل في ما يختاره الإعلام أن يقدمه للجمهور وما يقرر حجبه عنه.
وخلال أيام، تحولت الواقعة إلى قضية رأي عام داخل الولايات المتحدة. أصبحت ضيفًا على برامج حوارية ومناظرات سياسية في عدد من الشبكات الأمريكية، ولم يعد الحديث يدور حول التليفزيون العربي الأمريكي فقط، بل امتد إلى نقاش أوسع حول حرية الصحافة، وحدود نقل الحقيقة، ودور الإعلام في تشكيل الرأي العام.
لكن لكل نجاح ثمن. فبعد أسبوع واحد فقط، وعندما ذهبت لتسليم الحلقة التالية، أبلغتني إدارة البث بسياسة جديدة تُلزمنا بتسليم البرنامج قبل يومين من موعد إذاعته، وهو شرط يستحيل تطبيقه على برنامج إخباري يعتمد على تطورات الأحداث لحظة بلحظة. أدركت حينها أن القرار لم يكن مجرد إجراء إداري، بل وسيلة لإبعادنا عن الشاشة وإنهاء تأثيرنا.
ثم تدخل عدد من الشخصيات البارزة للدفاع عن استمرار البرنامج، من بينهم الإعلامي الشهير كيسي كيسم Casey Kasem، والمخرج العالمي الراحل مصطفى العقاد مخرج ومنتج ألأفلام ألأمريكية من أصل سوري الجنسية، إلى جانب رئيس شركة أوكسيدنتال بتروليوم، وجميعهم كانوا أعضاء في مجلس إدارة التليفزيون العربي الامريكي. حاولوا التدخل، مؤكدين أن إيقاف البرنامج ليس الحل.
وبالفعل، تقرر إعادتنا إلى الشاشة، لكن بشروط جديدة أيضاً؛ إذ أصبح لزامًا علينا تسليم شريط الحلقة قبل موعد البث بساعتين، حتى تتم مراجعته وإجراء أي تعديلات تراها الإدارة مناسبة قبل خروجه على الهواء. بهذه الخطوة انتهت مرحلة البث الحر بالكامل، وبدأت مرحلة الرقابة المسبقة على المحتوى.
هذه التجربة رسخت لدي قناعة لا تزال ترافقني حتى اليوم:
أن الصورة الصادقة تمتلك قوة هائلة في التأثير على الرأي العام، لكنها قد تكون مكلفة لمن يقرر عرضها. لذلك أقول دائمًا إننا عشنا مرحلة ربما كانت الأخيرة التي شهدت هامشًا واسعًا من حرية الصحافة والإعلام، قبل أن تتغير قواعد اللعبة الإعلامية، وتصبح السيطرة على ما يصل إلى الجمهور أكثر تعقيدًا، وإن اختلفت أدواتها.
س :بعد كل هذا النجاح، لماذا اتخذت قرار إنهاء تجربة التليفزيون العربي الأمريكي؟
ج :لم يكن إنهاء تجربة التليفزيون العربي الأمريكي قرارًا سهلًا، خاصة بعد سنوات طويلة من النجاح والانتشار. لكنني شعرت أن البيئة الإعلامية تغيّرت جذريًا، ولم تعد تشبه تلك التي بدأنا فيها. المساحة التي كنا نتمتع بها للتعبير بحرية أخذت تضيق تدريجيًا، وأصبح كل ما يُقال أو يُنشر يخضع لحسابات وتعقيدات لم تكن موجودة من قبل.
في البدايات، كان همّنا الأول أن ننقل الحقيقة كما نراها، وأن نمنح مختلف الآراء فرصة للوصول إلى الجمهور. أما مع مرور الوقت، فقد أصبح العمل الإعلامي أكثر تعقيدًا، وباتت هناك اعتبارات وضغوط تؤثر في طبيعة المحتوى ومساحة التعبير.
ولهذا أعتقد أن مفهوم حرية الصحافة والإعلام، بالشكل الذي عرفناه وعشناه في الماضي، لم يعد قائمًا كما كان، بل أصبح المشهد الإعلامي في العالم كله مختلفًا، وتبدلت قواعد اللعبة، وأصبح الإعلام يعمل في واقع جديد يفرض تحديات لم تكن موجودة قبل عقود.
س :بعد إغلاق صفحة التليفزيون العربي الأمريكي، ما المشروع الذي اتجهت إليه فيما بعد؟
ج :لم يكن انتهاء تجربة التليفزيون العربي الأمريكي نهاية لرسالتي الإعلامية، بل بداية لمرحلة جديدة تحمل الهدف نفسه بــروح مخـتــلــفــة. ففــي الوقت نفسه أطلقـت مشروع Orthodox Christianity، لكنه لم يكن مشروعًا دينيًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما كان مشروعًا مجتمعيًا يسعى إلى بناء جسور التواصل بين أبناء الكنائس الأرثوذكسية المختلفة في الولايات المتحدة.
كنت أؤمن بأن الأرثوذكس يشكلون واحدة من أكبر الجاليات العربية والشرق أوسطية في أمريكا، وأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم.
لذلك جاءت الفكرة لتكون منصة تُعزز روح الوحدة والتعاون، وتفتح المجال أمام العمل المشترك وخدمة المجتمع، بعيدًا عن اي خلافات.
فبالنسبة لي، كانت قوة أي جالية تبدأ من قدرتها على التكاتف، وعندما تتوحد جهودها تصبح أكثر حضورًا وتأثيرًا داخل المجتمع الأمريكي.
س: عندما تقول “الأرثوذكس”، هل تقصد الجالية القبطية فقط؟
ج: لا، على الإطلاق. عندما تحدثت عن مشروع الوحدة الأرثوذكسية، لم يكن المقصود الكنيسة القبطية وحدها، بل كنت أنظر إلى جميع الكنائس الأرثوذكسية بمختلف انتماءاتها، من اليونانية، والروسية، والأرمنية، والصربية، وغيرها. كنت أرى أن هذه الكنائس، رغم تنوعها، تشترك في جذور إيمانية وتاريخية واحدة، وأن توحيد جهودها يمكن أن يصنع قوة مجتمعية مؤثرة داخل الولايات المتحدة.
لكن مع اقترابي من الواقع، اكتشفت أن العقبة الحقيقية لم تكن في قلة الأعداد، بل في غياب العمل المشترك. فقد كانت كل كنيسة تتحرك في إطارها الخاص، بل إن بعض الكنائس كانت تواجه تحديات داخلية أيضًا، وهو ما جعل فكرة جمع الجميع تحت مظلة واحدة أكثر تعقيدًا مما كنت أتوقع.
ورغم أن المشروع لم يحقق الصورة التي حلمت بها، فإن إيماني بالفكرة لم يتغير. فما زلت أؤمن بأن الوحدة قادرة على صناعة تأثير حقيقي، وأن أي مجتمع يمتلك هذا القدر من التنوع يمكن أن يصبح أكثر قوة عندما يجتمع حول أهداف مشتركة.
س: بعد هذه الرحلة الطويلة في الإعلام وريادة الأعمال، ما الذي يشغل وحيد بقطر اليوم؟ وما هي طموحاته خلال المرحلة المقبلة؟
ج: لم تتوقف رحلتي عند الإعلام، ولم أؤمن يومًا بأن النجاح له محطة أخيرة. فما زلت أبحث عن كل فكرة جديدة يمكن أن تصنع قيمة حقيقية للبشرية. اليوم أدير شركة متخصصة في التأمين والتسويق، كما أعمل على تطوير منصة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لمساعدة الأطباء على تنمية أعمالهم، وزيادة كفاءة إدارتهم، وتحسين خدماتهم، إلى جانب التعاون مع وكلاء Medicare لتقديم حلول تحقق فائدة للطبيب والمريض في آن واحد.
أؤمن أن الإعلامي الحقيقي لا يعيش على أمجاد الماضي، بل يعيد اكتشاف نفسه باستمرار. فالعالم يتغير بسرعة، ومن يتوقف عن التعلم والتطور يفقد قدرته على التأثير. لذلك حرصت طوال مسيرتي على أن أواكب كل مرحلة، وأن أبحث دائمًا عن آفاق جديدة، سواء في الإعلام أو التكنولوجيا أو ريادة الأعمال.
لكن طموحي الحقيقي اليوم لا يرتبط بمشروع شخصي بقدر ما يرتبط بصناعة جيل جديد من الإعلاميين العرب الأمريكيين. فعدد الإعلاميين المؤثرين في لوس أنجلوس لا يزال محدودًا، وهذا يجعل مسؤوليتنا أكبر. نحن في حاجة إلى إعلام قوي يقوم على التعاون وتبادل الخبرات، لا على الصراعات الشخصية أو المنافسات التي تستنزف الجميع.
ولا أخفي أنني مررت خلال مسيرتي بتجارب مؤلمة، شعرت فيها أن بعض العاملين في الوسط الإعلامي وقفوا ضدي، رغم أنني كنت حريصًا على دعمهم وفتح الأبواب أمامهم. لكن هذه التجارب لم تغيّر قناعتي، بل زادتني إيمانًا بأن النجاح الحقيقي لا يُبنى بإقصاء الآخرين، وإنما بالعمل الجاد، والاستمرار، وترك الإنجاز يتحدث عن صاحبه.
رسـالتي الــيــــوم بســيــطــة وواضحة: دعونا نجلس إلى مائدة واحدة، ونتعاون من أجل بناء إعلام عربي أمريكي أكثر قوة وتأثيرًا، إعلام يخدم مجتمعنا، ويعكس صورته الحقيقية، ويرفع مكانة أبنائه. فنحن نحمل هويتنا العربية بكل فخر، وفي الوقت نفسه ننتمي إلى المجتمع الأمريكي ونشارك في بنائه ونجاحه. وأتمنى أن يكون المستقبل قائمًا على الشراكة والوحدة، لأن البلاد لا تتقدم بالانقسام، وإنما بالتكاتف والعمل المشترك.
س: في ختام هذا اللقاء.. كيف ترى تجربة جريدة كاريزما؟ وهل ما زال للصحافة الورقية مكان في ظل الثورة التكنولوجية والسوشيال ميديا؟
ج :أعتقد أن الصحافة الورقية لم تعد تحتل المكانة نفسها التي كانت تتمتع بها قبل سنوات، فالعالم تغيّر، وعادات القراءة تغيرت، وأصبح الجمهور يبحث عن المعلومة السريعة والمحتوى البصري الجذاب. لكن جريدة كاريزما استطاعت أن تكسر هذه القاعدة، لأنها لم تتعامل مع نفسها باعتبارها مجرد صحيفة مطبوعة، بل كمشروع إعلامي متكامل يجمع بين المطبوع والرقمي.
ما لفت انتباهي فيها هو الاهتمام الكبير بالإخراج الصحفي، وجودة التصميم، وحسن اختيار الصور والألوان والعناوين، إلى جانب تقديم المادة التحريرية المهمه والمفيدة، بأسلوب عصري ومشوق يناسب القارئ الحالي، الذي لم يعد يمتلك الوقت أو الرغبة لقراءة نصوص طويلة وتقليدية. هذه المعادلة ليست سهلة، لكنها أحد أسباب نجاح كاريزما واستمرارها.
كما أن حضورها القوي على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب موقعها الإلكتروني، منحها بعدًا جديدًا، فلم تعد صحيفة ورقية تُوزَّع فقط، بل أصبحت منصة إعلامية تصل إلى جمهور واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها. وهذا هو النموذج الذي أؤمن به في الإعلام الحديث؛ أن تتكامل الوسائل المختلفة بدلًا من أن تتنافس فيما بينها.
التكنولوجيا بلا شك غيّرت قواعد اللعبة. ففي الماضي كان إنتاج المحتوى الإعلامي يحتاج إلى إمكانات ضخمة، أما اليوم فقد أصبحت الأدوات أكثر سهولة، لكن المنافسة أصبحت أشد وأقسى. ومن يعرف كيف يوظف التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي بذكاء، يستطيع أن يضاعف تأثيره ويصل إلى جمهور أكبر بكثير مما كان ممكنًا في السابق.
وأرى أن كاريزما تسير في هذا الاتجاه باحترافية، ولذلك أتمنى لها مزيدًا من النجاح والاستمرار. فالإعلاميون العرب الأمريكيون الذين يمتلكون مشروعًا إعلاميًا مؤثرًا ورؤية واضحة في لوس أنجلوس ليسوا كثيرين، وربما لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، وأنت واحد من أبرزهم يا وائل، لكن الأهم من الأسماء هو أن نتكاتف وندعم بعضنا البعض، لأن قوة الإعلام العربي في المهجر لن تتحقق بالمنافسة الهدامة، بل بالتعاون وتبادل الخبرات، فكلما توحدت جهودنا، أصبح صوتنا أكثر حضورًا وتأثيرًا.
وفي ختام هذا الحوار، وجّه الإعلامي والأستاذ الكبير وحيد بقطر رسالة حملت الكثير من الأمل والثقة بالمستقبل، قائلاً:
إذا كنا قد نجحنا قبل أكثر من أربعة عقود في تأسيس أول تجربة للتليفزيون العربي الأمريكي بإمكانات محدودة، فما الذي يمنعنا اليوم من أن نبدأ مشروعًا إعلاميًا عربيًا جديدًا ينطلق من هنا، من كاليفورنيا، ويواكب روح هذا العصر؟
نحن نعيش زمن الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو زمن يفتح أبوابًا لم تكن متاحة من قبل.
أحلم بمؤسسة إعلامية حديثة تجمع تحت سقفها كل من يرى في نفسه إعلاميًا أو صحفيًا حقيقيًا؛ صاحب ثقافة ورسالة، يؤمن بالمهنية ويحترم عقل الجمهور، ويتبنى فكرة صناعة إعلام مستقل يليق بجالياتنا المصرية والعربية في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم. نحتاج إلى رؤية جديدة، وأسلوب عصري، وفكر مختلف، يقوده شباب يمتلكون الإصرار والطموح والثقة، ويؤمنون بأن الإعلام ليس مجرد مهنة، بل مسؤولية ورسالة وصناعة للمستقبل.
لقد أنجزنا المستحيل بالأمس، وأؤمن أن الجيل الجديد قادر على صناعة إنجاز أكبر اليوم… إذا وجد الفكرة الصادقة، والقيادة التي تؤمن به، والإرادة التي لا تعرف المستحيل.



