يوسف متى

رومانسية طبق العدس

بقلم/ يوسف متى

ذات‭ ‬شتاء‭ .. ‬هناك ف‭ ‬الركن‭ ‬البعيد‭ ‬الهادي عن‭ ‬السيده‭ ‬أنغام‭ ‬مطربة‭ ‬الرومانسيات وفِي‭ ‬ذاك‭ ‬المقعد‭ ‬الهزاز‭ ‬،‭ ‬جلست‭ ‬مسترخياً في‭ ‬كامل‭ ‬الاستحكامات‭ ‬الشتويه‭ ‬،‭ ‬بدئاً‭ ‬من‭ ‬غطاء‭ ‬الرأس‭ ‬حتي‭ ‬الشراب‭ ‬الصوفي‭ ‬الطويل مع‭ ‬قفاز‭ ‬اليد‭ ‬إمعاناً‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬الأطراف‭ ‬كاملة‭.‬

بهدؤ‭ ‬تسللت‭ ‬يدي‭ ‬لتزيح‭ ‬الستار‭ ‬عن‭ ‬النافذة‭ ‬كمن‭ ‬يزيح‭ ‬الستار‭ ‬عن‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح‭ ‬القومي‭ ‬لتبدأ‭ ‬احداث‭ ‬مسرحية‭ ‬بيجماليون‭ ‬للأديب‭ ‬الأيرلندي‭ ‬چورچ‭ ‬برنارد‭ ‬شو‭..‬فور‭ ‬انفراجة‭ ‬الستار‭ ‬عن‭ ‬المشهد‭ ‬بدت‭ ‬امامي‭ ‬بانوراما‭ ‬ساحره.

تابلوه‭ ‬رائع‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬محاكاته‭ ‬ريشة‭ ‬بيكاسو‭ ‬او‭ ‬فان‭ ‬جوخ‭ ‬ولاألوان‭ ‬دافنشى‭ ‬بكل‭ ‬تنوعها.

ها‭ ‬هي‭ ‬سماء‭ ‬رمادية‭ ‬ملبده‭ ‬بالغيوم،‭ ‬تدعوك‭ ‬الي‭ ‬اكتآب‭ ‬حاد‭ ‬تتوحد‭ ‬فيه‭ ‬مع‭ ‬ذاتك،‭ ‬شاعراً‭ ‬بالاحباط‭ ‬المر،‭ ‬أشجار‭ ‬وارفه‭ ‬تهزها‭ ‬الريح‭ ‬فتبدو‭ ‬كطير‭ ‬جريح‭ ‬يرقص‭ ‬احتضاراً،‭ ‬أوراق‭ ‬الشجر‭ ‬التي‭ ‬تشبثت‭ ‬بالبقاء‭ ‬في‭ ‬فروعها‭ ‬يغسلها‭ ‬المطر‭ ‬المنهمر‭ ‬بلا‭ ‬انقطاع‭ ‬ولا‭ ‬ملل،‭ ‬بصماته‭ ‬علي‭ ‬سطح‭ ‬الأوراق‭ ‬قطرات‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬وحبات‭ ‬من‭ ‬الجليد،‭ ‬وفي‭ ‬طريقه‭ ‬الي‭ ‬الارض‭ ‬ينقر‭ ‬المطر‭ ‬زجاج‭ ‬النافذة‭ ‬كعازف‭ ‬الايقاع‭ ‬الاشهر‭ ‬كتكوت‭ ‬الامير.‭ ‬

ليضيف‭ ‬بعداً‭ ‬موسيقياً‭ ‬متلازماً‭ ‬مع‭ ‬حنجرة‭ ‬علي‭ ‬الحجار‭ ‬وهو‭ ‬يشدو‭ ‬بصوته‭ ‬الشجي‭ .‬

‭‬لما‭ ‬الشتا‭ ‬يـــدق‭ ‬البيبان‭ ‬،‭ ‬لما‭ ‬المطر‭ ‬يغسل‭ ‬شوارعنا‭ ‬القـديمه‭ ‬والحـــــــارات‭…‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجو‭ ‬المشحون‭ ‬رومانسيه‭ ‬شتويه.

ارتشاف‭ ‬المشروب‭ ‬الساخن‭ ‬أمر‭ ‬واجب‭ ‬بل‭  ‬وحيوي‭ .. ‬سرحت‭ ‬بخاطري‭ ‬للحظات‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬أفقت‭ ‬علي‭ ‬اضواء‭ ‬تبرق‭ ‬متلاحقة،‭ ‬تتوالد‭ ‬من‭ ‬بعضها‭ ‬توالداً‭ ‬ذاتياً‭ ‬في‭ ‬كبد‭ ‬السماء،‭ ‬مما‭ ‬ذاد‭ ‬من‭ ‬جرعة‭ ‬الإثارة‭ ‬ان‭ ‬رعوداً‭ ‬قد‭ ‬رافقت‭ ‬ذاك‭ ‬البرق‭ ‬تزوم‭ ‬في‭ ‬عصبيه‭ ‬شديده‭ ‬وغضب‭ ‬مخيف‭ ‬كأن‭ ‬حرباً‭ ‬كونيه‭ ‬انطلق‭ ‬سعيرها،‭ ‬احساس‭ ‬فاق‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تتركه‭ ‬قصص‭ ‬أجاثا‭ ‬كريستي‭ ‬وافلام‭ ‬الإثارة‭ ‬والرعب‭ ‬لالفريد‭ ‬هيتشكوك‭ ‬وبدي‭ ‬فرانكشتين‭ ‬يكشر‭ ‬عن‭ ‬انيابه‭. ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬تسابق‭ ‬الي‭ ‬ذهني‭ ‬اسأله‭ ‬محيره،‭ ‬لماذا‭ ‬تغضب‭ ‬الطبيعه‭ ‬وتزأر‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬العصبي‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء‭. !!! ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬احتاج‭ ‬الانسان‭ ‬او‭ ‬اضطر‭ ‬تحت‭ ‬اي‭ ‬ظروف‭ ‬ان‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬الي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬براً‭ ‬او‭ ‬جواً‭ ‬او‭ ‬بحراً،‭ ‬كيف‭ ‬يكون‭ ‬الأمر‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬التحرك‭ ‬علي‭ ‬ارض‭ ‬زلقه‭ ‬يكسوها‭ ‬الجليد،‭ ‬وفِي‭ ‬رؤيه‭ ‬متعذره‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬معدومه،‭ ‬فِي‭ ‬مثل‭ ‬جو‭ ‬من‭ ‬الارهاب‭ ‬يفرضه‭ ‬البرق‭ ‬والرعد‭ ‬والريح؟

ثم‭ ‬كيف‭ ‬يكون‭ ‬الامر‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الملاحه‭ ‬الجويه،‭ ‬كيف‭ ‬لطائرة‭ ‬ان‭ ‬تحلق‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجو‭ ‬الغاضب،‭ ‬كيف‭ ‬لها‭ ‬ان‭ ‬تحافظ‭ ‬علي‭ ‬أتزانها‭ ‬وسط‭ ‬رياح‭ ‬عاصفة‭ ‬تجعلها‭ ‬كريشه‭ ‬في‭ ‬مهب‭ ‬الريح؟

ما‭ ‬بالنا‭ ‬لو‭ ‬رحلة‭ ‬السفر‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اليم‭ ! ‬كيف‭ ‬لسفينه‭ ‬ان‭ ‬تشق‭ ‬عباب‭ ‬البحار‭ ‬تلطمها‭ ‬الامواج،‭ ‬كيف‭ ‬لمسافر‭ ‬ذاده‭ ‬الخيال‭ ‬والعشق‭ ‬والسحر‭ ‬والجمال‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشتاء‭ ‬الرومانسي‭ ‬ان‭ ‬يواجه‭ ‬الغضب‭ ‬العارم‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬الي‭ ‬حد‭ ‬الجنون‭ ‬القادر‭ ‬علي‭ ‬ابتلاع‭ ‬ما‭ ‬يطفو‭ ‬علي‭ ‬سطحه‭ ‬ليستقر‭ ‬في‭ ‬قاعه‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬الظروف‭ ‬السفر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬الرومانسي‭ ‬مغامره‭ ‬مؤلمه‭. ‬افقت‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الكابوس‭ ‬وانا‭ ‬أحرك‭ ‬رأسي‭ ‬كي‭ ‬انفض‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬الثلاث‭ ‬الكئيبه‭ ‬عن‭ ‬ذهني‭ ‬متصوراً‭ ‬رحلات‭ ‬سفر‭ ‬مؤلمه‭ ‬بطعم‭ ‬الخطر،‭ ‬كمن‭ ‬ينفض‭ ‬سيول‭ ‬المطر‭ ‬عن‭ ‬رأسه‭ ‬وهو‭ ‬يسير‭ ‬بلا‭ ‬معطف‭ ‬وبلا‭ ‬مظله‭ ‬مطر‭. ‬اخذت‭ ‬نفساً‭ ‬عميقاً‭ ‬كي‭ ‬اخرج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الكابوس‭ ‬الشاعري،‭ ‬وما‭ ‬ان‭ ‬انتهيت‭ ‬من‭ ‬ذاك‭ ‬الشهيق‭ ‬العميق‭ ‬حتي‭ ‬خرجت‭ ‬زفرة‭ ‬طويله‭ ‬وقفزت‭ ‬الي‭ ‬رأسي‭ ‬موجات‭ ‬تلو‭ ‬موجات‭ ‬من‭ ‬الاسئله‭ ‬المحيره،‭ ‬المرضي‭ ‬اللذين‭ ‬يعانوناً‭ ‬آلام‭ ‬المرض‭ ‬كم‭ ‬تتضاعف‭ ‬تلك‭ ‬الآلام‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬البرد‭ ‬اللعين،‭ ‬المشردين‭ ‬واللذين‭ ‬بلا‭ ‬مأوي‭ ‬كم‭ ‬تقسو‭ ‬عليهم‭ ‬الحياه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المناخ‭ ‬القاسي؟

التعساء‭ ‬اللذين‭ ‬أجبرتهم‭ ‬ظروف‭ ‬المعيشه‭ ‬علي‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الجو‭ ‬وتحت‭ ‬تلك‭ ‬الظروف‭ ‬المناخية‭ ‬كي‭ ‬يلبوا‭ ‬متطلباتهم‭ ‬واحتياجات‭ ‬اسرهم؟‭ ‬كم‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظروف؟‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬اي‭ ‬فرصة‭ ‬تواصل‭ ‬اجتماعي‭ ‬حي‭ ‬بعيداًعن‭ ‬الــ‭ ‬social media‭ ‬الفضائيه؟‭  ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الجو‭ ‬الكئيب؟

ماذا‭ ‬عن‭ ‬تبادل‭ ‬الزيارات‭ ‬بين‭ ‬الأهل‭ ‬والاصدقاء‭ ‬او‭ ‬واجبات‭ ‬التعازي‭ ‬و‭ ‬مشاركات‭ ‬التهاني؟‭. ‬ثم‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬وسائل‭ ‬الترفيه‭ ‬والفرح‭ ‬واللهو‭ ‬البريء؟

الشواطيء‭ ‬الحدائق‭ ‬والمتنزهات‭ ‬والملاهي‭ ‬كلها‭  ‬يهجرها‭ ‬الزوار‭ ‬و‭ ‬الرواد‭ ‬الي‭ ‬ان‭ ‬تشرق‭ ‬الشمس‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء‭ ‬ورومانسيته‭ ‬الرتيبه‭ ‬الممله،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬للطيور‭ ‬ان‭  ‬تحلق‭ ‬او‭ ‬تغرد‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الشتاء‭ ‬القارس‭!! ‬حتي‭ ‬زقزقة‭ ‬العصافير‭ ‬يحرمنا‭ ‬منها‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬التعس‭ ‬الغير‭ ‬لذيذ‭ ..  ‬اتسائل‭ ‬متي‭ ‬تدب‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬أطراف‭ ‬الدني؟‭ … ‬بينما‭ ‬كنت‭ ‬مغيب‭ ‬شارد‭ ‬الفكر‭ ‬افقت‭ ‬علي‭ ‬يد‭ ‬تلمس‭ ‬كتفي‭ ‬برفق،‭ ‬التفت‭ ‬لأجد‭ ‬اليد‭ ‬الاخري‭ ‬تقدم‭ ‬لي‭ ‬ذاك‭ ‬الذهبي‭ ‬الرائع‭ ‬المبهر،‭ ‬رائحة‭ ‬حنونة‭ ‬تتسرب‭ ‬الي‭ ‬انفي‭ ‬تمنحني‭ ‬إحساساً‭ ‬غريباً‭ ‬بالدفء،‭ ‬من‭ ‬سطحه‭ ‬تتصاعد‭ ‬أبخرة‭ ‬في‭ ‬أشكالاً‭  ‬سريالية‭ ‬بديعة‭ ‬كراقصة‭ ‬باليه‭ ‬ماهرة،‭ ‬او‭ ‬راقصه‭ ‬غجريه‭ ‬علي‭ ‬أنغام‭ ‬الفلامنجو،‭ ‬تأملتها‭ ‬في‭ ‬عشق‭ ‬وشوق‭ ‬في‭ ‬رقة‭ ‬ورومانسية‭ ‬بالغة‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬الغوص‭ ‬الي‭ ‬ذاك‭ ‬الذهبي‭ ‬الرائع‭ ‬يالها‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬عبقريه،‭ ‬رغم‭ ‬هذا‭ ‬السقيع‭ ‬وتلك‭ ‬البانوراما‭ ‬التي‭ ‬اراقبها‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬زجاج‭ ‬النافذة‭ ‬اشاهد‭ ‬البرق‭ ‬واسمع‭ ‬الرعد‭ ‬واري‭ ‬أوراق‭ ‬الشجر‭ ‬وحبات‭ ‬المطر‭ ‬وكرات‭ ‬الثلج‭ ‬علي‭ ‬الطريق‭  ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الركن‭ ‬البعيد‭ ‬الهاديء‭ ‬وذاك‭ ‬الصوت‭ ‬الشجي‭ ‬لعلي‭ ‬الحجار‭ ‬يشدو‭:‬

لما‭ ‬الشتا‭ ‬يدق‭ ‬البيبان‭ .. ‬عشت‭ ‬أجمل‭ ‬وأروع‭ ‬اللحظات‭ ‬الرومانسيه‭ ‬مع‭ ‬حواس‭ ‬الشم‭ ‬والنظر‭ ‬والتذوق‭ ‬من‭ ‬ذاك‭ ‬المخلوق‭ ‬الذهبي‭. ‬لم‭ ‬أفق‭ ‬من‭ ‬ذاك‭ ‬الجو‭ ‬الرومانسي‭ ‬الحالم‭ ‬إلا‭ ‬علي‭ ‬صوت‭ ‬الملعقة‭ ‬المعدنية‭ ‬وهي‭ ‬تصطدم‭ ‬بقاع‭ ‬الطبق‭ ‬الذي‭ ‬أجهزت‭ ‬عليه‭ ‬تماماً‭ ‬في‭ ‬نهم‭ ‬رومانسي‭  ‬محلقاً‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عشت‭ ‬أجمل‭ ‬وأرق‭ ‬لحظات‭ ‬الرومانسية‭ ‬مع‭ (‬طبق‭ ‬العدس‭.‬

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى