لينا خورى

طـعـنــة الغـفـلــة

بقلم/ لينا خورى

مــــن‭ ‬منــا‭ ‬لم‭ ‬يتقابل‭ ‬مع‭ ‬الخيانة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خلعـــت‭ ‬أحــد‭ ‬أقنعــة‭ ‬احتيــالهـــا؟

وكأن‭ ‬السؤال‭ ‬من‭ ‬منا‭ ‬لم‭ ‬يصبه‭ ‬الزكام‭ ‬طوال‭ ‬حياته؟‭ ‬الخيانة‭ ‬ليست‭ ‬بذرة‭ ‬هائمة‭ ‬حملتها‭ ‬رياح‭ ‬الجهات‭ ‬الأربع،‭ ‬ولا‭ ‬نبتة‭ ‬شاذة‭ ‬عن‭ ‬بيئتها.

بل‭ ‬هي‭ ‬الظل‭ ‬المرتدي‭ ‬سواد‭ ‬الليل،‭ ‬المتواري‭ ‬خلف‭ ‬كواليس‭ ‬أجمل‭ ‬المشاعر‭ ‬وأرقى‭ ‬العهود‭…‬

الخيانة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬العفوية‭ ‬كما‭ ‬الصدق‭ ‬والخيـــر‭ ‬ولهفـــة‭ ‬فـــرح‭ ‬تواصـــل‭ ‬المشـــاعر

بـــل‭ ‬هي‭ ‬اختيـــار‭ ‬وقـــرار،‭ ‬وتفكير‭ ‬تراكـــم‭ ‬فيه‭ ‬ضجيج‭ ‬وفوضى‭ ‬الرغبات‭ ‬وحلم‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المحطات‭ ‬بأقصر‭ ‬المسافات‭.‬

نحن‭ ‬نتناول‭ ‬فعل‭ ‬الخيانة‭ ‬كحدث‭ ‬شاذ‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ولكنها‭ ‬نتيجة‭ ‬لفعل‭ ‬تراكمي‭ ‬وليست‭ ‬فعل‭ ‬فطري‭ ‬في‭ ‬الإنسان.

فالخيانة‭ ‬تسري‭ ‬في‭ ‬مجاري‭ ‬يوميات‭ ‬الحياة متوارية‭ ‬خلف‭ ‬حواجز‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الانسان‭ ‬تجاوزها‭. ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬خيانة‭ ‬الزمن‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تتوائم‭ ‬رغبات‭ ‬الإنسان‭ ‬المحلقة‭ ‬مع‭ ‬قدرته‭ ‬الفعلية،‭ ‬المسورة‭ ‬بالزمن‭ ‬وحدود‭ ‬العمر،‭ ‬خيانة‭ ‬الأطياف‭ ‬الملونة‭ ‬للأحلام‭ ‬والأمنيات‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬يفرض‭ ‬قراره‭ ‬كمطرقة‭ ‬الحكم،‭ ‬عندما‭ ‬تنهار‭ ‬الثقة‭ ‬بالمشاعر‭ ‬وعزيمة‭ ‬القرار‭ ‬أمام‭ ‬قهر‭ ‬حدث،‭ ‬فتكون‭ ‬خيانة‭ ‬لاختبار‭ ‬العهود‭ ‬الذاتية‭…‬

ولكنها‭ ‬خيانات‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬التقييم‭ ‬والحكم،‭ ‬لأنها‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬الزمن‭ ‬وملامح‭ ‬الحياة،‭ ‬ولا‭ ‬مصالحة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والزمن،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يخضع‭ ‬للزمن‭ ‬يقبل‭ ‬المصالحة‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الخيانات،‭ ‬لأنه‭ ‬أقوى‭ ‬منها‭ ‬بامتلاكه‭ ‬ديناميكية‭ ‬الاستمرار‭ ‬والتجدد‭ ‬بالأمل‭ ‬وبحيوية‭ ‬الحب،‭ ‬فتتلاشى‭ ‬ذكراها‭ ‬مع‭ ‬أمواج‭ ‬الحياة،‭ ‬كما‭ ‬يذوب‭ ‬الثلج‭ ‬عن‭ ‬أغصان‭ ‬شجر‭ ‬الشوح‭ ‬والصنوبر‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يسرق‭ ‬من‭ ‬نضارتها‭ ‬لون‭…‬

أما‭ ‬القبح‭ ‬المتنكر‭ ‬بقناع‭ ‬مموه‭ ‬من‭ ‬أرفع‭ ‬القيم‭ ‬وأنبل‭ ‬المشاعر‭ ‬فهو‭ ‬يدعى‭ ‬الخيانة‭ ‬البشرية،‭ ‬وهي‭ ‬فعل‭ ‬خبيث‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬التكوين‭ ‬الفردي‭ ‬للشخص،‭ ‬فالغيرة‭ ‬وضحالة‭ ‬التفكير،‭ ‬وفقدان‭ ‬إمكانيات‭ ‬النجاح‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬الغير،‭ ‬والسعي‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تشتهي‭ ‬النفس‭ ‬وما‭ ‬يطفئ‭ ‬سعير‭ ‬الرغبة‭ ‬الجامحة‭ ‬بأبسط‭ ‬الطرق‭ ‬وأسرعها‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬أقذرها،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يفتح‭ ‬باب‭ ‬التفكير‭ ‬لاختيار‭ ‬القالب‭ ‬المثالي‭ ‬لتقمص‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭. ‬وغالباً‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬أنقى‭ ‬وأثمن‭ ‬وأجمل‭ ‬القوالب‭ ‬الإنسانية‭.‬

الخيانة‭ ‬هي‭ ‬فعل‭ ‬موت،‭ ‬نرى‭ ‬فيه‭ ‬فساد‭ ‬الجمال،‭ ‬وتلاشي‭ ‬قمم‭ ‬الأخلاق،‭ ‬وفرط‭ ‬عِقد‭ ‬المشاعر‭ ‬المتلاحمة،‭ ‬واحتراق‭ ‬لصور‭ ‬الذاكرة‭ ‬الملونة‭ ‬بالعذوبة‭.‬‭ ‬الخيانة‭ ‬تستمد‭ ‬خصوبتها‭ ‬من‭ ‬الضعف‭ ‬بمواجهة‭ ‬المشاعر‭ ‬والتصريح‭ ‬عن‭ ‬الرغبات‭.‬

فخيانة‭ ‬الصداقة‭ ‬تقتل‭ ‬حرية‭ ‬اختيار‭ ‬شقيق‭ ‬الروح‭ … ‬وخيانة‭ ‬الحب‭ ‬تطمس‭ ‬بالسواد‭ ‬سماوية‭ ‬الوفاء‭ ‬وتزلزل‭ ‬أعمدة‭ ‬الإخلاص‭… ‬وخيانة‭ ‬الوطن‭ ‬تعدم‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬كيان،‭ ‬وتنفي‭ ‬الوجود‭ ‬إلى‭ ‬العدم‭… ‬أما‭ ‬خيانة‭ ‬الذات‭ ‬فهو‭ ‬هدم‭ ‬لهيكل‭ ‬هش‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬رمال‭ ‬متحركة‭.‬

الخيانة‭ ‬فعل‭ ‬هدم‭ ‬للخائن‭ ‬ولضحيته،‭ ‬فالخائن‭ ‬فقد‭ ‬المعايرة‭ ‬القيمية،‭ ‬واكتفى‭ ‬بنظرة‭ ‬مسطحة‭ ‬للحياة‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تفاوت‭ ‬أخلاقي،‭ ‬نظرة‭ ‬تحفز‭ ‬بصيرتها‭ ‬بواعث‭ ‬النفاق‭ ‬والغيرة‭ ‬وهشاشة‭ ‬الذات‭.‬

أما‭ ‬الضحية‭ ‬فالألم‭ ‬يبتلع‭ ‬كل‭ ‬الردود‭…‬ألم‭ ‬ذهول‭ ‬أمام‭ ‬هدم‭ ‬جسور‭ ‬روحية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬ولكنه‭ ‬ألم‭ ‬صحوة‭ ‬يبقى‭ ‬حكمة‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬وحذر‭ ‬في‭ ‬التدبير‭. ‬فالخيانة‭ ‬عصية‭ ‬على‭ ‬النسيان،‭ ‬لذلك‭ ‬تبقى‭ ‬محفورة‭ ‬على‭ ‬جذع‭ ‬الذاكرة،‭ ‬تُقرأ‭ ‬كلما‭ ‬طاف‭ ‬بها‭ ‬شريط‭ ‬الذكريات‭. ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تقوى‭ ‬على‭ ‬انسان‭ ‬امتلك‭ ‬سر‭ ‬الزمان‭ ‬وهو‭ ‬الحب‭.‬

السلوكيات‭ ‬الخبيثة‭ ‬هي‭ ‬القرين‭ ‬الخفي‭ ‬للقيم‭ ‬الراقية،‭ ‬فلا‭ ‬جمال‭ ‬بلا‭ ‬قبح،‭ ‬ولا‭ ‬نور‭ ‬بلا‭ ‬ظلام‭. ‬وكما‭ ‬يقول‭ ‬جبران‭ ‬خليل‭ ‬جبران‭ ‬‭”‬فلولا‭ ‬سواد‭ ‬بعضنا‭ ‬لكان‭ ‬البياض‭ ‬اصم ولولا‭ ‬بياض‭ ‬بعضنا‭ ‬لكان‭ ‬السواد‭ ‬اعمى‭”‬‭.‬

فالكيفية‭ ‬التي‭ ‬يقرأ‭ ‬فيها‭ ‬الانسان‭ ‬رسالته‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬الدور‭ ‬الأبرز‭ ‬لمن،‭ ‬للأصيل‭ ‬أم‭ ‬للقرين؟؟؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق