تخيّل رجلًا يعود إلى بيته في نهاية يوم طويل، يضع مفاتيحه على الطاولة، ويقول لزوجته: «بكرة نتكلم، أنا تعبان». يلمح اتصالًا من أخيه الذي خاصمه منذ شهور، فيترك الهاتف حتى يصمت. ومن غرفة ابنه يأتيه صوت صغير يدعوه ليرى رسمة جديدة، فيرد، وهو يخلع حذاءه: «بعدين يا حبيبي».
لا شيء استثنائيًا في هذا المشهد. ربما عشته أنت، وربما كنت فيه الشخص الذي ينتظر. والموجع أن الرجل قد يحب زوجته وأخاه وابنه حبًا صادقًا، لكنه يتصرف كأن أمامه وقتًا مضمونًا ليُظهر لهم ذلك.
من هنا يأتي السؤال الذي ننزعج منه، ونحاول أحيانًا إسكاته بالمزاح أو بعبارة: «بعد الشر!»… سألت نفسك هتموت امتى؟!
أعرف أن السؤال ثقيل. يقطع انشغالنا المعتاد، ويضع أمامنا حقيقة نعرفها جيدًا، لكننا نرتّب أيامنا كأنها تخص الآخرين. نقرأ خبر وفاة، نتأثر، نكتب كلمات العزاء، ثم نعود إلى مشاغلنا. وفي داخل كل واحد منا افتراض صامت: ما زال لديّ متّسع.
ولا أحد يعرف مقدار هذا المتّسع…
نخطط للعمل والسفر والمصروفات، ونؤجل زيارة، ونترك اعتذارًا حتى تهدأ النفوس، ونحتفظ بكلمة حب انتظارًا لمناسبة أفضل. شيئًا فشيئًا، يصبح التأجيل أسلوب حياة. تمر الأيام التي ظنناها مرحلة مؤقتة، فنكتشف أنها كانت سنواتنا نفسها؛ سنوات لم تكن تنتظر انتهاء المشكلات كي تُحسب من العمر.
ولعل أكثر ما يوجع في الفقد هو التفاصيل التي تبدو أصغر من أن تصنع هذا الحزن الكبير: مكالمة اختصرناها، دعوة اعتذرنا عنها دون سبب حقيقي، صورة رفضنا التقاطها لأننا لم نكن في مزاج مناسب. تبقى هذه الأشياء في الذاكرة، ونجد أنفسنا نتمنى فرصة للقيام بأمر كان متاحًا بسهولة، ولم نفعله.
كم مرة قلنا: «هروح أشوفه لما أفضى»؟ وكم مرة أجّلنا سؤالًا بسيطًا عن شخص يحبنا، بينما منحنا ساعات طويلة لأشخاص لا يعرفون عنا سوى الاسم والصورة؟
نحن لا نهدر الوقت دائمًا في أشياء تافهة؛ أحيانًا نستهلكه في مسؤوليات حقيقية. نعمل لأن هناك بيتًا يحتاج إلى مصروف، وأبناء يحتاجون إلى تعليم، وقلقًا من غد يصعب الاطمئنان إليه. ومن الظلم أن نطلب من إنسان مُنهك أن يعيش كل يوم كأنه إجازة، أو نلومه لأنه لا يملك رفاهية التوقف.
لكن وسط هذا العناء تظل هناك مساحة صغيرة نستطيع الدفاع عنها: دقائق نصغي فيها دون النظر إلى الهاتف، كلمة تقدير لمن يحمل معنا المسؤولية، واعتراف صريح بأننا أخطأنا. قد لا نملك تغيير ظروفنا كلها، لكننا نستطيع أحيانًا أن نجعل وجودنا أحنّ على من يعيشونها معنا.
وحين نفكر في النهاية، يمكننا أن نراجع أيضًا المعارك التي تستنزفنا. هناك حقوق تستحق أن ندافع عنها، وهناك خلافات نطيل عمرها لأن كبرياءنا اعتاد حراستها. يمر عام وراء عام، ويتغير كل شيء تقريبًا، بينما نصرّ على الاحتفاظ بالغضب كما تركناه أول مرة.
هل ما زال السبب يستحق؟ هل نريد حلًا، أم اعتدنا أن تكون لنا خصومة؟ وهل الاعتذار الذي ننتظره أهم عندنا من علاقة نتمنى في سرّنا أن تعود؟
ليس كل صلح ممكنًا، ولا كل علاقة آمنة للعودة. يمكن للإنسان أن يحمي نفسه ويضع حدودًا، وفي الوقت نفسه يكفّ عن منح الأذى القديم بقية عمره. بعض الأبواب نغلقها بهدوء، ثم نمضي إلى ما يستحق انتباهنا.
والانتباه، في النهاية، هو ما نعطيه لحياتنا كي نشعر بها. أن نتذوق الطعام ونحن نأكله، أن نسمع الحكاية حتى نهايتها، أن نرى التعب في وجه من يقول لنا: «أنا كويس». أن نلاحظ الطفل وهو يكبر، قبل أن تصبح صوره القديمة هي الوسيلة الوحيدة لاستعادة سنوات كان يقضيها إلى جوارنا.
لن يجعلنا تذكّر الموت سعداء طوال الوقت، ولن يعفينا من الحزن والضيق والأيام العادية. لكنه قد يمنحنا قدرًا من الصدق: أن نسأل أنفسنا عمّا نفعله لأننا نريده، وعمّا نواصل فعله خوفًا من كلام الناس. أن نعيد النظر في حلم نؤجله باستمرار، وفي شخص نطمئن إلى بقائه لدرجة أننا توقفنا عن الاهتمام به.
أما السؤال عن موعد الرحيل، فسيبقى بلا إجابة. وهذا الغموض نفسه يترك لنا مجالًا للرجاء والعمل؛ نستطيع أن نخطط لسنوات مقبلة، وأن نعتني في الوقت نفسه بهذا اليوم الذي بين أيدينا.
لذلك، حين تعود الليلة إلى بيتك، جرّب أن تمنح من ينتظرك بعض حضورك. اسأل، واستمع، وقل الكلمة التي تعرف أنك تؤجلها. وإن كانت هناك مكالمة تتمناها، فلا تحتاج دائمًا إلى مناسبة كي تبدأها.
وقد يناديك ابنك ليريك رسمة تبدو لك بسيطة. اذهب وانظر إليها. اسأله عن ألوانها، ودعه يحكي.
أنت لا تعرف كم بقي من العمر… لكن هذه اللحظة ما زالت متاحة… تحياتي