أخطر ما تفعله بنا النعمة أنها، حين تطول إقامتها في حياتنا، تتحول في أعيننا إلى شيء عادي… فننسى أن وجودها استثناء يستحق الشكر
استيقظ رجلٌ ذات صباح، ومدَّ يده كعادته إلى مفتاح المصباح، فلم يأتِ الضوء. نهض متثاقلًا، وفتح صنبور المياه ليغسل وجهه، فلم تسقط منه قطرة واحدة. أمسك هاتفه ليطمئن إلى أسرته، فاكتشف أن بطاريته قد نفدت، وأن انقطاع الكهرباء عطّل شبكة الاتصال. اقترب من النافذة، فرأى الشارع ساكنًا على غير عادته، والمصاعد متوقفة، والمتاجر مغلقة، والوجوه قلقة.
في دقائق قليلة، تحولت أشياء لم يكن يلتفت إليها بالأمس إلى أمنيات كبيرة: ضوء يملأ الغرفة، وماء يجري من الصنبور، وصوت قريب يجيبه من الطرف الآخر، ومصعد يحمله إلى الشارع، ومتجر يفتح أبوابه ليشتري منه احتياجاته.
جلس الرجل في الظلام، وفهم متأخرًا أن حياته لم تكن عادية كما كان يظن، بل كانت مزدحمة بالنِّعم؛ لكنه اعتادها حتى أصبحت غير مرئية.
هذه ليست حكاية رجل واحد، بل حكايتنا جميعًا.
نحن نعيش محاطين بأشياء نعدّها مضمونة، وكأنها وُقّعت لنا بعقد أبدي: صحة الجسد، ودفء البيت، ووجود الوالدين، وضحكة الأبناء، ويد الزوج أو الزوجة، وصديق يجيب حين نتصل، وعين ترى، وقدم تمشي، وقلب ينبض من دون أن نطلب منه ذلك.
نستيقظ كل صباح فننهض من فراشنا من دون مساعدة، لكننا لا نحتفل بهذه القدرة. نتناول طعامنا من دون ألم، ونتنفس من دون أجهزة، ونعود إلى بيوتنا فنجد من يسألنا: «كيف كان يومك؟» ومع ذلك، قد نمر أمام كل هذه الهدايا ببرود، كأنها تفاصيل صغيرة لا تستحق الانتباه.
إنها الأشياء التي نصفها بالإنجليزية بأنها Taken for granted؛ أي الأشياء التي نتعامل معها باعتبارها أمرًا مُسلَّمًا به، مضمونًا ودائمًا. والمشكلة ليست في الاعتياد وحده، بل في أن الاعتياد قد يسرق منّا الدهشة، ثم يسرق الامتنان، وبعد ذلك يجعلنا لا نعرف قيمة ما نملك إلا عندما نفقده.
كم من شخصٍ كان يضيق بصوت أبيه ونصائحه، ثم صار بعد رحيله يتمنى لو يسمع منه عتابًا واحدًا؟ وكم من إنسان كان يتذمر من ضوضاء أطفاله، ثم اكتشف، عندما غادروا البيت، أن الصمت قد يكون أكثر إيلامًا من الضجيج؟ وكم من شخص أهمل صحته سنوات طويلة، ثم أصبح مستعدًا لأن يدفع كل ما يملك مقابل يوم واحد بلا ألم؟
نحن لا نفتقد الأشياء حين ترحل فقط؛ بل نكتشف عند رحيلها أننا لم نعشها حقًا وهي بين أيدينا.
العجيب أن الإنسان يستطيع أن يرى ما ينقصه بوضوح شديد، لكنه كثيرًا ما يعجز عن رؤية ما يملكه. ينظر إلى بيت غيره وينسى سقفه، وإلى نجاح غيره وينسى خطواته، وإلى حياة تبدو أجمل على شاشة الهاتف، فيغفل عن وجوه حقيقية تجلس إلى جواره وتنتظر منه كلمة طيبة أو لحظة اهتمام.
لقد جعلتنا سرعة الحياة نؤجل الامتنان. نقول: سنجلس مع والدينا عندما نجد وقتًا، وسنلعب مع أبنائنا بعد انتهاء العمل، وسنعتذر غدًا، وسنقول «أحبك» في مناسبة قادمة، وسنعتني بصحتنا بعد إنجاز هذا المشروع. لكن الحياة لا تقدم لأحد ضمانًا بأن «غدًا» سيأتي بالشكل الذي يتوقعه.
وليس المقصود أن نعيش خائفين من الفقد، بل أن نعيش واعين بقيمة الحضور. أن نشرب كوب الماء وكأننا نتذكر أن ملايين البشر يبحثون عنه. أن نحتضن أبناءنا ونحن نعلم أن طفولتهم عابرة. أن نصغي إلى كبارنا قبل أن تتحول أصواتهم إلى ذكريات. أن نشكر من يحبوننا قبل أن يتعبوا من العطاء الصامت. وأن نعامل أجسادنا باحترام، لأنها تحملنا كل يوم من دون ضجيج.
الامتنان ليس عبارة جميلة ننشرها، بل طريقة مختلفة للنظر إلى الحياة. هو أن ترى الغنى في التفاصيل التي اعتادها الآخرون؛ في فنجان قهوة هادئ، ورسالة من صديق، وعودة آمنة إلى المنزل، وقدرة على النوم بلا وجع، وفي شخص ينتظر وصولك.
وقد لا نستطيع الاحتفاظ بكل شيء إلى الأبد، فهذه طبيعة الحياة، لكننا نستطيع ألا نفقد الأشياء مرتين: مرة حين نغفل عنها وهي معنا، ومرة حين ترحل من بين أيدينا.
قبل أن تنام الليلة، لا تفكر فقط فيما لم تحصل عليه، بل انظر حولك إلى ما لا يزال موجودًا. اتصل بمن تحب، واشكر من وقف إلى جوارك، واحتضن أبناءك، وتصالح مع جسدك، وارفع عينيك إلى السماء شاكرًا على يوم آخر مُنح لك.
فأجمل النِّعم ليست دائمًا تلك التي ننتظر وصولها… بل كثيرًا ما تكون هي الأشياء الموجودة بالفعل، التي تمر أمامنا كل يوم، بينما ننشغل بالبحث عنها في مكان آخر.
لا تنتظر أن تفقد النعمة حتى تراها… افتح عينيك الآن، فقد تكون محاطًا بما كنت ستتمنى يومًا أن تستعيده.