لينا خورى

كـلــمــاتــنــــا

بقلم/ لينا خورى

مفاتيح‭ ‬أبواب‭ ‬الفعل‭ ‬هي‭ ‬الكلمات‭… ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬نغمة‭ ‬على‭ ‬أوتار‭ ‬الصوت،‭ ‬أو‭ ‬شرايين‭ ‬حبر‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬ورقة،‭ ‬أو‭ ‬أثلام‭ ‬محفورة‭ ‬على‭ ‬حجارة‭ ‬لم‭ ‬تنسى‭ ‬حكاياتها‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭. ‬الكلمة‭ ‬هي‭ ‬مخاض‭ ‬انبثاقٍ‭ ‬للفكر،‭ ‬ومقياسٍ‭ ‬لسموه،‭ ‬ومعيار‭ ‬لنضوج‭ ‬الوعي‭ ‬الفردي‭ ‬والجمعي‭.‬

للكلمة‭ ‬كيان‭ ‬ملون،‭ ‬كألوان‭ ‬الخريف‭ ‬مودّعةً‭ ‬الصيف‭ ‬ومتحسّرة‭ ‬على‭ ‬ربيع‭ ‬ولى‭ ‬بسرعة،‭ ‬ومستسلمة‭ ‬لرمادية‭ ‬الشتاء،‭ ‬لها‭ ‬أثوابها‭ ‬ترتديها‭ ‬في‭ ‬مناسباتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬بجمالها‭ ‬تنافس‭ ‬وهج‭ ‬الأحجار‭ ‬الكريمة،‭ ‬وبدفئها‭ ‬تسرق‭ ‬مكان‭ ‬الشمس‭ ‬الغافية‭ ‬على‭ ‬التلال‭ ‬الخضراء‭.‬

فالكلمة‭ ‬الطيبة‭ ‬كالندى‭ ‬تنعش‭ ‬أوراق‭ ‬القلب‭ ‬المتيبسة،‭ ‬وجواز‭ ‬سفر‭ ‬لتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الفكر‭ ‬الصلد،‭ ‬وتكون‭ ‬برداً‭ ‬وسلاماً‭ ‬في‭ ‬إخماد‭ ‬حُمى‭ ‬الخلاف،‭ ‬وهي‭ ‬الحبل‭ ‬السري‭ ‬لأصحاب‭ ‬السريرة‭ ‬الطيبة‭ ‬والمشاعر‭ ‬المرهفة‭. ‬فكم‭ ‬من‭ ‬مسافات‭ ‬بعيدة‭ ‬بين‭ ‬الأحباء‭ ‬والأهل‭ ‬تتقزم‭ ‬أمام‭ ‬كلمات‭ ‬مشبعة‭ ‬بالمحبة‭ ‬صاخبة‭ ‬بالاشتياق‭. ‬وفي‭ ‬كلمات‭ ‬تتغربل‭ ‬يوميات‭ ‬العمر،‭ ‬ويُنتقى‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬سُجل‭ ‬على‭ ‬أوراق‭ ‬الذاكرة،‭ ‬فتكون‭ ‬ميراث‭ ‬وجداني‭ ‬للأجيال‭.‬

فيها‭ ‬يُعَلب‭ ‬الواقع‭ ‬بزخم‭ ‬أحداثه‭ ‬في‭ ‬مفاهيم‭ ‬سلسة‭ ‬الهضم‭ ‬للفكر‭… ‬وتصبح‭ ‬عدسة‭ ‬مبدعة‭ ‬الاحتراف‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬الخيال‭ ‬لخلق‭ ‬صور‭ ‬لأساطير‭ ‬وحكايات‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬متوارثة‭.‬

الكلمة‭ ‬هي‭ ‬مرآة‭ ‬أعماق‭ ‬النفس،‭ ‬تتماهى‭ ‬مع‭ ‬ألوان‭ ‬الانفعالات‭ ‬والعواطف،‭ ‬فكما‭ ‬هي‭ ‬مبهجة‭ ‬في‭ ‬أوقات،‭ ‬تكون‭ ‬مزعجة‭ ‬وجارحة‭ ‬كنصل‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬أخرى،‭ ‬ومحفزة‭ ‬لفعل‭ ‬قتل‭ ‬وجودي‭ ‬أو‭ ‬وجداني،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬خلاسية‭ ‬بغاية‭ ‬تحديد‭ ‬موقف‭ ‬واضح‭.‬

الكلمة‭ ‬اجتماعية‭ ‬لا‭ ‬تعطي‭ ‬معنى‭ ‬الا‭ ‬بتشابك‭ ‬حروفها،‭ ‬ولا‭ ‬تكون‭ ‬فاعلة‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬أخواتها‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬الإدراكات‭ ‬الشعورية‭ ‬لتقدم‭ ‬المفهوم،‭ ‬قد‭ ‬تنكفئ‭ ‬وتعلن‭ ‬تمردها‭ ‬أو‭ ‬حزنها‭ ‬أو‭ ‬غضبها،‭ ‬فهي‭ ‬والإنسان‭ ‬واحد،‭ ‬وهي‭ ‬الامتداد‭ ‬لوجوده‭ ‬الأثيري،‭ ‬يُفنى‭ ‬الجسد‭ ‬ولكن‭ ‬تبقى‭ ‬الكلمات‭ ‬أجنحة‭ ‬الروح‭.‬

وقد‭ ‬تكون‭ ‬الكلمة‭ ‬سببا‭ ‬في‭ ‬الانقسام‭ ‬والنزاع،‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬غريبة‭ ‬وغير‭ ‬مفهومة‭ ‬للآخر،‭ ‬فتصبح‭ ‬عاملاً‭ ‬للصراع‭ ‬وليس‭ ‬جسر‭ ‬اتصال،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬أسطورة‭ ‬برج‭ ‬بابل‭. ‬وأكثر‭ ‬مشهد‭ ‬دراماتيكي‭ ‬لانهيار‭ ‬الكلمة‭ ‬معنى‭ ‬وقيمة،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحروب،‭ ‬حيث‭ ‬تنزوي‭ ‬وتتوارى‭ ‬الكلمة‭ ‬الراقية‭ ‬مترافقة‭ ‬مع‭ ‬انهيار‭ ‬أخلاقي‭ ‬وحضاري،‭ ‬ويطفو‭ ‬القاع‭ ‬بطمي‭ ‬كلماته‭ ‬ومفاهيمه‭.‬

عذاب‭ ‬الكلمة‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تُعطى‭ ‬الدور‭ ‬الأول،‭ ‬بل‭ ‬دائما‭ ‬الفعل‭ ‬بؤرة‭ ‬الاهتمام،‭ ‬وان‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬فعل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يولد‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬كلمات‭… ‬ولكنها‭ ‬لعنة‭ ‬‭”‬كاساندرا‭”‬‭ ‬كما‭ ‬ترويها‭ ‬الأسطورة،‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يسمع‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬أفواه‭ ‬الحكماء‭ ‬والمفكرين،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يصدقها‭ ‬ولا‭ ‬يكتشف‭ ‬صدقها‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان،‭ ‬كاساندرا‭ ‬الكاهنة‭ ‬اليونانية‭ ‬التي‭ ‬امتلكت‭ ‬النبوءة‭ ‬والمعرفة‭ ‬ولكن‭ ‬لعنة‭ ‬أبولو‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬الحقيقة‭ ‬بكلماتها‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يصدقها‭ ‬أحد،‭ ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬معاناة‭ ‬الأنبياء‭ ‬والمبدعين‭ ‬وأصحاب‭ ‬الفكر‭ ‬والمعرفة‭ ‬في‭ ‬نشرهم‭ ‬للكلمة‭.‬

حرية‭ ‬اختيار‭ ‬الكلمة‭ ‬المناسبة‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬الانسان‭ ‬المطلقة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬عالم‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬تحكمه‭ ‬القيم‭ ‬العادلة‭ ‬والأخلاق‭ ‬الرفيعة‭ ‬والجمال‭ ‬وحب‭ ‬الحياة‭ ‬أو‭ ‬عالم‭ ‬ضبابي‭ ‬متعب،‭ ‬تائه‭ ‬الهدف‭.‬

جميل‭ ‬أن‭ ‬نختار‭ ‬كلماتنا‭ ‬‭”‬بدقة‭ ‬الجوهرجي‭” ‬لأنها‭ ‬متى‭ ‬ولدت‭ ‬لا‭ ‬تموت‭ ‬ولا‭ ‬تعود‭. ‬فكلماتنا‭ ‬هي‭ ‬حجار‭ ‬الواقع،‭ ‬وبها‭ ‬نخلق‭ ‬الوجود‭ ‬من‭ ‬الفكرة‭ ‬إلى‭ ‬الفعل،‭ ‬ونعطي‭ ‬الهوية‭ ‬لأعمالنا‭.‬

الكلمة‭ ‬حنطة‭ ‬بيادر‭ ‬الفكر،‭ ‬فلتكن‭ ‬مغذية‭ ‬وغنية‭ ‬بالمنفعة،‭ ‬ومشبعة‭ ‬لشغف‭ ‬عشاقها‭.‬

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق