امريكا بالعربيحواراتعاجلوائل لطف الله

الدكتور هشام الصيفي.. من قصر العيني إلى قمة التميز الطبي في كاليفورنيا.. رحلة جراح مصري جمع بين العلم والإنسانية ورسالة العطاء

قام بالحوار/ رئيس تحرير صحيفة كاريزما - وائل لطف الله

الدكتور هشام الصيفي يردّ الجميل لوطنه بعطاء يتجاوز حدود الطب والجغرافيا.. في حوار حصري لـ«كاريزما»..

من قصر العيني إلى قوائم أفضل جراحي التجميل في أمريكا.. مسيرة مصرية تحصد التكريمات الدولية..

لم يكتفِ بصناعة النجاح في أمريكا.. بل عاد بعلمه وعلاقاته الدولية ليصنع الأمل في مصر..

من كاليفورنيا إلى مستشفى 57357.. رحلة عطاء مصري لدعم أطفال السرطان وتدريب الأطباء..

من التفوق في جامعة القاهرة إلى أروقة جامعة إيموري ومراكز جراحة التجميل الأمريكية.. ومن تدريب أجيال جديدة من الجراحين إلى قيادة المبادرات الدولية لدعم أطفال السرطان..

مسيرة طبيب مصري أثبت أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما يحققه الإنسان لنفسه فقط، بل بما يتركه من أثر في حياة الآخرين..

هناك شخصيات لا يمكن اختصار رحلتها في شهادة علمية، أو منصب أكاديمي، أو جائزة مرموقة، مهما بلغت قيمتها. فبعض قصص النجاح تتجاوز حدود المهنة لتصبح شهادة حية على قوة الإرادة الإنسانية، والقدرة على تحويل الطموح إلى إنجاز، والإنجاز إلى رسالة، والرسالة إلى عطاء يمتد أثره إلى ما وراء الحدود والأوطان.

ومن بين هذه النماذج المصرية التي صنعت لنفسها مكانة مهنية متميزة في الولايات المتحدة الأمريكية، تبرز تجربة الدكتور هشام الصيفي (Hisham Seify, MD, PhD, FACS)، جراح التجميل والترميم المصري الأصل، الذي انطلقت رحلته العلمية من كلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة، قبل أن تقوده سنوات الدراسة والبحث والتدريب إلى جامعة إيموري الأمريكية، ثم إلى ولاية كاليفورنيا، حيث أسس مركزه الطبي الخاص، وأصبح أستاذًا إكلينيكياً لجراحة التجميل، ومشاركًا في تدريب أجيال جديدة من الأطباء والجراحين.

لكن الوجه الآخر لهذه الرحلة لا يقل أهمية عن نجاحاتها العلمية والمهنية؛ فهو وجه الطبيب الذي اختار أن يمد جسورًا إنسانية بين وطنه الأم ومجتمعه الأمريكي، وأن يشارك في بناء منظومة دعم دولية لمكافحة السرطان، خاصة لدى الأطفال، مؤمنًا من خلال عمله بأن الطب لا تنتهي رسالته عند أبواب غرف العمليات، وأن إنقاذ الحياة ومنح الأمل يستحقان الجهد نفسه الذي يُبذل في طلب العلم وتحقيق النجاح.

البدايات في مصر.. تفوق مبكر وطموح يتجاوز المألوف:

قبل أن يعرفه الوسط الطبي الأمريكي جراحًا وأكاديميًا، بدأت ملامح شخصية الدكتور هشام الصيفي تتشكل في مصر، حيث ظهرت بوادر تفوقه العلمي منذ سنوات الدراسة السابقة للجامعة.

ففي عام 1985، حصل على الجائزة الأولى في مسابقة للفلسفة والأدب الفرنسي، في مؤشر مبكر إلى اهتماماته المعرفية التي لم تقتصر على العلوم الطبيعية وحدها. وفي عام 1986، حقق تفوقًا لافتًا في شهادة الثانوية العامة، إذ جاء من المتفوقين علي مستوي الجمهورية، إلى جانب جوائز تفوق في الأحياء والفيزياء والكيمياء.

كان هذا التفوق بوابته إلى واحدة من أعرق المؤسسات الطبية في مصر والمنطقة، كلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة، حيث التحق بالدراسة عام 1986، وواصل مسيرته العلمية حتى تخرج عام 1992 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، محتفظًا بمنحته الدراسية طوال سنوات دراسته، وفقًا لسيرته الذاتية الرسمية.

ولم تكن تلك السنوات مجرد مرحلة للحصول على شهادة الطب، بل كانت البداية الحقيقية لتكوين طبيب اتجه مبكرًا إلى التخصص الدقيق، والبحث العلمي، والتدريب المستمر، واضعًا أمام نفسه طريقًا مهنيًا يحتاج إلى سنوات طويلة من الدراسة والانضباط والمثابرة.

ومع انتقاله إلى مراحل التدريب الجراحي، بدأ اهتمامه يتجه إلى جراحة التجميل والترميم، ذلك التخصص الذي يجمع بين الدقة التشريحية والمهارة الجراحية والقدرة على إعادة بناء الأنسجة واستعادة الوظائف والمظهر بعد الإصابات أو الأمراض أو التشوهات.

وفي أكتوبر 1996، حصل على درجة الماجستير من جامعة القاهرة في مجال الجراحة العامة والتجميلية، بعد إعداد دراسة تشريحية متخصصة حول الشرائح الجلدية واللفافية في الجزء الخلفي من الساق، وهو موضوع يرتبط بأساليب إعادة بناء الأنسجة في الجراحات الترميمية.

ولم يتوقف طموحه عند حدود التدريب المحلي؛ فقد تضمنت رحلته المبكرة خبرات تدريبية خارج مصر، منها تدريب في روما بإيطاليا عام 1989، وتدريب في جراحة تجميل الأطفال بمدينة رين الفرنسية عام 1993، وهي محطات أضافت إلى خبرته العلمية منظورًا أوسع للممارسة الطبية الدولية.

عام 1998.. الرحلة إلى أمريكا وبداية التحدي الأكبر:

في عام 1998، انتقل الدكتور هشام الصيفي إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال أبحاث الدكتوراه بجامعة إيموري (Emory University) في ولاية جورجيا، إحدى المؤسسات الأكاديمية والطبية المعروفة ببرامجها في الجراحة والبحث العلمي.

وكانت هذه الخطوة محطة فاصلة في مسيرته؛ إذ انتقل من بيئة طبية تلقى فيها تعليمه الأساسي وتدريبه الأول إلى نظام أكاديمي ومهني مختلف، يتطلب اجتياز مراحل تدريب واعتماد دقيقة، والقدرة على المنافسة في تخصص شديد الدقة.

وفي جامعة إيموري، انخرط في أبحاث تتعلق باستخدام تقنيات التدخل الجراحي المحدود والمناظير في جراحة التجميل، وتلقى تدريبًا متقدمًا تحت إشراف الجراح الراحل الدكتور جون بوستويك (John Bostwick)، أحد الأسماء المعروفة في مجال جراحة التجميل والترميم.

وأسفرت هذه المرحلة عن مشاركته في مشروعات بحثية سريرية وأساسية، عُرض بعضها في مؤتمرات علمية ونُشر في دوريات طبية محكمة، وشكلت الأساس العلمي لأطروحته للدكتوراه التي ناقشها في فبراير عام 2000.

كانت تلك الخطوة بداية فصل جديد، انتقل فيه من موقع الباحث الذي يسعى إلى تطوير أدواته العلمية، إلى الطبيب الذي يواصل استكمال تدريبه الجراحي الأمريكي، استعدادًا لممارسة تخصصه وفق المعايير المهنية المعتمدة في الولايات المتحدة.

ثلاثة عشر عاماً من التدريب.. قبل الوصول إلى الاستقرار المهني:

من أبرز الجوانب التي تكشف طبيعة مسيرة الدكتور هشام الصيفي أن تدريبه الطبي بعد التخرج امتد إلى نحو ثلاثة عشر عامًا، جمع خلالها بين الدراسة العليا والبحث العلمي والتدريب الجراحي العام والتخصصي.

فبعد مرحلة الدكتوراه، واصل تدريبه في الجراحة العامة وجراحة التجميل بجامعة إيموري، وتولى خلال فترة تدريبه مسؤولية المقيم الإداري الرئيسي في برنامج جراحة التجميل، وهو موقع يعكس مشاركته في تنظيم العمل والتدريب داخل البرنامج.

وفي عام 2005، أكمل زمالة جراحة التجميل بجامعة إيموري، قبل أن يتوسع في دراسة جراحات تجميل وترميم الجفون والمنطقة المحيطة بالعين، من خلال تدريب متخصص مع الدكتور كلينتون ماكورد (Clinton McCord) في أتلانتا.

وأكسبه هذا المسار اهتمامًا خاصًا بالجراحات الدقيقة للجفون والجهاز الدمعي، إلى جانب جراحات الثدي التجميلية والترميمية التي تعمق في دراستها خلال عمله وتدريبه في إيموري.

وفي عام 2007، حصل على اعتماد المجلس الأمريكي لجراحة التجميل (American Board of Plastic Surgery)، ثم جدد هذا الاعتماد عام 2017، ليؤكد استكماله المتطلبات المهنية المعتمدة في تخصصه.

وهكذا، لم يكن الوصول إلى ممارسة مستقلة في الولايات المتحدة خطوة سريعة، بل نتيجة رحلة طويلة من الدراسة والتدريب والبحث والتأهيل، بدأت من القاهرة، ومرت بأوروبا وجورجيا، قبل أن تستقر في جنوب كاليفورنيا.

كاليفورنيا.. من طبيب مهاجر إلى مؤسس مركز طبى رائد:

مع انتقاله إلى جنوب كاليفورنيا، بدأت مرحلة جديدة في حياة الدكتور هشام الصيفي، عنوانها الانتقال من سنوات التأهيل الأكاديمي إلى تأسيس مشروعه المهني الخاص، وبناء حضور علمي داخل المؤسسات الطبية الأمريكية.

فـفـي أكتـوبــر عام 2006، تولى رئاســة المــركز الطبــي Newport Plastic & Reconstructive Surgery Associates في مدينة نيوبورت بيتش، التي أصبحت مركزًا لممارسته المتخصصة في جراحات التجميل والترميم، قبل أن يوسع نشاطه من خلال Prestige Surgery Center، الذي تولى إدارته الطبية منذ يونيو 2015.

وتشمل خبراته جراحات تجميل الوجه والرقبة والجفون، وتجميل الثدي وإعادة بنائه بعد الاستئصال، ونحت القوام، فضلًا عن تقنيات الجراحة الترميمية التي تهدف إلى استعادة الوظائف والمظهر الطبيعي للأجزاء المتضررة من الجسم.

ومع اتساع نشاطه الطبي، لم ينفصل عن المجال الأكاديمي؛ إذ واصل مشاركته في التدريس والتدريب والبحث العلمي، وارتبط اسمه بمؤسسات طبية وجامعية أمريكية، من بينها جامعة كاليفورنيا في إيرفاين (UCI)، التي يشغل بها منصب أستاذ إكلينيكي لجراحة التجميل، كما تضمنت مسيرته مناصب أكاديمية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA).

وامتد نشاطه إلى مستشفيات معروفة في جنوب كاليفورنيا، منها Hoag و Saddleback، إلى جانب مشاركته في الجمعيات العلمية والمهنية المتخصصة.

وفي مجتمع طبي تتطور فيه التقنيات والمعايير باستمرار، اتجه الصيفي إلى الجمع بين الممارسة الجراحية والبحث العلمي والتعليم، باعتبارها عناصر متكاملة في بناء الطبيب المتخصص.

من النجاح الفردي إلى صناعة أجيال جديدة من الجراحين:

لم تتوقف مسيرة الدكتور هشام الصيفي عند تأسيس عيادته الخاصة، بل امتدت إلى المشاركة في إعداد أطباء المستقبل.

فهو يتولى إدارة برنامج Orange County Aesthetic Fellowship، وهو برنامج متخصص في تدريب جراحي التجميل على الممارسات الجراحية الجمالية المتقدمة، ويحظى بتأييد الجمعية الأمريكية لجراحة التجميل الجمالية، وتتم عملية الاختيار له من خلال نظام المطابقة المعروف باسم San Francisco Match.

ومن خلال هذا الدور، انتقل جانب من خبرته المهنية إلى مسؤولية تعليمية تقوم على نقل المعرفة والمهارة والخبرة العملية إلى جيل جديد من الجراحين.

كما تولى رئاسة جمعية جراحي التجميل في أورانج كاونتي خلال الفترة من 2017 إلى 2019، وشارك في مجلس إدارة جمعية جراحي التجميل بكاليفورنيا، إلى جانب نشاطه في عدد من الجمعيات الطبية الأمريكية.

وتكشف سيرته المهنية أيضًا عن مشاركته في مراجعة أبحاث علمية لدوريات متخصصة، منها Plastic and Reconstructive Surgery وAesthetic Surgery Journal وAnnals of Plastic Surgery، فضلًا عن إسهاماته في تأليف أبحاث وفصول علمية في كتب طبية.

ولم يقتصر نشاطه العلمي على الولايات المتحدة؛ فقد شارك في مؤتمرات ومحاضرات وبرامج تدريبية خارجها، وعاد إلى مصر في مناسبات علمية متعددة، بينها زيارات لجامعة القاهرة ومستشفيات عسكرية ومراكز طبية، كما عمل أستاذًا زائرًا وجراحًا ضيفًا في مؤسسات طبية بالإمارات العربية المتحدة.

وهكذا، أصبحت مسيرته المهنية حلقة وصل بين مدارس جراحية مختلفة، تجمع بين الخبرة المصرية التي انطلقت منها رحلته، والتدريب الأمريكي الذي أسهم في تطوير أدواته، والمشاركة الدولية في تبادل المعرفة الطبية.

الوجه الإنساني.. حين يتحول نجاح الطبيب إلى رسالة لمواجهة السرطان:

بعيدًا عن غرف العمليات ومراكز التجميل والمؤتمرات الطبية، يظهر جانب آخر من شخصية الدكتور هشام الصيفي، يرتبط بالعمل الخيري ودعم مرضى السرطان، وخاصة الأطفال الذين تواجه أسرهم تحديات صحية وإنسانية واقتصادية قاسية.

فقد شارك في تأسيس وقيادة Worldwide Cancer Network، وهي مؤسسة غير ربحية تعمل على دعم جهود علاج السرطان في مصر وأفريقيا والشرق الأوسط وبمشاركة فاعلة أيضاً من الدكتور شريف أبو النجا.

كمــــا يــرتبـــط اســمــه بصورة بارزة بشبكة مصر للســرطـان (Egypt Cancer Network – ECN)، التي تهدف إلى تعبئة جهود المصريين وأصدقاء مصر خارج الوطن لدعم مؤسسات علاج السرطان، وفي مقدمتها مستشفى سرطان الأطفال 57357.

ولا يقتصر مفهوم الدعم في هذه المبادرات على جمع التبرعات المالية، بل يمتد إلى مساندة التدريب الطبي والبحث العلمي وتطوير الإمكانات المؤسسية، بما يساعد على تعزيز قدرة المؤسسات العلاجية على تقديم الرعاية للمرضى.

وتبرز هنا فلسفة إنسانية تستحق التأمل: فالجراح الذي أمضى سنوات في تطوير مهاراته الجراحية اختار أن يخصص جانبًا من وقته وجهده لبناء فرص علاجية وعلمية يستفيد منها مرضى قد لا يلتقي بهم شخصيًا.

إنها صورة مختلفة للنجاح، تتجاوز حدود العيادة الخاصة والمكانة المهنية، لتفتح بابًا أوسع أمام المسؤولية المجتمعية.

جسور من العلم والعطاء بين مصر وأمريكا.. ودور بارز في دعم مستشفى 57357:

ومن أبرز المحطات المضيئة في مسيرة الدكتور هشام الصيفي الإنسانية والطبية، إسهاماته الممتدة في دعم مستشفى سرطان الأطفال 57357 في مصر، وتعزيز التعاون العلمي والطبي بين المؤسسات المصرية ونظيراتها الدولية، انطلاقًا من إيمانه بأن مواجهة السرطان لا تقتصر على توفير العلاج، بل تبدأ أيضًا ببناء الإنسان، وتأهيل الكوادر الطبية، ونقل أحدث ما توصل إليه العلم من خبرات وتقنيات.

فبحسب ما نشرته جمعية أصدقاء المبادرة القومية ضد السرطان عام 2026، اضطلع الدكتور الصيفي بدور محوري، بالتعاون مع شبكة مصر للسرطان (Egypt Cancer Network – ECN) ومستشفى 57357، وبمشاركة الدكتور شريف أبو النجا، في إقامة تعاون استراتيجي مع معهد دانا فاربر للسرطان (Dana-Farber Cancer Institute) في بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية، أسفر عن إنشاء ثلاثة مسارات متخصصة للتدريب والزمالة الطبية في مجالات أورام الأطفال، والعلاج الإشعاعي، وزراعة نخاع العظام.

وفي هذا الإطار، برزت المساهمة المهمة للدكتور مارك كيران (Dr. Mark Kieran)، من معهد دانا فاربر، في دعم برامج الزمالة الطبية (Fellowships)، وإتاحة فرص التدريب المتقدم للأطباء المصريين، بما أسهم في تعزيز تبادل الخبرات العلمية والسريرية بين الجانبين.

وقد أثمرت هذه الشراكة، وفقًا للمصدر، عن إتمام ما يقرب من 50 طبيبًا مصريًا فى برامج التدريب المتخصصة، قبل عودتهم إلى مصر حاملين معارف وخبرات طبية متقدمة، ليصبحوا بدورهم جزءًا من منظومة تطوير الرعاية الصحية، والمساهمة في الارتقاء بمستوى الخدمات العلاجية المقدمة للأطفال المصابين بالسرطان.

ولم تتوقف جهود الدكتور الصيفي عند هذه المبادرات، بل امتدت على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية لتشمل المساهمة في تدريب أكثر من 200 طبيب في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، في مسيرة تعكس قناعته الراسخة بأن الاستثمار الحقيقي في القطاع الصحي لا يقاس فقط بما يُقدَّم من دعم مادي، وإنما بما يُنقل من علم وخبرة، وما يُبنى من قدرات بشرية قادرة على إحداث تغيير مستدام.

كما أشارت المؤسسة إلى مساهماته في دعم تطوير البنية التحتية الطبية والتكنولوجية، بما يشمل تحديث الأجهزة والأنظمة المعلوماتية، إلى جانب مساندة برامج البحث العلمي والبحوث السريرية والأساسية والتطبيقية، بما يعزز قدرة المؤسسات الطبية على مواكبة التطورات العالمية في تشخيص السرطان وعلاجه.

وتتجلى أهمية هذه الجهود في تجاوزها مفهوم المساعدة التقليدية أو الدعم المؤقت، لتتبنى رؤية أكثر استدامة تقوم على تأهيل الأطباء، وتوطين المعرفة الطبية الحديثة، وتطوير الإمكانات المؤسسية، بما يتيح مضاعفة أثر هذه المبادرات ووصول ثمارها إلى أعداد أكبر من المرضى على مدى سنوات طويلة.

وفي سياق هذه المسيرة، يبرز دور الدكتور هشام الصيفي في رئاسة مجلس إدارة شبكة مصر للسرطان (ECN)، ومساهماته في تعزيز حضورها الدولي وامتداد أنشطتها إلى الولايات المتحدة، وكندا وسويسرا، ودبي، وفقًا لما نشرته المؤسسة المصرية المعنية عام 2026، بما يفتح آفاقًا أوسع للتعاون والدعم العلمي والإنساني لصالح مرضى السرطان في مصر.

وهكذا، تكشف هذه التجربة عن جانب أصيل في شخصية الدكتور هشام الصيفي؛ فهو لا ينظر إلى نجاحه المهني في الولايات المتحدة باعتباره إنجازًا شخصيًا فحسب، بل يراه مسؤولية إنسانية ووطنية، وفرصة لتسخير علاقاته وخبراته الدولية في خدمة وطنه الأم مصر. وبين غرف العمليات وقاعات التدريب ومؤسسات البحث العلمي، يواصل مد جسور المعرفة والعطاء بين مصر وأمريكا، مؤمنًا بأن أعظم ما يمكن أن يتركه الطبيب وراءه ليس فقط المرضى الذين ساهم في شفائهم، بل أيضًا الأطباء الذين ساهم في إعدادهم ليواصلوا رسالة العلاج وإنقاذ الأرواح.

مسيرة حافلة بالجوائز والتكريمات.. وتقدير يتجاوز حدود الطب:

تُوّجت المسيرة المهنية والعلمية والإنسانية للدكتور هشام الصيفي بسلسلة من الجوائز والتكريمات المرموقة، كان أحدثها اختياره عام 2026 للحصول على جائزة التميز من المنظمة المصرية الأمريكية (Egyptian American Organization Outstanding Achievement Award)، تقديرًا لإنجازاته في جراحة التجميل والترميم، وإسهاماته في التعليم الطبي والبحث العلمي، فضلًا عن دوره الإنساني البارز في دعم علاج سرطان الأطفال وتعزيز التعاون الطبي والعلمي بين مصر والولايات المتحدة. وتكتسب هذه الجائزة أهمية خاصة لارتباطها بتاريخ من تكريم شخصيات مصرية بارزة منذ تأسيسها عام 1986، من بينها العالم الراحل الدكتور أحمد زويل، والدكتور فاروق الباز، والخبير الاقتصادي الدكتور محمد العريان، والدكتور نصر غنيم.

ولم يكن هذا التكريم سوى محطة جديدة في سجل حافل بالإنجازات؛ إذ حظي الدكتور الصيفي بلقب «طبيب التميز في مقاطعة أورانج كاونتي» (Orange County Physician of Excellence) خلال الفترة من 2012 إلى 2027، كما أُدرج ضمن قائمة «أفضل الأطباء في الولايات المتحدة» (America’s Top Doctors) وفقًا لتصنيف مؤسسة «كاسل كونولي» (Castle Connolly) بالتعاون مع «يو إس نيوز» (U.S. News) خلال الفترة من 2012 إلى 2026، واختارته مجلة «نيوزويك».

(Newsweek) ضمن قائمة «أفضل جراحي التجميل في الولايات المتحدة» (America’s Best Plastic Surgeons) خلال الفترة من 2022 إلى 2026. وإلى جانب هذه المكانة الطبية المتميزة، يساهم في العمل الأكاديمي والنشر العلمي من خلال توليه منصب محرر قسم (Section Editor) بإحدى المجلات العلمية الدولية المتخصصة في جراحات التجميل، في مجال جراحات تجميل وترميم الجفون والمنطقة المحيطة بالعين (Oculoplastic Surgery).

وتعكس هذه التكريمات والتصنيفات مكانة الدكتور هشام الصيفي بوصفه أحد النماذج المصرية الناجحة في المهجر، التي لم تكتفِ بتحقيق التميز المهني والأكاديمي في الولايات المتحدة، بل جعلت من العلم والخبرة والنجاح وسيلة للعطاء الإنساني وخدمة المجتمع، ومد جسور التعاون ونقل المعرفة والخبرات الطبية إلى الوطن الأم.

بين مصر وأمريكا.. وطن البداية ووطن الإنجاز:

بعد أكثر من ثلاثة عقود على تخرجه في كلية طب قصر العيني، ونحو ثمانية وعشرين عامًا على انتقاله إلى الولايات المتحدة، تبدو رحلة الدكتور هشام الصيفي نموذجًا لمسار مهني تشكل عبر مراحل متتابعة من التفوق والتأهيل والعمل المستمر.

فمن مصر حمل أساسه العلمي الأول، ومن جامعة إيموري اكتسب خبرات بحثية وجراحية متقدمة، وفي كاليفورنيا بنى مؤسسته الطبية ووسع حضوره الأكاديمي، ثم امتدت مساهماته إلى برامج التدريب والعمل الخيري والتعاون الطبي الدولي.

وما يميز هذه الرحلة أنها لم تسر في اتجاه واحد؛ فلم تكن مجرد انتقال من مصر إلى أمريكا بحثًا عن فرصة أفضل، بل أصبحت أيضًا طريقًا لعودة المعرفة والخبرة والدعم إلى الوطن الذي بدأت فيه القصة.

ومع كل محطة جديدة، يبرز سؤال أعمق من تعداد الإنجازات: ما الذي يدفع إنسانًا وصل إلى مكانة مهنية مستقرة إلى مواصلة العمل في مجالات التعليم والبحث والخدمة الإنسانية؟ وكيف تتغير نظرة الطبيب إلى النجاح بعد سنوات من التعامل مع المرض والألم والأمل؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكشف من شخصية الدكتور هشام الصيفي ما لا تقوله الشهادات والجوائز والسير الذاتية.

الإنسان وراء البالطو الأبيض.. قصة لم تُروَ كاملة بعد:

ورغم ما تكشفه السيرة المهنية من محطات مهمة، تبقى هناك مساحات إنسانية لا يمكن التعرف إليها إلا من خلال صاحب التجربة نفسه.

كيف كانت طفولته في مصر؟ ومن الشخص الذي ترك الأثر الأكبر في تكوين شخصيته؟ وهل كان يحلم منذ البداية بأن يصبح جراحًا عالميًا، أم أن الطريق حمل إليه فرصًا وتحديات لم تكن في حساباته؟

كيف عاش لحظة مغادرة مصر عام 1998؟ وما أصعب ما واجهه في سنواته الأولى بأمريكا؟ وهل مر بلحظات شعر فيها بأن الطريق قد أصبح أطول من قدرته على الاحتمال؟

وماذا عن الأسرة والأصدقاء والحياة الشخصية التي لا تظهر عادة في السيرة المهنية؟ وكيف استطاع أن يوازن بين مسؤوليات الجراحة والتدريس وإدارة مؤسساته الطبية والعمل الإنساني؟

ثم ما الذي يشعر به عندما يرى طفلًا مصابًا بالسرطان يحصل على فرصة جديدة للعلاج؟ وهل أصبحت هذه الرسالة الإنسانية، مع مرور السنوات، جزءًا لا ينفصل عن تعريفه الشخصي للنجاح؟

كلها أسئلة تفتح أبوابًا مختلفة للتعرف إلى الإنسان الذي يقف وراء الطبيب، وإلى التجارب التي صنعت شخصيته وأثرت في قراراته.

 

كاريزما تفتح صفحات الرحلة:

في هذا الحوار الخاص، تقترب صحيفة كاريزما من الدكتور هشام الصيفي، لا بوصفه جراح تجميل حقق نجاحًا مهنيًا في الولايات المتحدة فحسب، وإنما باعتباره إنسانًا مصريًا حمل طموحه من قاعات الدراسة في القاهرة إلى المؤسسات الطبية الأمريكية، وخاض رحلة طويلة من البحث والتدريب والعمل، قبل أن يوسع دائرة اهتمامه لتشمل تعليم الأطباء ودعم مرضى السرطان وبناء جسور التعاون بين مصر والعالم.

نحاوره عن البدايات التي صنعت أحلامه، والتحديات التي اختبرت إرادته، والنجاحات التي غيرت مساره، والأشخاص الذين وقفوا إلى جواره، والقرارات التي شكلت مستقبله، كما نتوقف أمام رؤيته لمهنة الطب، وفلسفته في العطاء، وعلاقته بوطنه الأم، وما يريد أن يتركه من أثر للأجيال القادمة.

إنها ليست مجرد حكاية طبيب مصري نجح في أمريكا، بل رحلة إنسان آمن بقيمة العلم والعمل، وسعى إلى أن يجعل من نجاحه المهني وسيلة لفتح أبواب جديدة للمعرفة والعلاج والأمل.

ومن القاهرة إلى كاليفورنيا، ومن غرف الجراحة إلى مبادرات إنقاذ الأطفال، تفتح كاريزما صفحات هذه الرحلة، لنستمع إلى حكايتها من صاحبها مباشرة.

 

المحور الأول: الجذور المصرية والطفولة والبدايات:

س- دعنا نبدأ بعيدًا عن الألقاب والنجاحات الطبية. من هو هشام الصيفي الإنسان؟ أين ولدت ونشأت في مصر؟ وكيف كانت طفولتك والبيئة الأسرية التي شكلت شخصيتك؟

ج- وُلدت في حي وسط البلد في القاهرة، ونشأت بين حي المعادي وبيت جدتي في المنيل، في أسرة تنتمي إلى الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة، جمعت بين الثقافة والوعي الوطني والإيمان العميق بأن التعليم هو حجر الأساس في بناء الإنسان وصناعة مستقبله. التحقت بإحدى المدارس الفرنسية المعروفة، ونشأت في بيت لم تكن فيه المعرفة مجرد وسيلة للنجاح، بل قيمة أصيلة، إلى جانب المبادئ الإنسانية وحب الوطن. وقد تأثرت كثيرًا بتاريخ أسرتي وحضورها في الحياة السياسية والنضال الوطني، الذي كان لوالدي ووالدتي وعمي دور فيه، وهو ما غرس بداخلي منذ الصغر الشعور بالمسؤولية والانتماء.

ولعل ما ميّز نشأتي في مصر أنها لم تقتصر على حدود البيئة الاجتماعية التي انتميت إليها، بل أتاحت لي الاحتكاك بمختلف فئات المجتمع، من الطبقات الميسورة والمتوسطة إلى الفئات الأقل حظًا، والتعرّف عن قرب إلى تنوّع ثقافاتهم وظروفهم وتحدياتهم. ورغم ما كانت تحمله بعض تلك البيئات من قسوة وصعوبات، فإنها منحتني ثراءً إنسانيًا استثنائيًا، وعلّمتني أن الحياة لا تُفهم من زاوية واحدة، وأن لكل إنسان ظروفه وتجربته التي تستحق الفهم والاحترام.

وكان لهذا التنوع الاجتماعي والثقافي أثر بالغ في تشكيل شخصيتي وتوسيع رؤيتي للحياة؛ فقد تعلّمت من التعامل مع الناس على اختلاف مستوياتهم دروسًا لا يمكن أن تمنحها الكتب أو قاعات الدراسة وحدها. وأعتقد أن تلك التجارب، بما جمعته من قيم أسرية راسخة واحتكاك مباشر بواقع المجتمع المصري بكل تناقضاته وثرائه، شكّلت جانبًا أساسيًا من تكويني الإنساني، وتركت بصمتها على الطريقة التي أنظر بها إلى الناس وأتعامل معهم حتى اليوم.

 

س- ما أهم القيم التي تعلمتها من والديك؟ ومن الشخصية التي تركت الأثر الأكبر في حياتك، ولا تزال كلماتها أو نصائحها ترافقك حتى اليوم؟

ج- والدتي إحدى الشخصيات الأكثر تأثيرًا في حياتي؛ فقد كان لها دور أساسي في تشكيل شخصيتي وترسيخ القيم التي أستند إليها حتى اليوم، وفي مقدمتها العمل الدؤوب، والتوكل على الله، وعدم الاستسلام لليأس مهما اشتدت الصعوبات. ولا تزال كلمات جدتي حاضرة في ذاكرتي، وهي تردد المثل المصري الأصيل: «طولة العمر تبلّغ الأمل»؛ كلمات بسيطة تحمل حكمة عميقة، وتذكرني دائمًا بأن الأمل يستحق الصبر والسعي.

لقد تعلمت أن النجاح قد يتأخر، وأن الطريق قد يطول، لكن ذلك لا يعني أن نتوقف عن المحاولة. فكل جهد صادق يترك أثرًا، وكل خطوة تقرّبنا من غايتنا. ولهذا أعيش على مبدأ واضح: أواصل العمل، وأتوكل على الله، وأتمسك بالأمل؛ فما دامت لدينا القدرة على السعي، تظل أمامنا فرصة للوصول.

 

س- تشير سيرتك إلى تفوقك الدراسي منذ الصغر. هل كان الطب حلمك الأول، أم كانت لديك أحلام أخرى؟ وكيف جاء قرار الالتحاق بكلية طب قصر العيني؟

ج- لم يكن الطب حلم طفولتي الأول؛ فقد كان خيالي مشغولًا بالاكتشاف والاختراع، بين شغفٍ بالقراءة وحلمٍ بأن أصبح عالمًا للفضاء أو أنطلق في رحلة إلى الفضاء. وفي المدرسة، وجدت في النادي العلمي مساحةً أحوّل فيها فضولي إلى تجارب وأفكار وابتكارات بسيطة، كانت تمنحني فرحة اكتشاف شيء جديد.

أما قرار دراسة الطب، فقد تبلور لاحقًا، مع وصولي إلى المرحلة الثانوية، حين بدأت أحلام الطفولة تلتقي بأسئلة المستقبل واختيار المسار المهني. وقتها، وجدت في كلية الطب الخيار العملي الأنسب لي، فقررت الالتحاق بها، لتبدأ مرحلة جديدة في رحلتي مع العلم.

 

المحور الثاني: الدراسة والرحلة إلى أمريكا:

س- كيف تتذكر سنوات دراستك في كلية طب قصر العيني؟ ولماذا اخترت جراحة التجميل والترميم تحديدًا؟ وهل كان هناك أستاذ أو موقف غيّر مسارك المهني؟

ج- شكّلت السنوات الأولى من دراستي للطب في مصر محطة فارقة في حياتي، لم تقتصر أهميتها على التحصيل العلمي وحده، بل كانت تجربة إنسانية وثقافية ثرية، أتاحت لي اكتشاف المجتمع المصري عن قرب، بكل أطيافه وتنوّعه وعمق حضارته. فقد جمعتني مقاعد الدراسة بزملاء ينتمون إلى بيئات اجتماعية وثقافية مختلفة، ونشأت بيننا صداقات وعلاقات إنسانية فتحت أمامي آفاقًا جديدة لفهم الحياة والناس. وتعلّمت خلال تلك السنوات دروسًا لا تُدرَّس في قاعات المحاضرات، في مقدمتها فن التواصل، واحترام الاختلاف، وفهم الطبيعة الإنسانية، والتعامل مع تحديات الحياة ومواقفها المتنوعة. ولهذا أعتبر تلك المرحلة حجر الأساس في تكويني العلمي والمهني والإنساني، قبل أن أنتقل إلى مرحلة التدريب الطبي العملي، التي كانت بدورها رحلة استثنائية مليئة بالتجارب والتحديات، ولها حكاية أخرى تستحق أن تُروى…

وخلال تلك البدايات، سنحت لي فرصة السفر إلى فرنسا بمساعدة أحد أصدقائي وزملائي، الدكتور الأستاذ محمد نصر، رحمه الله، المتخصص في أمراض القلب. وقد ساعدتني إجادتي للغة الفرنسية على الاستفادة من تلك الفرصة والانخراط في بيئة طبية مختلفة، حيث أمضيت ثلاثة أشهر أعمل وأتدرّب مع أحد الأطباء المتخصصين في جراحة التجميل والترميم للأطفال. وكانت تجربة بالغة الأهمية، فتحت أمامي نافذة على الممارسات الطبية الأوروبية، وأتاحت لي اكتساب خبرات جديدة وتوسيع مداركي المهنية.

وفي نهاية تلك الفترة، عُرض عليّ البقاء في فرنسا ومواصلة مسيرتي الطبية هناك، وهو عرض كان من الممكن أن يغيّر اتجاه حياتي بالكامل. لكنني كنت أمتلك رؤية مختلفة لمستقبلي؛ فقد شعرت بأن الطريق الذي يتوافق مع طموحاتي يبدأ بالعودة إلى مصر لاستكمال تدريبي الطبي الأساسي، تمهيدًا للانطلاق نحو الولايات المتحدة الأمريكية، التي كنت أرى فيها المحطة التالية لتحقيق طموحاتي العلمية والمهنية.

 

س-  في عام 1998، اتخذت قرار السفر إلى الولايات المتحدة. ما الدافع الحقيقي وراء هذا القرار؟ وهل كنت تخطط للاستقرار في أمريكا أم العودة إلى مصر بعد استكمال دراستك؟

ج- بدأت فكرة السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية تتبلور في ذهني خلال عامَي 1994 و1995 تقريبًا، حين بدأت أفكر بجدية في خوض تجربة جديدة تفتح أمامي آفاقًا أوسع في مسيرتي الطبية والمهنية. ولم يكن الأمر مجرد رغبة في السفر، بل كان خطوة تطلّبت الكثير من الاستعداد والتخطيط؛ فبدأت في ترتيب أموري، واجتزت الامتحانات المطلوبة، ومضيت في هذا الطريق بإصرار وثقة في توفيق الله، ومع بداية رحلتي في أمريكا، أدركت أن النجاح لا تصنعه المؤهلات العلمية والاجتهاد وحدهما، بل تسهم فيه أيضًا العلاقات الإنسانية التي نبنيها على أسس من الثقة والاحترام المتبادل. فقد شاءت الظروف أن ألتقي بعدد من الأشخاص الذين جمعتني بهم علاقات قوية، تطورت وترسخت بمرور السنوات، وفتحت أمامنا آفاقًا جديدة من التعاون والعمل المشترك، حتى وصلت هذه العلاقات إلى ما هي عليه اليوم.

وبالنظر إلى تلك المرحلة، أستطيع القول إن رحلتي إلى أمريكا لم تكن مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل كانت بداية فصل جديد في حياتي، امتزجت فيه الطموحات المهنية بالتجارب الإنسانية، وكان لتوفيق الله، ثم للعمل الجاد والعلاقات التي نشأت على امتداد الطريق، دور مهم في تشكيل مسيرتي وما حققته خلالها.

 

س- حدثنا عن أيامك الأولى في أمريكا. ما أصعب التحديات التي واجهتها كمهاجر وطبيب مصري؟ وهل تعرضت لمواقف شعرت فيها بالغربة أو التمييز أو صعوبة إثبات الذات؟

ج- لم تكن بداياتي في الولايات المتحدة الأمريكية سهلة على الإطلاق، بل كانت واحدة من أصعب المحطات وأكثرها تأثيرًا في حياتي. فقد وصلت محمّلًا بالطموحات والآمال، لكنني اصطدمت منذ البداية بتحديات لم تكن في الحسبان؛ إذ كنت أعتمد على منحة دراسية تساعدني على استكمال مسيرتي، إلا أن الجامعة اعتذرت عن تقديم الدعم المالي بسبب ظروفها الاقتصادية الصعبة. وهكذا وجدت نفسي أمام واقع مختلف تمامًا عما خططت له، وكان عليّ أن أبحث عن حلول بديلة دون أن أتخلى عن هدفي.

وما زاد التجربة صعوبة أنني وصلت بمفردي إلى بلد لا أعرف فيه أحدًا، ولم يكن في محيطي مصريون أو عرب، أو حتى من يتحدث لغتي. وكان عليّ أن أبدأ من الصفر، من البحث عن مكان للإقامة وتدبير شؤون الحياة اليومية، إلى اتخاذ قراراتي بنفسي والتكيف مع مجتمع جديد تختلف ثقافته وعاداته عما اعتدت عليه.

كانت الأشهر الستة الأولى قاسية، ومليئة بتحديات الغربة والوحدة، لكنها كانت أيضًا من أكثر الفترات ثراءً في حياتي؛ فقد أتاح لي غياب المحيط العربي فرصة الاندماج المباشر في المجتمع الأمريكي، والتعرف عن قرب إلى ثقافته وطريقة تفكير أبنائه، واكتساب خبرات إنسانية واجتماعية ساعدتني لاحقًا على بناء علاقات قوية وفهم المجتمع الذي أصبحت جزءًا منه.

ورغم كل تلك الصعوبات، لم أفكر يومًا في الاستسلام أو التراجع؛ فهذه طبيعتي، عندما أضع هدفًا أمامي، أواصل السعي إليه مهما كانت العقبات. واليوم، عندما أستعيد تلك التجربة، أدرك أن الغربة لم تكن مجرد اختبار للصبر والإرادة، بل كانت مدرسة حقيقية صقلت شخصيتي، وعززت استقلاليتي وثقتي بنفسي، ووسّعت آفاقي.

والمفارقة أن الأشهر التي بدأت بأصعب التحديات، أصبحت فيما بعد من أجمل التجارب وأكثرها تأثيرًا في تشكيل شخصيتي ومسيرتي.

 

س- امتدت سنوات دراستك وتدريبك الطبي المتقدم لفترة طويلة. هل جاءت عليك لحظة شعرت فيها بالإحباط أو فكرت في التخلي عن حلمك؟ وما الذي منحك القوة للاستمرار؟

ج- لم أفكر يومًا في التراجع عن رحلتي أو التخلي عن طموحي، رغم ما واجهته من صعوبات وتحديات. وبالتأكيد، مررت بلحظات من الإحباط، وكانت هناك مراحل شديدة القسوة، خاصة في بدايات العمل، حين كان عليّ أن أواصل السعي وأتحمل ضغوطًا كبيرة، وأحيانًا بعض المعاملات التي لم تكن بالقدر المأمول من الود والتقدير. لكنني كنت أؤمن بأن الطريق إلى النجاح ليس مفروشًا بالورود، وأن الصبر والمثابرة جزء أساسي من أي تجربة تستحق أن نخوضها.

ومن أبرز التحديات التي عايشتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وما أعقبها من أجواء استثنائية وحساسية تجاه القادمين من الشرق الأوسط، خصوصًا أننا كنا لا نزال في سنواتنا الأولى بعد القدوم من مصر. كانت مرحلة دقيقة بكل المقاييس، وشهدت بعض المواقف العابرة التي لم تترك أثرًا يُذكر، ولم تتحول يومًا إلى عائق حقيقي أمام مستقبلي أو مسيرتي المهنية.

وهنا أحرص دائمًا على الإنصاف؛ فمن حق هذا البلد الجميل، الذي أتاح لنا فرصًا واسعة للعمل والنجاح، أن نعترف بفضله. فعلى الرغم من صعوبة بعض التجارب، لم أتعرض لظلم حقيقي أو تمييز حرمني من فرصة أستحقها، ولم أشعر بأن الأبواب أُغلقت أمام طموحي بسبب أصولي أو خلفيتي.

واليوم، حين أستعيد تلك السنوات، لا أتذكر صعوباتها بقدر ما أقدّر الدروس التي تعلمتها منها. فقد كانت تجربة إنسانية ومهنية ثرية، صقلت شخصيتي وعززت إيماني بأن النجاح لا يتحقق بغياب العقبات، وإنما بالقدرة على تجاوزها، وأن الإصرار على تحقيق الهدف هو ما يصنع الفارق في نهاية المطاف.

 

س- ما أكبر تضحية قدمتها في سبيل تحقيق النجاح المهني؟ وهل هناك شيء فقدته خلال هذه الرحلة، وتتمنى لو استطعت استعادته اليوم؟

ج- كانت التضحية الأكبر في رحلة اغترابي هي الابتعاد عن مصر وفراق أسرتي، خاصة أنني نشأت ابنًا وحيدًا لوالديّ، ولم أعتد يومًا الحياة بعيدًا عن دفء العائلة ورعايتها. ولم يكن قرار الرحيل سهلًا، فأن تترك وطنك وأهلك، وتبدأ حياتك من الصفر في بلد جديد، وتواجه تحديات الغربة بمفردك، تجربة تحمل الكثير من الصعوبات والتضحيات على المستويين الإنساني والنفسي.

وقد بلغ بي الحنين إلى الوطن حد التفكير الجاد في العودة والاستقرار بمصر خلال إحدى زياراتي لها، رغم الفرص والعروض المهنية التي كانت متاحة أمامي في الولايات المتحدة. لكن ما جعلني أعيد النظر في هذا القرار هو المساندة الكبيرة التي وجدتها من والديّ وأساتذتي، الذين آمنوا بقدراتي وطموحاتي، وشجعوني على مواصلة الطريق وعدم التخلي عن الحلم الذي سافرت من أجله.

لقد كان دعمهم مصدر قوة حقيقيًا في أصعب مراحل الرحلة، وساعدني على تجاوز مشاعر الغربة والحنين إلى الوطن، وأدركت بفضلهم أن تحقيق الأحلام الكبيرة يتطلب أحيانًا تضحيات مؤلمة، وأن الاستمرار رغم الصعوبات هو ما يصنع الفارق في النهاية.

 

المحور الثالث: النجاح الطبي والأكاديمي:

س- كيف بدأت رحلتك المهنية في كاليفورنيا حتى أسست مركزك الطبي الخاص؟ وما أصعب قرار أو تحدٍّ واجهته في مرحلة التأسيس؟

ج- كان حلمي منذ البداية أن أصبح أستاذًا جامعيًا، وأن أكرّس مسيرتي المهنية للتدريس والبحث العلمي. لكن الحياة لا تسير دائمًا وفق ما نخطط له، فقد تفتح أمامنا أبوابًا لم نكن نتوقعها، وتضعنا أمام فرص تعيد رسم ملامح المستقبل. ومع مرور الوقت، أدركت أن النجاح لا يعني بالضرورة السير في طريق واحد، بل يتطلب أحيانًا المرونة والشجاعة لاكتشاف مسارات جديدة تقودنا إلى الطموح نفسه.

وعندما انتقلت إلى كاليفورنيا، شعرت منذ اللحظة الأولى بأنني أمام بداية مختلفة، وأن هذه الولاية تحمل مقومات المكان الذي أستطيع أن أحقق فيه طموحاتي وأبني مستقبلًا مهنيًا يحمل بصمتي الخاصة. فقد وجدت فيها مساحة أرحب من الحرية، إلى جانب طبيعتها ومناخها وأجوائها التي أعادت إليّ شيئًا من روح مصر وألفة الوطن، فكان ذلك عاملًا مهمًا في شعوري بالراحة والانتماء والاستقرار.

وفي عام 2005، بدأت مرحلة جديدة بانضمامي إلى مجموعة طبية كبيرة، بالتزامن مع عملي في التدريس بجامعة جنوب كاليفورنيا (UCI) و (UCLA)، وهو ما أتاح لي الجمع بين الممارسة الطبية والعمل الأكاديمي. ثم جاءت النقلة الأهم في عام 2006، عندما اتخذت قرار تأسيس عيادتي الخاصة «Newport Plastic»، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من الاستقلال المهني، وتحويل سنوات الدراسة والخبرة والطموح إلى مشروع طبي يحمل رؤيتي وبصمتي الشخصية.

 

س- بعد سنوات من ممارسة جراحة التجميل والترميم، ما أصعب عملية جراحية أجريتها أو أكثر حالة إنسانية أثرت فيك؟ وما الذي تعلمته من تلك التجربة؟

ج- من أصعب العمليات هي عمليات جراحة تجميل الوجه، رغم صعوبتها وما تتطلبه من دقة بالغة؛ فكل مليمتر فيها له حساب، وكل خطوة تستدعي حرصًا شديدًا وتركيزًا كاملًا.

أما الحالات الإنسانية والأكثر تأثيرًا في نفسي، فهي حالات مرضى السرطان بلا شك. فمن خلال عملي في جراحات سرطان الثدي، اقتربت من هؤلاء المرضى ولمست معاناتهم، وهو ما جعل ارتباطي بهذا المجال يتجاوز الجانب المهني إلى إحساس عميق بألمهم ورغبة في مساعدتهم والتخفيف عنهم.

وتظل مواجهة الحالات المتقدمة، التي انتشر فيها المرض إلى أنحاء الجسم، من أصعب التجارب الإنسانية التي عشتها. فمع الوقت، تنشأ بيننا وبين المرضى علاقات وثيقة، ويصبح ما يمرون به مؤلمًا لنا أيضًا. وقد عايشت مع بعضهم أيامهم الأخيرة، وكانت لحظات شديدة القسوة، خصوصًا حين يكون المريض شابًا؛ فهذه مواقف تبقى في الذاكرة وتترك في النفس أثرًا يصعب وصفه.

تعلمت من تلك التجارب أن الطب ليس مجرد علم أو مهارة جراحية، بل رسالة إنسانية ومسؤولية كبيرة تتجاوز حدود غرفة العمليات. فقد علّمني مرضى السرطان، خاصة أصحاب الحالات المتقدمة، المعنى الحقيقي للصبر والشجاعة والتمسك بالأمل، حتى في أصعب الظروف. وأدركت أن المريض لا يحتاج فقط إلى طبيب يمتلك الخبرة والكفاءة، بل إلى إنسان يشعر بمعاناته، ويستمع إليه، ويمنحه الطمأنينة والدعم النفسي.

كما تعلمت أن النجاح في مهنة الطب لا يُقاس فقط بعدد العمليات الناجحة أو الأرواح التي نتمكن من إنقاذها، وإنما أيضًا بالأثر الإنساني الذي نتركه في حياة مرضانا وأسرهم. وربما كانت أصعب الدروس التي تعلمتها هي أن الطب، رغم كل ما حققه من تقدم، لا يستطيع دائمًا الانتصار على المرض، لكن الطبيب يستطيع دائمًا أن يحافظ على إنسانيته، وأن يكون مصدر رحمة وأمل وكرامة للمريض حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

 

س-  هل سبق أن واجهت مضاعفات جراحية أو نتيجة لم تكن كما توقعت؟ وكيف تتعامل مع مثل هذه المواقف، مهنيًا وإنسانيًا، أمام المريض وأسرته؟

ج- هناك مقولة متداولة بين الجراحين: «الجراح الذي لا يواجه مضاعفات، إما أنه لا يجري عمليات، أو أنه لا يقول الحقيقة كاملة». فالمضاعفات احتمال وارد في عملنا، وقد واجهتُ بالطبع مواقف صعبة تعلّمت منها. وأهم ما رسّخته لديّ هذه التجارب هو ضرورة أن يبذل الطبيب أقصى ما يستطيع من علم وجهد وتركيز، وأن يكون صادقًا مع مريضه، ويتحمّل مسؤولية قراراته. وأقول دائمًا لمرضاي: «أستطيع أن أمنحكم وقتي وتفكيري وجهدي، وأن أضع كل علمي وخبرتي في خدمتكم، لكنني لا أستطيع أن أضمن النتيجة بنسبة مئة في المئة». ولتقريب الفكرة، أضرب لهم مثالًا بقيادة السيارة للوصول إلى العيادة؛ فرغم الحرص والالتزام، تظل هناك احتمالات لأمور غير متوقعة. وكذلك الجراحة، نبذل كل ما في وسعنا للحدّ من مخاطرها، لكن لا يمكن إلغاء جميع الاحتمالات. ولهذا، فإن مهارة الجراح لا تقتصر على إجراء العملية، بل تظهر أيضًا في قدرته على التعامل مع المضاعفات إذا حدثت، ومصارحة المريض بما جرى، وشرح خطوات العلاج بوضوح. فالمسؤولية الحقيقية والشطاره أن تواجه الموقف بعلم وصدق، وأن تقف إلى جانب مريضك، وتبذل أقصى ما تستطيع لمساعدته على تجاوزه.

ولا تقتصر المصارحة على المريض وحده، بل تشمل أسرته أيضًا؛ فمن الضروري أن يكون الحوار معهم واضحًا وصادقًا، مع تفهّم مشاعرهم ومخاوفهم. ومن واقع تجربتي، فإن الغالبية العظمى من الناس تحترم هذا الصدق وتقدّره.

 

س- هل سبق أن رفضت إجراء عملية تجميل لمريض رغم استعداده لدفع تكلفتها؟ وأين تضع الخط الفاصل بين رغبة المريض ومسؤولية الطبيب الأخلاقية؟

ج- أحيانًا يكون أهم قرار يتخذه الجرّاح هو ألّا يُجري العملية. وقد اعتذرت عن إجراء جراحات كثيرة، وأقدّر أن نسبة الحالات التي أرفضها تصل إلى ٢٠٪ على الأقل من المرضى الذين يقصدونني؛ لأن موافقتي على أي تدخل جراحي تبدأ من اقتناعي بأنه يصبّ في مصلحة المريض. وتختلف أسباب الرفض؛ فقد تكون لديّ تحفظات أخلاقية على الإجراء المطلوب، أو أرى أن دوافع المريض لا تبرّر خضوعه للجراحة، أو لا نصل معًا إلى اتفاق على خطة أطمئن إلى أنها الأنسب له. عندها أشرح له موقفي بصراحة، وأقول: «قد لا أكون الجرّاح المناسب لك». فثقة المريض تضع على عاتقي مسؤولية أن أكون أمينًا معه، حتى لو كانت هذه الأمانة تقتضي الاعتذار عن إجراء العملية.

 

س- أصبحت جراحة التجميل صناعة ضخمة تتداخل فيها المعايير الطبية مع المال والشهرة ووسائل التواصل الاجتماعي. هل تعتقد أن بعض الممارسات تجاوزت الحدود الأخلاقية للمهنة؟ وكيف تحمي ثقة المرضى؟

ج- أؤمن بأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم من أهم أدوات التوعية الطبية، لكنها في الوقت نفسه سلاح ذو حدين، خاصة في مجال حساس ودقيق مثل جراحة التجميل. فهناك أمثلة في الولايات المتحدة لجراحين واجهوا إجراءات تأديبية وصلت إلى فقدان تراخيص مزاولة المهنة نتيجة ممارسات تجاوزت الضوابط المهنية والأخلاقية. وتخيّل أن يفقد جراح ترخيصه بعد أن أمضى عشرين أو ثلاثين عامًا من عمره في الدراسة والتدريب وبناء اسمه ومستقبله المهني؛ إنها خسارة لا تُقاس بالمال، بل بسنوات طويلة من الجهد والتضحيات.

ومع ذلك، لا أرى أن الحل يكمن في ابتعاد الأطباء عن هذه المنصات، بل على العكس تمامًا؛ فأنا من أشد المؤمنين بأهمية حضور الطبيب على وسائل التواصل الاجتماعي، شريطة أن يكون حضورًا مسؤولًا وهادفًا، يقوم على نشر المعرفة الطبية الصحيحة، وتوعية الجمهور، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، بعيدًا عن المبالغات أو السعي وراء الشهرة والمشاهدات على حساب أخلاقيات المهنة.

ومن خلال مشاركتي الفاعلة في الجمعية الأمريكية لجراحي التجميل (American Society of Plastic Surgeons)، نؤكد دائمًا مبدأً بالغ الأهمية: «إذا لم نبادر نحن الأطباء إلى إيصال المعلومة الطبية الصحيحة، فسيأتي من يملأ هذا الفراغ بمعلومات قد تكون خاطئة أو مضللة».

ولهذا أعتبر أن وجود الطبيب على منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستجرام لم يعد مجرد وسيلة للتواصل أو التعريف بنفسه، بل أصبح امتدادًا لمسؤوليته تجاه المجتمع. فالطبيب الحقيقي لا تقتصر رسالته على علاج المريض داخل غرفة العمليات، بل تمتد إلى حماية وعي الناس خارجها. والأهم أن يقدم المعرفة بأسلوب بسيط ومفهوم، يجمع بين الدقة العلمية والمصداقية والاحترام الكامل لكرامة المريض وخصوصيته.

 

س- إلى جانب عملك الجراحي، تشارك في التدريس وتدريب أجيال جديدة من الأطباء. ما الذي تعنيه لك هذه المسؤولية؟ وما أهم درس تحرص على نقله إلى الجراحين الشباب؟

ج- أضع التعليم في مقدمة أولوياتي؛ فهو مسؤولية أعتز بها، وفرصة متجددة للتعلّم أيضًا. فحين أنقل خبرتي إلى طبيب شاب، تدفعني أسئلته ومناقشاته إلى إعادة النظر فيما أعرفه، وتعميق فهمي، ومواصلة التطور. ولهذا أؤمن بأن التعليم يُثري الطرفين، مهما اختلفت سنوات الخبرة بينهما.

وتزداد قيمة هذه المسؤولية حين أتذكر أن الطبيب الذي أُسهم في تدريبه اليوم قد يتولى علاجي غدًا، أو علاج أحد أفراد أسرتي وأصدقائي، فضلًا عن المرضى الذين سيأتمنونه على صحتهم وحياتهم. من هنا، فإن إعداد جيل جديد من الأطباء امتداد لرسالتي في رعاية المرضى؛ لأن أثر ما أقدمه لهم من علم وخبرة سيصل إلى أناس قد لا ألتقي بهم يومًا.

لذلك، أحرص على مساندة الأطباء الشباب، ومساعدتهم على تنمية قدراتهم وتحقيق طموحاتهم. وأتمنى أن يتجاوزوا ما وصلت إليه؛ فأحد أهم معايير نجاحي في التعليم أن أرى من درّبتهم أكثر علمًا ومهارة، وأقدر على خدمة مرضاهم.

 

س- حصلت على جوائز وتكريمات عديدة خلال مسيرتك. أي إنجاز تعتز به أكثر من غيره، ليس بسبب شهرته أو قيمته المهنية، بل لما يمثله لك على المستوى الشخصي؟

ج- تحتل جائزة «الإنجاز المتميز» (Outstanding Achievement Award)، التي تشرفت بالحصول عليها هذا العام 2026 من مؤسسة «Egyptian American Organization»، مكانة خاصة بين التكريمات العديدة التي حظيت بها خلال مسيرتي المهنية، والتي شملت أيضًا جوائز وتقديرات مرموقة في مجال الطب وتخصصي الدقيق، من مؤسسات وهيئات علمية وطبية مختلفة، أعتز بها جميعًا لما تمثله من تقدير لسنوات طويلة من العمل والاجتهاد. غير أن لهذا التكريم تحديدًا قيمة وجدانية استثنائية، تتجاوز حدود التقدير المهني، وترتبط بذكريات عزيزة تعود بي إلى سنواتي الأولى في كاليفورنيا.

ففي بدايات استقراري هناك، دعاني صديقاي الدكتور زكريا رضا والأستاذة مها رضا إلى حضور حفل تكريم الدكتور محمد العيان، الذي كان من الحاصلين على هذه الجائزة. وأذكر أنهما تحدثا عنه بكثير من التقدير والاعتزاز، وشجعاني على التعرف إليه. وبالفعل، كان ذلك اللقاء الأول بيننا، لتنشأ بعده علاقة إنسانية ومهنية تطورت عبر السنوات إلى صداقة أعتز بها كثيرًا.

ولذلك، عندما جاء دوري هذا العام لنيل الجائزة ذاتها، لم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد تكريم لمسيرتي المهنية، بل لحظة استثنائية أعادت إلى ذاكرتي تفاصيل تلك البدايات، وما حملته من طموحات وتحديات وعلاقات إنسانية تركت أثرًا عميقًا في حياتي.

وما يضاعف اعتزازي بهذا التكريم أن الجائزة ارتبطت بأسماء وقامات علمية مرموقة، من بينها العالم المصري الكبير الدكتور أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل، إلى جانب نخبة من الشخصيات التي تركت بصمات بارزة في مجالات العلم والبحث العلمي وخدمة المجتمع.

وبكل تواضع، لا أضع نفسي في مصاف هذه القامات الكبيرة، لكن مجرد أن يُذكر اسمي ضمن المكرَّمين من مؤسسة سبق لها الاحتفاء بمثل هذه الشخصيات، يمثل بالنسبة لي شرفًا كبيرًا ومصدرًا للفخر والامتنان. والأهم أنني أنظر إلى هذا التقدير، شأنه شأن سائر التكريمات التي نلتها، باعتباره مسؤولية متجددة وحافزًا لمواصلة العمل والعطاء؛ لأن القيمة الحقيقية لأي تكريم لا تكمن في لحظة تسلّمه، بل في الأثر الذي نتركه في حياة الآخرين، وما نستطيع تقديمه من علم وخبرة وخدمة للمجتمع.

 

س- بعيدًا عن العيادة وغرف العمليات، كيف تصف هشام الصيفي الزوج والأب والإنسان داخل أسرته؟ وكيف استطعت تحقيق التوازن بين مسؤوليات العمل والحياة العائلية؟

ج- أحرص دائمًا، قدر الإمكان، على قضاء أكبر وقت مع أسرتي، وإشراكهم في الأنشطة التي أقوم بها، كما نحاول أن نسافر معًا كلما أتيحت الفرصة.

وأؤمن بالمثل المصري: «إن كبر ابنك خاويه»؛ ففي مرحلة معينة، تحتاج علاقتك بأبنائك إلى أن تتسع للصداقة، مع الحفاظ على دورك ومسؤوليتك كأب. لذلك أحاول أن أجمع بين أدوار الأب والصديق والأخ؛ أكون قريبًا منهم، أستمع إليهم وأساندهم، وأوجّههم حين يحتاجون إلى التوجيه.

وأدرك أنهم نشأوا في بيئة مختلفة عن البيئة التي نشأنا فيها، ولذلك أحاول أن أتفهّم هذا الاختلاف وأراعيه في تعاملي معهم.

 

س- هل شعرت يومًا أن النجاح المهني جاء على حساب أسرتك أو علاقاتك الشخصية؟ وهل هناك لحظات أو مناسبات عائلية فاتتك بسبب العمل وما زلت تشعر بالندم عليها؟

ج- في الحقيقة لا.. لأنى أحرص دائمًا على قضاء الوقت مع أسرتي في أمريكا ومشاركتهم تفاصيل الحياة، لكن يبقى البُعد عن أهلي في مصر من أصعب ما حملته الغربة. فرغم الزيارات المتبادلة، افتقدت وجودي إلى جوارهم في مراحل كثيرة، خصوصًا في أيامهم الأخيرة؛ فالزيارات، مهما تكررت، لا تعوّض دفء القرب والمشاركة اليومية.

 

س- من هو الشخص الذي تلجأ إليه عندما تواجه أزمة شخصية أو لحظة ضعف؟ وهل من الصعب على إنسان ناجح اعتاد تحمل المسؤولية أن يعترف أحيانًا بحاجته إلى المساعدة؟

ج- كنت أخجل في صغري من طلب المساعدة، ظنًّا أنها علامة ضعف، لكن الحياة علّمتني أن القوة الحقيقية في أن نطلب الدعم ونتبادله مع الآخرين؛ نستمد منهم القوة ونمنحهم إياها.

والحمد لله، لديّ أصدقاء مقرّبون من الطفولة والدراسة، وآخرون عرفتهم في أمريكا، ألجأ إليهم وأتحدث معهم بثقة. ومع الوقت، أدركت أن لكل علاقة مساحتها؛ فهناك من أشاركه أموري الشخصية، ومن أستشيره في العمل، وهذا التفاهم متبادل بيننا.

 

س- هل مرت بك تجربة شخصية مؤلمة أو فقدان إنسان عزيز غيّر نظرتك إلى الحياة؟ وكيف أثرت تلك التجربة في شخصيتك وطريقة تعاملك مع الآخرين؟

ج- كانت إصابة والدتي بالسرطان نقطة تحوّل في نظرتي إلى الحياة؛ فبينما كانت تبدو بصحة جيدة، فوجئنا بأن المرض في مرحلته الرابعة. كانت صدمة قاسية، جعلتني أدرك حدود قدرتنا على توقّع الغد، مهما امتلكنا من علم وخبرة. ومن المفارقات التي تركت أثرًا عميقًا في نفسي أن الجرّاح الذي أجرى عمليتها توفي قبلها، ليترسّخ بداخلي أن الأعمار بيد الله. علّمتني هذه التجربة أن أقدّر قيمة كل يوم، وأستمتع بقرب أحبائي، وألّا أؤجّل الحياة انتظارًا لظروف أفضل؛ فلا أحد يعرف كم بقي له من الوقت…

 

س- ما دور الإيمان والقيم الروحية في حياتك؟ وهل مررت بموقف شعرت فيه أن العلم وحده لا يكفي لمواجهة ما يحدث أمامك؟

ج- علمتني الحياة أن أسعى وأجتهد، وأن أؤمن بأن فوق كل سعي إرادة الله وتدبيره؛ فما كتبه لي سيأتيني، وما لم يُكتب لي لن أناله مهما حاولت. والوصول إلى هذا اليقين يمنحني سلامًا داخليًا وقوة للمضي قدمًا، فأعمل وأترك النتائج لله، مستندًا إلى إيماني به، وجهدي، وعلاقاتي الطيبة بالناس، وما أقدمه من خير.

لكن هذا اليقين لم أصل إليه بسهولة؛ فهناك فرق بين أن نردد كلمات الرضا والتسليم، وأن نؤمن بها من أعماقنا. وبين القول والقناعة رحلة طويلة من السنوات والتجارب والتعب، حتى يصبح ما نقوله إيمانًا حقيقيًا نعيش به.

 

المحور الرابع: العمل الخيري ودعم مرضى السرطان:

س- رغم تخصصك في جراحة التجميل، أصبح لك حضور بارز وإسهامات إنسانية مؤثرة في دعم مرضى السرطان، وخاصة الأطفال. كيف بدأت رحلتك في هذا المجال؟ وما أبرز المحطات والتجارب التي أسهمت في تشكيل رؤيتك للعمل الخيري والإنساني، وجعلت من دعم مرضى السرطان جزءًا أساسيًا من رسالتك في الحياة؟

ج- بدأت جذور تجربتي مع «ECN» عام 1992، حين قضيت شهرين من فترة الامتياز بقسم أورام الأطفال في معهد الأورام بمصر.

جاء اختياري للقسم بالمصادفة، لكنه فتح بابًا لعلاقة إنسانية امتدت لسنوات؛ إذ تعرفت هناك على الدكتور شريف أبو النجا، الذي أسهم لاحقًا، مع نخبة من المخلصين، في تأسيس مستشفى 57357.

وجاءت نقطة التحول عام 2007، عندما أصيبت والدتي بالسرطان، وأصبحت أسافر إلى مصر كل شهر أو شهرين. وخلال لقاء على العشاء في القاهرة، طرح عليّ الدكتور شريف فكرة تأسيس منظمة غير ربحية في الولايات المتحدة لدعم مرضى السرطان، ودعاني للمشاركة مع آخرين. وجدت في الفكرة استجابة لشعور عميق داخلي بأن عليّ أن أفعل شيئًا؛ فإذا لم أستطع تغيير واقع مرض والدتي، فربما أستطيع المساهمة في تغيير واقع مرضى آخرين.

وهذا ما تعلمته من التجارب المؤلمة: قد نعجز عن إنقاذ شخص نحبه، لكن يمكننا أن نحوّل ألمنا إلى فرصة لإنقاذ آخرين، من هنا بدأت الرحلة، بخطوات بسيطة وإيمان بالفكرة، ثم كبرت بتوفيق الله وجهود كل من شارك ودعم. وما تحقق من نجاح هو ثمرة عمل جماعي ومساندة أصدقاء ومحبين آمنوا برسالتنا، وأنتم منهم.

 

س- حــدثــنـــا عــــن دورك في شــبــكــة مـصــر لـلســرطـان ECN وWorldwide Cancer Network، وأهم المبادرات التي شاركت في تنفيذها لدعم مستشفى سرطان الأطفال 57357 في مصر؟

ج- بدأت خطوات تأسيس المؤسسة نحو عام 2009، ثم انطلق العمل الفعلي المكثف وجمع التبرعات عام 2011. ولا أنسى أول اجتماع لمجلس الإدارة؛ كنت بين شخصيات أكبر مني سنًا وخبرة ومكانة علمية، يتقدمهم الدكتور شريف أبو النجا، ونخبة من المتخصصين في علاج السرطان. فوجئت باختيارهم لي رئيسًا للمؤسسة، بترشيح من الدكتور شريف وموافقة الجميع.

فهمت لاحقًا أن هذا الاختيار حمل ثقة في قدرتي على بذل الجهد وتقديم رؤية وقيادة العمل. وكان للدكتور شريف دور كبير في تشجيعي وتعليمي وتعزيز ثقتي بنفسي؛ وهي ثقة منحتني دافعًا لمضاعفة جهدي وتحمل المسؤولية.

وعلى امتداد نحو سبعة عشر إلى ثمانية عشر عامًا، تركز جانب كبير من جهودنا على دعم مستشفى سرطان الأطفال 57357، من خلال التعليم والتدريب والبحث العلمي، والمساهمة في تطوير المنشآت وتوفير الأجهزة ودعم علاج الأطفال. وشملت مجالات الدعم زراعة نخاع العظم، والعلاج بالخلايا التائية المعدلة «CAR-T»، ومشروع العلاج بالبروتون الجاري العمل عليه.

ولم يقتصر نشاطنا على مستشفى 57357؛ بل امتد إلى جامعة القاهرة والمعهد القومي للأورام ومستشفيات وجهات أخرى في مصر، والتعاون مع وزارة الصحة. وظل المبدأ الذي يحكم عملنا واضحًا: أن نمد يد العون حيث نستطيع أن نصنع فارقًا، مع الحفاظ على تركيزنا في مجال تخصصنا مكافحة السرطان.

 

س- هل هناك طفل مريض بالسرطان أو أسرة قابلتها وتركت في نفسك أثرًا لا يُنسى؟ وما الذي تعلمته من هذه التجارب الإنسانية عن الألم والأمل وقيمة الحياة؟

ج- من أصعب التجارب التي عشتها أن تتعرف على مريض سرطان، وتتعلق به، ثم تفقده، خصوصًا عندما يكون طفلًا. عايشت هذا الألم عام 1992، خلال شهرين قضيتهما بقسم أورام الأطفال في معهد الأورام؛ كنت أرى الطفل مساءً، ثم أعود صباح اليوم التالي لأجد أنه رحل. لا يمكن وصف حجم الحزن والعجز في تلك اللحظات، لكنها زرعت داخلي قناعة بأن هذا الواقع لا بد أن يتغير.

ومن هذا الوجع، تبلورت فكرة مستشفى 57357؛ كان الدكتور شريف أبو النجا يرى أطفالًا يفقدون حياتهم لعدم توافر الإمكانات اللازمة لعلاجهم، وكان لا بد من التحرك وبناء واقع يمنحهم فرصة أفضل للعلاج والحياة.

 

المحور الخامس: مصر والجالية المصرية والانتماء:

س- بعد ما يقرب من ثلاثة عقود في الولايات المتحدة، كيف ترى علاقتك بمصر اليوم؟ وما أكثر شيء تفتقده في وطنك الأم رغم نجاحك واستقرارك في أمريكا؟

ج- كانت السنوات الثماني أو التسع الأولى لي في أمريكا مرحلة شاقة، انشغلت خلالها باستكمال دراساتي والحصول على الشهادات اللازمة. وما إن انتهيت، حتى بدأت مشاركتي في مصر بإلقاء المحاضرات وإجراء العمليات، والمساهمة في إتاحة فرص تدريب للأطباء في الولايات المتحدة. شعرت دائمًا أن نقل المعرفة والخبرة إلى بلدي واجب عليّ، وأن نجاحي لا يكتمل إلا بهذا العطاء، والحمد لله ما زلت مستمرًا فيه حتى اليوم.

وبالطبع أشتاق إلى مصر وشوارعها وأهلها، لكن التواصل الدائم يخفف إحساسي بالبعد؛ فأنا أعيش تفاصيلها كل يوم، عبر المكالمات والرسائل والمشاركة في مشروعات صحية وتعليمية، فضلًا عن زيارتها ثلاث أو أربع مرات سنويًا. وهذا يمنحني سعادة كبيرة؛ فقد استطعت أن أبني حياتي في أمريكا وأظل حاضرًا وفاعلًا في مصر، وأتمنى أن يمنحني الله القدرة على مواصلة هذا الدور.

 

س- بصفتك رئيسًا للجنة العلماء والأطباء بالاتحاد العام للمصريين في الخارج بأمريكا، كيف ترى دور العلماء والأطباء المصريين في الخارج في خدمة وطنهم؟ وما المبادرات التي تطمح إلى تحقيقها من خلال اللجنة؟

ج- أعتز بثقة زملائي واختيارهم لي لتمثيل هذه النخبة من العلماء والأطباء الناجحين، الذين تجمعهم رغبة صادقة في خدمة مصر. والمسؤولية كبيرة؛ فالحماس للمساعدة موجود، لكن تحويله إلى أثر مستدام يحتاج إلى منظومة واضحة ومنظمة.

نعمل حاليًا مع الأستاذ رأفت صليب، رئيس الاتحاد، والنائب المهندس هشام ستيته، ومجموعات عمل في مصر، وبالتنسيق مع وزارة الصحة والقصر العيني وعين شمس ومستشفيات الشرطة والجيش، لوضع آلية للتعاون العلمي تقوم على التدريب وتبادل الخبرات وإلقاء المحاضرات. فهدفنا ليس تقديم دعم مادي، بل نقل المعرفة وبناء القدرات، انطلاقًا من إيماني بأن العمل الذي يُبنى على أسس سليمة هو الأقدر على الاستمرار والتأثير.

 

المحور السادس: المواجهة مع الذات والمستقبل:

س- بعد كل ما حققته من نجاح مهني ومكانة اجتماعية، هل أنت راضٍ تمامًا عن الإنسان الذي أصبحت عليه؟ وما أكبر خطأ أو قرار ندمت عليه، ولو عاد بك الزمن هل كنت ستغيره؟

ج- أؤمن بالمثل القائل: «طولة العمر تبلّغ الأمل»؛ فما لم تحققه في الخامسة والعشرين قد تحققه في الأربعين أو بعدها. المهم ألا تيأس، وأن تواصل السعي. وقد علّمتني الحياة أن الأمنيات لا تتحقق دائمًا في الوقت الذي نختاره، وإنما في الوقت الذي يختاره الله، حين نكون أكثر نضجًا واستعدادًا لتحمّل مسؤوليتها.

أمور تمنيتها قبل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة تحققت لاحقًا، واكتشفت أن تأخرها كان في صالحي. وفي إحدى المرات، توقعت أن أتولى رئاسة مؤسسة، لكن المنصب ذهب إلى شخص آخر. شعرت بضيق عابر، ثم أدركت أن مسؤولياتي آنذاك لم تكن تسمح لي بمنح الدور ما يستحقه. تعلّمت أن دوري هو أن أعمل وأحلم وأؤدي واجبي اليوم، وأترك توقيت النتائج لله.

أما الندم، فلا أشعر به تجاه قراراتي المصيرية؛ أنا سعيد باختياري الطب، وانتقالي إلى أمريكا، وبأسرتي وأصدقائي. وبالطبع، هناك تفاصيل صغيرة كنت أتمنى التعامل معها بصورة مختلفة، لكنني لا أحاكم نفسي بالأمس بمعرفة اليوم؛ فقد اتخذت قراراتي وفق ما كنت أعرفه وقتها. أراجع تجاربي لأتعلّم منها، لا لأظل أسير الندم عليها.

 

س- ما أكثر شيء تخشاه اليوم؟ وهل تغيرت نظرتك إلى المال والشهرة والنجاح والسعادة مع التقدم في العمر؟ وما الذي يمنحك راحة البال الحقيقية؟

ج- أخشى أن تُنسيني النعمة شكر الله، وأن يُبعدني النجاح عن التواضع، أو أن يمضي العمر دون أن أؤدي رسالتي. وأؤمن بأن كل فرصة لمساعدة إنسان هي مسؤولية يضعها الله في طريقي؛ فربما دعا هذا الشخص ربَّه، فكنتُ سببًا في الاستجابة لدعائه. لذلك أدعو الله دائمًا ألا يدخل الغرور قلبي، وألا أتأخر عن مساعدة من أستطيع مساعدته.

نعم، تغيّرت كثيرًا نظرتى إلى المال والشهرة، أصبحت أرى المال وسيلة للأمان والاستقرار وحرية الاختيار، وفرصة لصنع الخير؛ فقد يبني مستشفى، أو يعالج مريض سرطان، أو يفتح لإنسان باب التعليم. المال مسؤولية، وأؤمن بأن الإنسان سيُسأل عمّا أنفقه فيه.

أما الشهرة والنجاح فهما نعمة من الله تستوجب الشكر والتواضع؛ فلا شيء يدوم، وقد تتبدل أحوال الإنسان بين يوم وآخر. ما يهمني اليوم هو راحة البال، وأن أواصل العمل والنجاح وأؤدي دوري، حتى أصل إلى نهاية الرحلة وأنا مطمئن إلى أنني أدّيت رسالتي، وقمت بما كان عليّ من واجب.

 

س- لو عاد بك الزمن إلى عام 1998، وجلست أمام هشام الصيفي الشاب الذي يستعد لمغادرة مصر إلى أمريكا، ما النصيحة التي ستقدمها له؟ وما الذي ستحذره منه؟

ج- لو عدت بالزمن، لقلت لنفسي: أمامك طريق صعب، ستتعب وتخطئ وتصحح أخطاءك، وقد يضيع منك وقت، لكن ثق بنفسك، وفكّر جيدًا في اختياراتك، وتوكّل على الله؛ ففي النهاية ستكون مشيئته.

لقد علّمتني الحياة معنى «نعمة الأبواب المغلقة»؛ فكم حزنت على فرصة عمل لم تتحقق، أو علاقة لم تكتمل، ثم أدركت لاحقًا أن إغلاق ذلك الباب كان خيرًا لي. نحن نحزن على ما فاتنا، دون أن نعرف ما كان ينتظرنا لو حصلنا عليه، وأهم ما سأوصي به نفسي: لا تغترّ بالنجاح، ولا تستسلم لليأس؛ حافظ على تواضعك وأملك، وثق بأن بعض ما مُنع عنك كان نعمة لم تفهمها إلا بمرور الوقت.

 

س- أخيرًا، عندما تنظر إلى المستقبل، ما الحلم الذي لم تحققه بعد؟ وكيف تتمنى أن يتذكرك الناس بعد سنوات طويلة: جراحًا ناجحًا، أم أستاذًا ساهم في إعداد أجيال من الأطباء، أم إنسانًا ترك أثرًا في حياة الآخرين؟ وما الرسالة التي توجهها إلى الشباب المصري الذي يحلم بتكرار تجربة نجاحك؟

ج- أرى المستقبل مشروعًا مستمرًا؛ فما زالت هناك أحلام لم تكتمل، وأشياء أتطلع إلى تحقيقها. وألهمتني فكرة سمعتها من محمد صلاح، مفادها أن مشوار الإنسان قد يمنح غيره حلمًا. ومن دون أي مقارنة، أتمنى أن يرى شاب في مصر تجربتي فيقول: «إذا استطاع أن يصل، فلماذا لا أحاول؟». لو أصبح مشواري دافعًا لشخص آخر كي يؤمن بنفسه ويسعى، فسأعتبر ذلك إنجازًا يسعدني كثيرًا.

وأحب أن يتذكرني الناس جراحًا مخلصًا وأمينًا مع مرضاه، يسعى دائمًا إلى أن يكون أفضل، ويظل أستاذًا وتلميذًا في الوقت نفسه؛ يتعلم من الآخرين، ويشاركهم علمه، ويساعد الجيل الجديد على التقدم. أتمنى أن أترك أثرًا طيبًا في كل مكان كنت فيه.

ورسالتي للشباب: لا تجعلوا صعوبة الطريق حكمًا مسبقًا باستحالة الوصول. اجتهدوا وركزوا، وتذكروا أن النجاح قصة شخصية؛ لكل إنسان ظروفه وفرصه وأبوابه التي تُفتح أو تُغلق. وليس السفر وحده دليلًا على النجاح؛ فقد يكون دورك الحقيقي وإنجازك الأكبر في مصر. المهم أن تعرف أين تستطيع أن تقدم أفضل ما لديك.

وأؤمن بأن الله منح كلًّا منا دورًا واختبارات ونعمًا سنُسأل كيف استخدمناها. فقيمة الرحلة لا تُقاس فقط بما حققناه، وإنما أيضًا بنقطة البداية، وبما فعلناه بعلمنا وصحتنا ومالنا وقدرتنا على التأثير: هل ساعدنا الناس؟ هل أنصفناهم؟ وهل منحنا غيرنا فرصة؟

لا أرى خطأً في الاستمتاع بثمار النجاح، لكن القيمة الأعمق، في نظري، هي أن نترك الدنيا أجمل مما وجدناها، ولو في الدائرة الصغيرة التي نعيش فيها.

 

س- في ختام حوارنا، نود أن نتعرف إلى رأيك في تجربة صحيفة وموقع «كاريزما» ودورها الإعلامي في خدمة الجالية المصرية والعربية بالولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة في كاليفورنيا. وكيف ترى مستقبل الصحافة الورقية في ظل التطور التكنولوجي المتسارع وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل تعتقد أن الصحيفة المطبوعة ما زالت تحتفظ بمكانتها وتأثيرها لدى القراء؟

ج- أرى أن الحضور الرقمي أصبح ضرورة، مع الوقت الذي نقضيه جميعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنني أؤمن بأن الصحافة الورقية ستظل تحتفظ ببريقها ومكانتها واحترامها. فالجريدة التي نحملها بين أيدينا لها خصوصيتها، خاصة لدى أبناء جيلي، وإن كان الوصول إلى الأجيال الأصغر يمثل تحديًا أكبر.

وأتمنى لـ«كاريزما» مزيدًا من النجاح والانتشار، ويسعدني أن أساهم بما أستطيع في دعم دورها الجميل في خدمة المجتمع ومساندة أهدافها النبيلة وتشجيعها لما تصنعة من نجاحات في المهجر.

وأقول لك، أستاذ وائــل لطف الله: أنا سعيد بصداقتك، وأقدّر أخلاقك وأفكارك وإصرارك وعملك الدؤوب، وأتطلع إلى أن نتعرف أكثر ونتعاون في أعمال تخدم المجتمع. شكرًا لك من القلب.

 

تعتز أسرة صحيفة وموقع «كاريزما» باستضافة الدكتور هشام الصيفي على صفحاتها، وتتشرف بتسليط الضوء على مسيرته المتميزة، التي تمثل نموذجًا مشرفًا لنجاحات أبناء مصر في الولايات المتحدة الأمريكية.

إن رحلتكم من قاعات الدراسة في مصر إلى مكانة علمية ومهنية مرموقة في كاليفورنيا، وما تحمله من إنجازات طبية وأكاديمية ومبادرات إنسانية نبيلة، تستحق أن تُروى للأجيال، ليس فقط باعتبارها قصة نجاح، بل باعتبارها رسالة ملهمة تؤكد أن العلم والإرادة والعمل الجاد والعطاء الإنساني قادرة على صناعة الفارق في حياة الإنسان والمجتمع.

ونحن في «كاريزما» نؤمن بأن من أهم رسائلنا الإعلامية إبراز النماذج المصرية والعربية المشرفة والناجحة في المهجر، وتوثيق تجاربها وإنجازاتها، لتظل مصدر فخر وإلهام للأجيال الحالية والقادمة.

شكرًا لكم، دكتور هشام الصيفي، على ثقتكم في كاريزما وإتاحة الفرصة لنا وللقرّاء للاقتراب من تجربتكم الإنسانية والمهنية. ويسعدنا ويشرفنا أن تكونوا أحد ضيوف صفحاتنا، متمنيين لكم دوام النجاح والتوفيق ومزيدًا من العطاء في خدمة الإنسانية.. أسرة صحيفة كاريزما..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى